مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

العيش في الرموز I

 

 
كان الفتح الذي دشن به سيجموند فرويد (مايو/ أيار 1856 - سبتمبر/ أيلول 1939) بدايات القرن المنصرم، والذي سيعد تالياً واحداً من فتوحات ما بعد الحداثة، هو وقوفه على قارة في منتهى الخطورة لكنها كانت – إلى ما قبل إسهاماته في إطار العلم التحليلي النفسي - مجهولة على مستوى الفكر البشري.
لقد وجه فرويد ضربة موجعة إلى الطمأنينة العلمية التي وسمت الفكر والثقافة الحديثين منذ الثورة الفرنسية، حين ذهب إلى أن السلوك الإنساني ليس محض عمليات واعية مردها إلى العقل والخبرة العملية.
إنما العكس تماماً صحيح، فالعقل والوعي ومشتقاتهما ليسا سوى خادمين رسميين عند مؤسسة غير رسمية سيحدث وأن يطلق عليها: اللاوعي.

 وقد أدى هذا الاكتشاف إلى إصابة البشرية الحديثة بنوع من "الجرح النرجسي" – والعبارة لجورج طرابيشي مترجم معظم أعمال فرويد – شبيه بذاك الجرح الذي أصابها عندما بغتها كوبرنيكوس – الذي لاقى ربه عقاباً له على جرأته – حين قال: الأرض ليست محور الكون!.

وقد يعترض معترض هنا ويقول إن فرويد ليس أول من يفتح على هذه الفكرة، وهذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً، وهو ما يحسب له، هو أنه أخذ بها (فكرة اللاوعي) إلى حيث مدياتها القصوى.

ومثلت جميع إسهاماته التي طاولت مواضيع من قبيل الهلاس والوسواس والهفوات والهذيان والطوطم والحرام والحياة الجنسية والأحلام معيناً سخياً، دالاً على معالم المنطقة هذه أو القارة الجديدة المكتشفة.

وأنا وجدتني أعود إلى قارة فرويد بعد أن أفسد نومي ليلة عيد ميلادي حلم غريب لم أجد سبباً كافياً لأن أدعه يمرّ من دون أن أكون قد بسطت كامل سلطاني عليه.

وبما أن بسط السلطان بحاجة إلى المعرفة على الدوام، فلقد واظبت غضون الثلاثة الأيام الماضية وحتى ساعات متأخرة من الليل، على إعادة قراءة ثلاثة كتب لفرويد: "نظرية الأحلام" و"الحلم وتأويله" و"الهذيان والأحلام في الفن".

لا أقول الآن إنني قد بلغت حدّ تأمين سيادتي الكاملة على جغرافيا أحلامي، ولكن على الأقل أصبح لدي نوع من السلطة عليها من شاكلة "السلطة" تلك التي لدى أي مسؤول بالاسم في "قطاع الثقافة" لا حول له أو قوة!.

واجهت فرويد غضون انهمامه على دراسة الأحلام مشكلة دائمة، وهي أن أغلب عينات الأحلام التي لديه، هي لمرضى عياديين كان يشرف على معالجتهم.

وبما أنه كان يريد الوصول إلى نظرية في الأحلام، لذا لم يجد بدّاً من البحث عن عينات أخرى لأناس أصحّاء نفسياً، حتى يؤمن لتحليلاته نوعاً من "الموضوعية" التي تسمح له باستخلاص قوانين عامة في الحلم.

وهنا تبدت مشكلة أخرى، وهي أن أغلب الناس الأصحاء كانوا يعتبرون أحلامهم ضرباً من الخصوصية الذاتية التي قد يؤدي وضعهم لها في عهدة شخصية "داهية" مثل فرويد إلى إباحة حياتهم الشخصية للرائح والغادي.

وسنعرف مدى خطورة هذا الشيء، حين نكتشف أن فلسفة فرويد في تأويل الأحلام تقوم بدرجة أولى على "التداعي الحر" بين الطبيب وصاحب الحلم الذي يستوجب على الأخير أن يبوح بكثير من الأشياء والذكريات عن شخصيته قد يحدث وأن تنتهي به إلى الكشف عن كامل "بطاقة" هويته. بل أن هذا ما يحدث عادة.

وهنا نقطة الفرق التي تؤمن لفرويد تمايزاً عن كل المدارس الأخرى التي سعت إلى مقاربة موضوع الأحلام. فليس لدى فرويد "لائحة شيفرة" يمكن بواسطتها للشخص الحالم أن يعرض حلمه عيها، فيعثر من خلالها على معاني للأحجية والرموز التي تضمنها الحلم.
وأفضل التأويلات الحلمية عنده، بل وأدقها مطابقة مع الحقيقة، هي تلك التأويلات التي يجريها الطبيب بمعية الشخص الحالم نفسه.

وعلى العموم، إن هذا ما دعا فرويد إلى استخدام رموز لأسماء الأشخاص الأصحاء الذين راح يسرد أحلامهم في كتبه، فضلاً عن أحلامه هو نفسه.  

من جهتي، فأنا سآخذ بهذه المسألة في الحسبان وسأتوقف عن تطبيق أي شيء مما قرأت – أمام الملأ - على حلمي الذي عرضته في الأسفل، مكتفياً في هذا الشأن بتدوين ملخصات صغيرة – على حلقات - لأهم مافي نظرية فرويد، راجياً أن يعذرني أي متخصص في علم النفس التحليلي يمر على هذا "المداس" الطاهر، لأنني أخوض في موضوع ليس من تخصصي، ألبتة.
وليعتبر ما كتبت هنا، وما سأكتب، نوعاً من الفهم ليس يخلو من الخطأ والزلل، ما من شك في ذلك، لما تكوّن لديّ من حصيلة متواضعة بعد قراءتي الكتب المذكورة.
شيء أخير أشير إليه هنا، فقد درجت الأفهام السائدة على اختصار نظرية فرويد في الأحلام في تلك المعاني الإيروسية التي خلعها على الرموز الحلمية.
وبحسب الأفهام هذه يتم اختصار الرؤية الفرويدية في حدود ما يتمثل لدى الحالم في شكل تجويف أو وعاء على أنه الجهاز التناسلي للمرأة، وما يتمثل له في شكل آلة قضيبية على أنه الجهاز التناسلي للرجل. وأنا أقول إن ذلك خطأ.
لا يعني ذلك نفيي التام لهذا النوع من الفهم، إنما أنا أسجل اعتراضي على بساطته وفقره الشديدين.
ومن يقرأ كتب فرويد المذكورة سيجد أن هذا المستوى من التأويل لايشغل إلا حيّز فصل واحد في كتابه "نظرية الأحلام".
وللحق، فإن نظريته أمتن وأوسع من ذلك بكثير، كما سيتضح ذلك تباعاً.
أشير أيضاً – وأرجو أنني ألتزم بجعل الإشارة هذه الإشارة الأخيرة – إلى أن تدويني للحلقات سيكون خاضعاً لحالاتي المزاجية خضوعاً تاماً.

معنى ذلك، أنني لن أتوقف عن وضع تدويناتي الأخرى التي لا تمت من قريب أو بعيد بصلة إلى هذا الموضوع، كما يعني أيضاً أنه قد يمضي وقت طويل – وأرجو ألا يحدث ذلك – ولا ينبسط معي المزاج لإضافة أي حلقة مما قطعت على نفسي وعداً به. أو.... ربما لا يكون لدي ما أضيفه أصلاً!.

 



أضف تعليقا

تأملات تافهة من لبنان
08 مايو, 2007 03:02 م
سلاماات شقيق:

بالحديث عن الرموز و الأحلام و تفسيراتها, راودني هذه الليلة حلم - عادي- ترك لدي أثر أسوأ الكوابيس.
و لولا العيب و الحياء, لكنت اتصلت بك عند الثالثة صباحاً لأسألك تفسيره.
اما مصيبتي التالية فكانت عند عودتي للنوم - بعد حوالي الساعة و النص- راودني حلم آخر أكثر إزعاجاً من الأول.

للعلم فقط: لم أخبّص بالأكل قبل النوم, و لو أفكر بك و بمقالاتك...
و للعلم أيضاً: الحلمان رغم عاديتهما, كانا مثقلان بالرموز لدرجة عجيبة.
و لا تخف, سأرسلهما لك بإيميل مفصل.

زينب.
marhoon1978 من البحرين
08 مايو, 2007 05:20 م
هههه
لاااا زوربا. لحد الآن لم أضع نفسي في موضع من يفسر الأحلام. كلش مو مهيأ أنا حتى أدخل على شغل شعوذة : -)
الأمر كله يتعلق بهاجس ذاتي أحببت أن أدونه هنا لا أكثر ولا أقل. بس أشوف ابعثي الحلم على الميل خليني أشوفه. يمكن يطلع منه نص حلو. أما أن أفسره .... فلا.

لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com