مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

بعض من عاداتي الجامعية السيئة

لا أملك كثيراً من الذكريات في جامعة البحرين. ويبلغ جهلي بها مستوىً، حدّ أنني مازلت أضيع بين ممراتها ذات التصاميم الفخيمة. وعند بداية كل فصل دراسي – كما هو الحال هذا الأسبوع -، أجد لزاماً عليّ اللجوء إلى قفّائي الأثر وعسس المباني المقوسة، لتحديد أماكن المحاضرات المسجلة عندي في الجدول الدراسي برموز لا أكاد أفقه منها شيئاً.

لكن وعلى رغم ذلك، فأنا قد أسهمتُ نهار هذا اليوم في تعريف "مزاجية" بطريق فرعي مختصر يمر عبر مصعد كهربائي، ويصل مابين دائرة القبول والتسجيل وقسم الإعلام. في السابق، كانت "الفقيرة" تلجأ إلى قطع الطريق الأرضي، متجشمة عناء المشي وسط حريق الشمس في فصل الصيف، وحبات المطر القليلة (عدا هذا العام طبعاً!) في حال كان الفصل شتاء. أقول ذلك، لأثبت أنني، وعلى جهلي الفاقع، ما زلت أفتخر بحيازتي على بعض من العلامات الإرشادية المضيئة، التي أستطيع أن أبزّ بها رأس "مزاجية" العنيد، ولو لمرة واحدة.

قلت إنني لا أملك كثيراً من الذكريات، وأنا جاد في كلامي تماماً. جزء من الأسباب أنا نفسي لا أعلمها، لكن الجزء الذي أعلمه، متأتٍّ من أنني لا أتوفر على موقف إيجابي من الجامعة. أعني جامعة البحرين تحديداً. وبما أن المقام هو مقام الحديث عن عاداتي الجامعية، لذا فسوف أتخلى مؤقتاً عن قول لماذا أنا غير متصالح، لا نفسياً ولا عقلياً، مع الجامعة، وأقصر كلامي على عاداتي التي سبق وأن أشرت في العنوان بأنها: سيئة.

وأبدأ بملاحظة "مزاجية" عليّ اليوم، أنني أحمل حاوية أقلام (مقلمة) في يدي "منتفخة" بما فقر واستغنى من أقلام. وفي الواقع، إنني أضع فيها كل شيء يمكن أن يعينني على قضاء أوقات السأم "الجامعي". أقلام "فلاش" ملونة وعددها خمسة. أقلام خطوط من ذوات 1 ملم، 2 ملم و3 ملم، وهي أيضاً متعددة الألوان، أحمر وأسود وأزرق. حاويات حبر صغيرة لها في حال شحّ حبرها. أقلام تخطيط ذوات رؤوس مدببة.

يبدأ استخدامي لأدوات القرطاسية الباذخة هذه من ثاني محاضرة، بعيد استشعاري لطبيعة الدكتور الذي أدرس عنده. فإن راق لي درسه، ووجدتني منشداً إلى علمه وأسلوبه، وهبته السمع والنظر. وإن لم يرق، فإنني غالباً ما أبدأ مشوار استنفاد الدقائق الطويلة، باستخراج ورقة مصقولة، وأبدأ في "الخطخطة" عليها: خطوط مائلة. أحرف وكلمات أغلبها مستقىً مما يجري على لسان الدكتور نفسه. وجوه أو ملامح وجوه. وحال تنتهي المحاضرة أجدني أمام لوحة "معتبرة" قابلة للبيع في أي مزاد علني.

وأرجو ألا يذهب خيالكم بعيداً هنا، لأنه لن يستطيع أن يتذوق لوحاتي إلا من أصيب بداء انعدام الشعور وبوار رهافة الحس!. وبالمناسبة أحد الدكاترة ضبطني على هذه الحال ذات مرة، وأنا لست في حلٍّ من ذكر اسمه، ومن يومها وضع علي "X"، إنما ومؤخراً فقط، تصالحنا.

واحدة من عاداتي أيضاً، هو تعاملي مع الفضاء الصفي باعتباره فضاء مكوناً من بؤر تركيز، بعضها ظاهر ومنتظم وبعضها الآخر خفي ومشتت. ولمن يسأل عني، أخبره بأنني أجلس عادة في البؤر الخفية الأكثر تشتيتاً للنظر، والتي لاتطالها عيون الدكتور، وإذا طالتها فللحظات خاطفة وانتقالية، لا أكثر ولا أقل. والمسألة سهلة جداً، فلا يتطلب تحقيق ذلك غير الجلوس في المقاعد الخلفية، قريباً من الركن، مع مراعاة أن يكون من يجلس أمامك طالبة "سمينة" أو طالب "سمين".

وأرجو ألا يفهم أحد ذلك على أنه انطوائية من أي نوع، على رغم أنني ليست لديّ عقدة من أن يفهم أحدٌ الأمر كذلك. أما مشاركاتي الصفية، فهي لا تحدث إلا إذا سُئلت، وتكون موجزة ما استطعت ذلك. وأغلب الأوقات أظل صامتاً. وفي الواقع، فإنني لم أكن كذلك في السنتين الأولين من دراستي. إذ غالباً ما كنت أشاكس الدكاترة، عبر استعراض ما كنت أتوفر عليه من ثقافة متواضعة بناءً على آخر كتاب قرأته. الآن هدأت، هدأت كثيراً. لم يعد لديّ شيء أشاغب به. كل الأشياء غدت رتيبة. كل الرهانات خاسرة!.

ومثل كل الكسالى الرسميين، فأنا كثير التغيّب – ادعوا لي ألاّ تقرأ رئيسة الجامعة ما أقوله هنا -، وإذا لم أغب فأنا آخر من يغلق الباب خلف الدكتور. وإذا لم أغلق الباب، فتأكدوا أن الدكتور اعتذر عن المجيء إلى المحاضرة!. الشيء الوحيد الذي مازلت ملتزماً به، وهذا كل ما يمكن أن يشفع لي، هو أنني لا أسيء التعاطي مع الامتحانات، سواء تلك الفصلية أو النهائية، ولا مع المشاريع المطلوبة ضمن المقرر الدراسي. غير ذلك من أشياء، من قبيل الحضور والمشاركة والمجموعات الصفية، فأنا مستغنٍ عنها وعن درجاتها... وبالبركة.

التحدي الأكبر الذي أواجهه، وأنا على قاب قوسين أو أدنى من التخرج، هو أنني اكتشفت اليوم أن المشاركة الفصلية لمقرر "الإخراج الصحافي" الذي أحضره لأول مرة، تصل إلى 40 درجة. وهو ما يعني، من جملة ما يعني: كارثة محققة. اللهم سترك!. 



أضف تعليقا

alkabbaz من البحرين
07 مارس, 2007 04:38 م
مستمتعين ومتابعين لك . .
كنت اريد اتكلم وياك في المؤتمرات الصحافية اللي تقابلنا فيها . . لولا الحياء . .

الله يساعدك على الجامعات:
وبخصوص الـ "المشاركة الفصلية لمقرر "الإخراج الصحافي"
(..)".
- اي مساعدة تفضل و لا تتردد،في الاخراج أو التنفيذ . .
e7sasy24 من البحرين
07 مارس, 2007 05:45 م
عزيزي..
انتظرتك كثيرا.. هالني غولك يا أخي ورأيك في مجنون مرسيل والحداد، قلت فأصبت..

شقيقي،
بالنسبة لعاداتك الجامعية فيقول سعد الله ونوس في مسرحية حنظلة: "أخطر ما يصيب السلحفاة أن تنقلب على ظهرها".. ويبدو أننا في أول فصل جامعي نُقلب على ظهورنا..

على العموم.. أنا لا أختلف عنك كثيرا في استعراض عضلات مفرداتي المتواضعة وما أحويه من ثقافة أشد تواضعا.. خصوصا في الأمور التي لا تقنعني أو التي أجد نفسي مختلفا فيما يطرحه الدكتور الفاضل.. لدرجة تتحول فيها المحاضرة إلى حلقة من حلقات الإتجاه المعاكس.. جدال.. نقاش.. براهين.. أدلة.. أخذ.. عطاء.. وأحيانا يستمر الأمر إلى مكتبه.. إلى أنني اكتشفت مؤخرا أن هذه العادة كانت أسوء ممارساتي الجامعية..

في الوقت الحالي.. هناك تكنيك آخر.. ليس الإختفاء وراء السمين في ركن القاعة.. ولكن هو امتداد للتكنيك السابق وهو: أن تقوم بمعارضة الدكتور في فكرة ما.. ثم تسمع حججه وبراهينه.. من ثم إن اقتنعت أو لم تقتنع، يجب عليك أن ترسم علامات الرضى والسرور وأن الدكتور قد صحح لك معلومة كنت تؤمن بضدها.. في هذه الحالة يؤمن الدكتور أن واحد من طلابه كانت لديه فكرة خاطئة، استطاع بدهائه وذكائه أن يصحح معلومة هذا الطالب، لذا فإن هذا الطالب هو أفضل طلبته، ويستحق الدرجة الكاملة..

طبعا لا أستطيع أن ادرج جميع الدكاترة الأعزاء ضمن هذا السياق وهذا التكنيك، فمنهم من يستحق أن أرفع قبعتي له وأنحني..

حسين عبدعلي
هدى المهدي من المملكة العربية السعودية
07 مارس, 2007 05:54 م
ستبقى مرحلتي الجامعية من أحلى مراحل الحياة - بالطبع ليس في جامعة البحرين- وقتها كنت بعيدة عن معترك الحياة لا تزال افكاري بكرا
أما اليوم فكل ما اتمناه أنترجع الايام للخلف

ربما تكون عاداتك ليست بالسيئة فهي عرف عام لدى جميع الطلبة، أي محاضرة مملة تستدعي ولادة مواهب جديدة حتى لو لم تعرف كيف ترسم زهرة متفتحة

لك كل الود اولتمنيات بالتوفيق في الاخراج الصحفي ولولا الاختلاف في المناهج لعرضت مساعدتي ؛)

تحياتي
mazajeeya من البحرين
07 مارس, 2007 07:38 م
أشوف صاحب الغمازة بيذلني على تعليمه لي الطريق المختصر.. بالمناسبة.. فقد أرشدته إلى مقهى جميل في الجامعة لم تطأه قدماه من قبل!

حسين عبد علي: يا ترى هل اقتنعت بمعلومة كابلات الجزائر التي وضحها لك د. كمال الغربي؟
e7sasy24 من البحرين
07 مارس, 2007 09:27 م
مزاجية..

هههههههههههههههه..

ما فاتكِ أكثر بكثير.. ففي المحاضرة الأخيرة، عندما كان الحديث يدور حور مجانية برامج التصفح، وأنسحب الطلبة من القاعة.. أنفتح النقاش معه طويلا حول هذه المجانية التي أرى أننا ندفع ثمنها بشكل أو بآخر.. مثله مثل البريد الإلكتروني، الفرد بإمكانه أن يحصل على بريد إلكتروني من هوتميل بشكل مجاني، ولكننا ندفع ثمن هذه المجانية من خلال الكم من الإعلانات وبطرق أخرى.. هذا ما كان يذهب إليه أمبرتو إيكو..

الحوار تشعب وتدخل ولكن رحمة بي وبكم أجلته إلى ما بعد المحاضرة..
الإمبراطور سنبس
07 مارس, 2007 09:53 م
أففف !!
"هرار" الجامعة وصل المداس ..

منذُ أن التحقت بجامعت".." و لن أكتب ضمير المتكلم لأنني لا أتشرف بأن أنسب هذه الجامعة إلي

أنا أيضاً لا أتفق مع هذه "الي ما تتسمى" لا نفسياً و لا عقلياً .. و أقول انا طالع على منهو!!

ملاحظة مفيدة :- المقصودة ليست جامعة البحرين :P
mazajeeya من البحرين
08 مارس, 2007 10:32 ص
حسين عبد علي..

واللي يعافيك لا تؤجل مناقشاتك لما بعد المحاضرة.. فلتكن أثناء المحاضرة وليتطرق الدكتور لمواضيع خارج الدرس.. هكذا يتسنى لي النوم أو الشرود الذهني دون شعور بالذنب :)
layal من البحرين
08 مارس, 2007 11:44 م
ما اقدر اقول عن جامعه البحرين غير
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهنّ
ظالمه ظالمه هذه الجامعه
ليس جرك قدماك لحضور المحاضره الا احدي تلك الامور
ولو اني اعتقد ان دكاترة الاعلام اكثر حيويه من غيرهم
حشد من الكويت
10 مارس, 2007 08:00 ص
أيها المداس الحبيب ..
لا أظنّ أن أحداً يستطيع أن يدعّي بمثل ما يدعيه حشد بلا وجه في يوميات مداس آية الله الجامعية الذي أشهد له بقوة البصيرة وحضور الذهن وإن بدا مهووساً بالغياب والتفنن في اختراع الأعذار .. الشيء الذي لا تستطيع إلاّ وتلحظه فيه هو التقييم النّصّي لأستاذ المادة الذي إن جرجره القدر إلى حيث يمقته المداس فإن الأمر يعني ضياع الحافز الدراسي وبالتالي فهو يرى أن التضحية بالحضور هي انتحار مع تحييد ظاهري لهذا الشعور .. لكن المفارقة هي أن هذا الفتور يتحوّل بقدرة قادر إلى فوران بلا حدود أيام الإمتحانات لكنه أيضاً لا يفرد أكثر من يوم أو يومين للمقرر الواحد ..

حشد
مداس من البحرين
12 مارس, 2007 01:55 ص
الأصدقاء جميعاً؛
أرجو أن تغفروا لي غياباتي المتكررة. لكنني عائد قريباً للتعليق هنا. شكراً

مداس
روبي من البحرين
15 مارس, 2007 11:14 ص
شقيقي احسنت بمقالك ....

شقيقتك روبي

لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com