
وقد أدى هذا الاكتشاف إلى إصابة البشرية الحديثة بنوع من "الجرح النرجسي" – والعبارة لجورج طرابيشي مترجم معظم أعمال فرويد – شبيه بذاك الجرح الذي أصابها عندما بغتها كوبرنيكوس – الذي لاقى ربه عقاباً له على جرأته – حين قال: الأرض ليست محور الكون!.
وقد يعترض معترض هنا ويقول إن فرويد ليس أول من يفتح على هذه الفكرة، وهذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً، وهو ما يحسب له، هو أنه أخذ بها (فكرة اللاوعي) إلى حيث مدياتها القصوى.
ومثلت جميع إسهاماته التي طاولت مواضيع من قبيل الهلاس والوسواس والهفوات والهذيان والطوطم والحرام والحياة الجنسية والأحلام معيناً سخياً، دالاً على معالم المنطقة هذه أو القارة الجديدة المكتشفة.
وأنا وجدتني أعود إلى قارة فرويد بعد أن أفسد نومي ليلة عيد ميلادي حلم غريب لم أجد سبباً كافياً لأن أدعه يمرّ من دون أن أكون قد بسطت كامل سلطاني عليه.
وبما أن بسط السلطان بحاجة إلى المعرفة على الدوام، فلقد واظبت غضون الثلاثة الأيام الماضية وحتى ساعات متأخرة من الليل، على إعادة قراءة ثلاثة كتب لفرويد: "نظرية الأحلام" و"الحلم وتأويله" و"الهذيان والأحلام في الفن".
لا أقول الآن إنني قد بلغت حدّ تأمين سيادتي الكاملة على جغرافيا أحلامي، ولكن على الأقل أصبح لدي نوع من السلطة عليها من شاكلة "السلطة" تلك التي لدى أي مسؤول بالاسم في "قطاع الثقافة" لا حول له أو قوة!.
واجهت فرويد غضون انهمامه على دراسة الأحلام مشكلة دائمة، وهي أن أغلب عينات الأحلام التي لديه، هي لمرضى عياديين كان يشرف على معالجتهم.
وبما أنه كان يريد الوصول إلى نظرية في الأحلام، لذا لم يجد بدّاً من البحث عن عينات أخرى لأناس أصحّاء نفسياً، حتى يؤمن لتحليلاته نوعاً من "الموضوعية" التي تسمح له باستخلاص قوانين عامة في الحلم.
وهنا تبدت مشكلة أخرى، وهي أن أغلب الناس الأصحاء كانوا يعتبرون أحلامهم ضرباً من الخصوصية الذاتية التي قد يؤدي وضعهم لها في عهدة شخصية "داهية" مثل فرويد إلى إباحة حياتهم الشخصية للرائح والغادي.
وسنعرف مدى خطورة هذا الشيء، حين نكتشف أن فلسفة فرويد في تأويل الأحلام تقوم بدرجة أولى على "التداعي الحر" بين الطبيب وصاحب الحلم الذي يستوجب على الأخير أن يبوح بكثير من الأشياء والذكريات عن شخصيته قد يحدث وأن تنتهي به إلى الكشف عن كامل "بطاقة" هويته. بل أن هذا ما يحدث عادة.
وعلى العموم، إن هذا ما دعا فرويد إلى استخدام رموز لأسماء الأشخاص الأصحاء الذين راح يسرد أحلامهم في كتبه، فضلاً عن أحلامه هو نفسه.
معنى ذلك، أنني لن أتوقف عن وضع تدويناتي الأخرى التي لا تمت من قريب أو بعيد بصلة إلى هذا الموضوع، كما يعني أيضاً أنه قد يمضي وقت طويل – وأرجو ألا يحدث ذلك – ولا ينبسط معي المزاج لإضافة أي حلقة مما قطعت على نفسي وعداً به. أو.... ربما لا يكون لدي ما أضيفه أصلاً!.











08 مايو, 2007 03:02 م