دوّى الصوت: طاخ. ليس ثمة ظن ضئيل لديّ بأن ذلك يمكن أن يكون بروفة ألعاب نارية. طلبت من محدثي معاودة الاتصال لاحقاً، فيما طفقتُ مُسلِماً جسدي لإهاب قفزة بهلوانية سريعة.
عاد الصوت ثانية: طااخ طاااخ طااااخ.
الشيء التلقائي الذي أفعله عادة في المواقف التي من هذا النوع – في الواقع إن هذا ما يفعله كل أهل حينا القابعين في البيوت - هو استراق النظر من النافذة المطلة على الزقاق الممتد من باب بيتنا الخارجي باتجاه بيت الحاج منصور السبسيب شرقاً.
وهو ما فعلت حقيقة.
كانت مجموعتان من قوات مكافحة الشغب يذرعون الحيّ راجلين، كل واحدة في زقاق مختلف، بنادقهم في وضعية صالحة للتسديد.
ما قطع سعار المشهد الخارق هذا، هو صوت صفير رهيف كان أقرب إلى إشارة "شيفرة" مقصودة، منه إلى ترنيمة عاشق ولهان في مثل هذا الوقت.
إنني أدين بالجميل إلى القدر الآن، لأن مثل هذا المشهد يحدث مساء يوم الجمعة 18 مايو/ أيار 2007 وليس في أي يوم من أيام 1994 أو 1995 أو 1996 أو 1997 أو 1998.
ذلك أن استراق نظرة مثل هذه في وضع مشابه تماماً، في يوم من أيام ملهاتنا التسعينية، كلفتني استقبال بعض "الطاخات" من طريق النافذة، واقتحام بيتنا، وإفزاع العمّ حميد وأطفاله؛ حيث كان يقيم في الطابق السفلي، بحثاً عن متلصّص أطلّ من فوق!.
وهو ما دعاني ساعتئذ إلى أن أسلم رجلي إلى رحلة فلتان ضافري فوق السطوح المتراصّة، من بيت لآخر، وهي ميزة لا يعرف قيمتها إلا من يعيش في قرية مضطربة أمنياً على الدوام.
كان الهلع يتقافز من عين أمي مثل من نُكبت بصاعق مبير، وهي حاولت إثنائي عن الفلتان راسمة بيديها على الباب شكل صليب، ولم أنجُ من قبضتها إلا حين اقتنعَت تماماً بأن مكْث شاب من عمري في مثل هذا الموقف أسوأ من الفلتان "المؤقت" بكثير.
لنتذكر هنا فقط، أن الشهيد نضال النشابة – رحمه الله ولعن قاتليه إلى يوم الدين – كان ضحيةً لعيّار ناري طفر من بين يدي قناص جبان، في استراقة نظر "درازية" مثل هذه، مع الفارق في التشبيه طبعاً.
دوّى الصوت مرة أخرى: طاخ. الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً. الجمعة 18 مايو/ أيار 2007. عدت إلى صاحبي لاستكمال حديثنا الهاتفي. الألفة، الألفة. المشهد نفسه يتكرر هذا المساء (الأحد) 20 مايو/ أيار. الساعة الثانية عشرة والنصف من بعد منتصف الليل، ورسالة نصية وصلت توّاً يقول فيها مرسلها: "قوات الشغب يقبضون على شخص في شارع المقبرة ويضربونه ضرباً مبرحاً والدماء تسيل من وجهه ورأسه". غداً نعرف إن كان من قريتنا أو من قرية أخرى. هكذا جرت العادة. أغلق جهاز الكمبيوتر عائداً إلى رواية "فتاة الترومبون" لأنطونيو سكارميتا، وأنا فلتان فلتان.
* الصورة منقولة من مدونة "مدخنة الرياش".












20 مايو, 2007 11:52 م