"...ألفى نفسه وأهليه في مرمى القذائف المميتة المتوافدة من كل صوب - ألفى طائفة من البهرة يحتمون معه في بيت أسرته الذي بدت جغرافيته مختلفةً بشكل جذري عما كانت عليه إلى ما قبل ساعات قليلة - راح بعض البهرة النازحين يسترقون النظرات من طريق السطح العلوي، وتحديداً من الجهة المطلة على الشارع الرئيس الواقع في ظهر البيت.
أما هو فقد كان يشير عليهم بالتراجع أو، في الأقل، خفض رؤوسهم اتقاء النيران التي لم يكن واضحاً تماماً مصدرها - لكنه كان يستعيد في ذاكرته - في محاولة لتفسير ما يحدث! - كلمات المستشار الذي تحدّث عن تصفيات جسدية لناشطين سياسيين - ارتأى أن يستبدل الغرفة التي كانت تحتمي فيها أمه وأختاه بغرفة أخرى تقع في الطابق العلوي - بدا أن القذائف في طريقها إلى أن تدهم البيت بأكمله، وهو ما دعا أحد البهرة، وكان هذا شاباً، لأن يطلب من أفراد طائفته المسارعة بالخروج واستبدال البيت بآخر.
التقت عيناه في عيني الشاب للحظات، تردد قليلاً في أي القرارات يأخذ، ثم خفّ سريعاً إلى الغرفة التي تحتمي فيها أمه وأختاه من أجل إقناعهن باللحاق مع من خرج - كن هؤلاء يصلّين ويتهجدن بالأدعية والنجاوى، ولم يكنّ يعطين شأناً ذا بال لدعواته لهن بالخروج، حتى أنهن لم يقطعن تهجدهن".
...
كانت تلك هي فحوى حلم غريب رأيته ليلة البارحة، وقد جهدت على أن أكون وفياً لوقائعه ما استطعت عند إعادة تمثله وكتابته. أعرف أن هذا شيء مستحيل، لكنني وأنا أكتبه – وهذا مثال على ما تيسّر لي من وفاء - عملت على استبعاد الكثير من المفردات والجمل التي كان يمكن للنص الآنف أن يغدو بها أجمل أو أدقّ لو قمت باستعمالها، إنما مع قبولي مستوى من مستويات الخيانة. فمثلاً، استعملت في النص جملة "بدت جغرافيته مختلفة"، وكان يمكنني أن أستعمل جملة أدق، وهي "بدا معماره مختلفاً" للدلالة على أن بيتنا - كما ظهر في الحلم - جاء مختلفاً تماماً عما هو عليه في الواقع المادي. والسبب في ذلك أن كلمة "جغرافيا"، هي التي التمعت في ذهني للوهلة، وأنا أستعيد وقائع الحلم، بعد استيقاظي من النوم مباشرة.
وفي الواقع، لم أكن قبل هذا الوقت أولي أهمية للأحلام من قريب أو بعيد، إلى أن تهيأت لي في العام الماضي قراءة كتاب سيجموند فرويد "نظرية الأحلام". جزء من اهتمامي الطاريء والحديث هذا، راجع إلى أن فرويد – وهذا ما وجدته يتناسب تماماً مع إيمانياتي الأقلّ التصاقاً بشؤون التقديس والغيب – لا يرى في الحلم محوّلاً على نبوءات أو خبرات مستقبلية أو "رؤى صادقة" – بحسب المصطلح السائد في التفسيرات المثالية -، بقدر ما هو محوّل على خبرات ماضية حصلت قبل لحظة الحلم.
وحسب فرويد، فإن الخبرات التي تتم استعادتها في الأحلام ليست تلك القريبة جداً من وقت حصول الحلم، إنما تلك البعيدة، والسابقة عليه بيومين أو يزيد.
وهذا رأي كافٍ بالنسبة لي، لكي أعزو السبب في ضيافة "البهرة" على مائدة حلمي إلى إعلان قرأته قبل يومين في إحدى الصحف المحلية عن تحقيق سوف يُنشر على حلقات عن طائفة البهرة في البحرين. ثم أن القذائف المميتة وكلمات المستشار والصحيفة "المتهمة حتى إشعار آخر!" نفسها، كلها مفاتيح لسلسلة طويلة من الخبرات التي تستقر في اللاوعي – لا وعيي أنا – والمتعلقة بتقرير البندر الشهير، الذي شهدنا الأسبوع الماضي فقط، فصلاً جديداً من فصوله – راجع في الأسفل موضوعاً بهذا الصدد -.
تلك كانت مجرد محاولة في ربط بعض أجزاء الحلم ببعضها، ولكن الأهم من كل ذلك ليس هنا. الأهم أن هذا الحلم جاء بعد نحو ثلاث ساعات من بدء استقبالي رسائل المهنئين بعامي الجديد. يا ساتر يا رب، وكل عام ومواليد برج الثور بخير.










01 مايو, 2007 01:52 ص