مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

الباب الموارب

غضون مطالعتي في رواية "التنور" الصادرة العام 1994 للروائي البحريني وابن جزيرة المحرق والصديق فريد رمضان، لفتني وصفه الدقيق إلى مدخل سوق المنامة القديمة الذي كانت تمر عبره أغلب الواردات التجارية، والمعروف بـ"باب البحرين". وعلى الرغم من أن كثيراً من المعالم المحيطة به قد اختلفت الآن، بفعل الزحف العمراني، إلا أن الوصف ما يزال ينطبق، في كثير منه، على وضعية الباب الآن.

شيد باب البحرين في العام 1917 وكان يضم عهدئذ أول مكتب جمركي، فيما تحاذيه من الجهة الخلفية مكاتب الهجرة والجوازات وإدارة الأوقاف، كما أشار إلى ذلك رمضان. هذا فضلاً عن أن الباب كان مطلاً على فرضة (ميناء) المنامة القديمة، مقرّ السفن الشراعية التي كانت تبحر من أجل الصيد أو، حتى السفر. الآن، كما نعرف لم تعد أي من المكاتب هذه قائمة؛ إذ جرى نقلها إلى الحورة أو المنطقة الدبلوماسية، فيما قام محل فرضة المنامة، مرفأ البحرين المالي المشيد حديثاً. غير أن الباب ظل نفسه وحافظت الترميمات التي أجريت عليه على معظم معالمه العمرانية القديمة.

 
...

...

ثمة مركب يستند على مرفأ المنامة، وينثر ركابه بصناديقهم وحكاياتهم التي تقطع طريق النسيان.

ثمة رجل يعرض أوراقه على رجال الجمارك، يمسك صندوقاً محملاً بملابس قليلة. وَلدٌ في العاشرة يقف بالقرب منه، يكاد يلتحم به.

يمران أمام باب البحرين الذي يبدو في هذا النهار الجديد بؤرة للابتهاج والحبور. فالمبنى المطلي بالجير الأبيض الناصع يطل على مرفأ المنامة الكبير، وميدان الجمارك، حيث يمكن للمرء مشاهدة حركة العمال، السفن، والقوارب، بأحجامها وأعدادها الكثيرة التي تصل أحياناً إلى مائة سفينة.

يتوسط هذا المبنى قوس كبير يشكل مدخلاً يسمح بمرور العربات والسيارات والحمالين، تتوزع على جانبيه المحلات التجارية.

في واجهة المبنى تتهندس النوافذ ذات المخرمات الخشبية المتقنة، المتمازجة بالجبس والجص، حيث الجداريات والعقود الدائرية العريضة المزخرفة. أما في جانبه الخلفي فيمتد بين جانبي القوس الكبير سُلّمان خشبيان مزخرفان يؤديان إلى الطابق العلوي، حيث مكاتب الهجرة والجوازات، ودائرة الأوقاف. في أعلى مركز القوس تبدو ساعة كبيرة، يقوم عند مغيب كل يوم عاملان أو ثلاثة بشحنها يدوياً كي تواصل دورتها اليومية.

ربما فاتحون أخذوا الطريق، فتكوا بالأرض.

ربما غرباء حزموا كنوزهم بعد هجوم مباغت.

ربما تجار جاءوا بتوابلهم وأسسوا المدينة.

ربما رسل، صحبة شدوا حجارتها وعبروا الفيافي.

ربما خطايا ارتهنت هذا الوحم بوحشية ليس له أحد.

ربما بحار عبر إلى هنا، أرخى صاريته وعبّ من العذاب.

 

من رواية "التنور" لفريد رمضان

كتاب مجلة كلمات، العدد 12 الصادر عن أسرة الأدباء والكتاب

ط1، 1994

 

* من الأعلى، صورة حديثة لباب البحرين تتلوها صورة لنفس الباب ملتقطة في نهاية الأربعينات.

 

 


أضف تعليقا

فجر السنابس من البحرين
18 مايو, 2007 12:35 م
سلام،

أعجبني الوصف الدقيق لتفاصيل الباب الموارب.

العبور من تحت ظلال باب البحرين لطالما يبث في نفسي شيئ من الإعتزاز، عندما أقود سيارتي دونما وجهة معينة أجد نفسي دائما بالقرب من ذاك الباب، يشدني دوما إليه بإستثناء (لهنود)المتمركزين هناك ظنا منهم إن المنطقة التي تقابل الباب هي محطة للنوم (ع الطاير) وأحيانا لإلتقاط بعض الصور!

عموما،،،

شكرا على المقال أخ حسين

تحياتي

فجر السنابس
layal من البحرين
19 مايو, 2007 04:50 م
عندما امر بوالدتي حفظها الله بقرب باب البحرين تصر ان اخذها لفة بالسيارة لتمر من تحت الباب
لا اعلم ما سر ذلك لكن يكفني انها امنيه تحب ان احققها لها كلما مررنا هناك
باب البحرين جزء من حضارة وتاريخ من العرق والاسفار والغوص والحياة وحتي الموت

حسين ما هي قصه الخيط الاسود علي صورتك ؟؟
اعوذ بالله من مزاج متقلب :-)
noor185 من البحرين
19 مايو, 2007 08:14 م
عندما قرأت هذا الوصف لمشهد لم أره شعرت بالحنين الى تلك الايام والى زمن لم أعشه
فذاكرة الوطن هي ذاكرتي



فاطمة البحرانية من البحرين
06 يونيو, 2007 11:02 ص
أقول حجي حسين بما أنه الكلام عن فريد رمضان والشيء بالشيء يذكر سمعت أنه فريد رمضان سوا أستراتيجية للثقافة في البحرين تنظم العمل الثقافي الأهلي بس ما أدري وين أحصلها

ما أدري أذا عندك رابط يودي لهذه الأستراتيجية

أكون شاكرة ومع السلامة

فريد رمضان من البحرين
10 يونيو, 2007 04:14 م
عزيزي حسين
تحياتي البيضاء
شكرا على هذه الالتفاته الجميلة حول باب البحرين، والمقتطع المنشور هنا اسميته في رواية التنور "غيمة لباب البحرين".
هل تعرف انه كلما مررت بباب البحرين رفعت رأسي إلى السماء لاترحم على المستشار "بلغريف" الذي اصر على اطلاق اسم باب البحرين على هذا المبنى، لانه كانت هناك نية بتسميته بباب الشيخ سلمان!! راجع مذكرات بلغريف ص:347 تخيل لو تم ذلك، هل كان سيأخذ هذا الباب هذا البعد الحميمي عند أهل البحرين؟؟
على فكرة المبنى افتتح في عام 1949م وليس 1917م، كما ذكرت في مقالك.

لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com