مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

يوم طويل طويل

 

فيما كنت أهمّ بوضع بصمتي مساء اليوم (الثلثاء) على الجهاز الآلي اللعين إيذاناً للخروج من الصحيفة بعد يوم طويل وشاق، كان الإرهاق قد استحكم على آخر خلية أعصاب عندي. وكنت قد افتتحت يومي باكراً بالذهاب إلى الجامعة، اللعينة هي الأخرى. حين غادرتها في الرابعة عصراً كان عليّ أن أعيد ضبط ساعة جسدي؛ حيث ما يزال هناك الكثير مما يتوجب علي عمله.

وفي الحقيقة، كان عليّ أن أوظب الصفحة الثقافية من لاشيء. ثلاث ساعات هي المدة التي قضيتها مابين إجراء بعض الاتصالات وبين وضع آخر نقطة على السطر. انتهى كل شيء ولم يعد هناك ما أعمله غير أن أذهب إلى البيت وأسترخي. كان عقرب الساعة يشير إلى الثامنة مساء. شيطان ما قال لي: هناك على الصالة الثقافية يمكن لك أن تذهب قليلاً لتنشيط بعض خلاياك العاطفية على وقع صوت خالد الشيخ. حسناً، قلت، لديك نصف ساعة لا أكثر ولا أقل.

استمعت إلى اللوحة الأولى. حاولت أن أتذوق إيقاعات فرقة محمد بن فارس التي عشمني بها الزميل محمد فاضل ولم أستطع. أكره "الطارات" و"الطبول" كره العمى. واسمح لي يا عزيزي وعزيز كل مؤمن ومؤمنة يا أبو إياد، فأنا لست لها. قلت: لابأس، انتظر اللوحة الثانية. فليس صحيحاً أن تخرج من هذا المكان بعد أن أتيته طوعاً لا مرغماً من دون أن تكون قد ظفرت معك بشيء ما للذكرى، موسيقى أو لحن أو أي شيء، أي شيء. وهكذا جرت الأمور.

استبشرت خيراً بإطلالة خالد الشيخ. وهي فعلاً كانت إطلالة خير. خاصة وأنها تأتي بعد غياب دام 15 سنة. كان الشيخ ساحراً. قدم أربع وصلات غنائية رقيقة وبالغة الرومانسية قبل أن يفجر المكان بما لم يكن مدرجاً ضمن الجدول، وذلك حين قطع الحفل وراح موجهاً حديثه إلى وزير الإعلام محمد بن عبدالغفار الذي كان حاضراً: لاتعتذر عما فعلت!. فيما كان صوت صاحب المجنون قاسم حداد يرتج عبر مكبرات الصوت في أرجاء الصالة: "سأقول عن قيس وعن دمنا الذي هدروا". لحظات حتى احتشد المتضامنون على الخشبة، يتوسطهم حداد، ووسط هتافات الجمهور الذي راح يصفق بحماسة وصخب شديدين. برافو خالد الشيخ. فمثلما أن الصوت خارج الصالة عالٍ، هنا أيضاً الصوت عالٍ. والمهم، أنني وجدتُ لزاماً أن أقطع أنا أيضاً مكثي هاهنا، والعودة سريعاً إلى مزاج العمل مرة أخرى من أجل كتابة تقرير سريع عن الحادثة. كم من عصب بقي معك؟. لا شيء.

 

* مكان آمن للحب: غناء خالد الشيخ وهدى عبدالله، كلمات قاسم حداد.

 

وزير الإعلام "التائب"

"ما حصل في عرض (مجنون ليلى) خطأ فادح".

 

وزير الإعلام محمد بن عبدالغفار في حديث خاص مع عضو كتلة الأصالة السلفية عادل المعاودة بعد أيام من تقديم العرض على الصالة الثقافية، وفق ما صرح الأخير لقناة الجزيرة مساء يوم أمس (الأحد). لكن في الصورة التي التقطت له عقب العرض مباشرة يظهر العكس تماماً.

 

 

 

ارفعوا أيديكم عن حناجرنا

 
 

عندما ذهبنا إلى التراث العربي بحثاً عما يضئ حاضرنا، ونستعيد به ما نسيناه وما افتقدناه في حياتنا الراهنة، نعني الحب، جلبنا درّة الحب الخالدة، شعلة الوجد التي لا تخبو جذوتها ما دام هناك عاشق أو عاشقة يتنفسان الحب.

جلبنا حكاية من ذابَ – وقيل من جُـنّ- حباً، وقمنا بصقل الحكاية بما تيسر لنا من شعر وموسيقى وغناء ورقص ودراما. وما كان لدينا غير مطمحٍ واحدٍ: أن نحرض الناس على الفرح لا الغياب، على الحياة لا العدم.

كانت غايتنا أن نعبّر عن العاطفة الإنسانية في أبهى وأنقى تجلياتها، وأن نمجّد الجدير بالتمجيد: الحب.

أبداً لم تكن غايتنا أن ندغدغ الغرائز الأدنى عند جمهور جاء، بكل براءته وثقته وفطنته، ليعرف ويستمتع ويفتح قلبه على سعته، بلا موقف مسبق، بلا ضغينة، ولا أحكام.

جمهورٌ بيننا وبينه ميثاقٌ من الاحترام المتبادل، لا يمكن أن نحط من قدره بتقديم ما هو فجّ ومسفّ ومبتذل.

لكن أبداً لم يخطر ببالنا أن ما نقدمه من عرض نظيف وبريء، ومتجرّد من النوايا السيئة والخبيثة، سوف يتم تأويله –غيابياً- بخلاف ما هو مقصود، وسوف يرى فيه حماة الدين والأخلاق والطهارة عملا فاحشاً ومعيباً، وسوف يرون فيه خروجاً على الشريعة الإسلامية والأخلاق العامة.

إن محاولة نواب الكتل الإسلامية، وأتباعهم، التصدي لعمل "مجنون ليلى"، ولكافة فعاليات "ربيع الثقافة" في البحرين، وتشكيل لجنة تحقيق في ما يسمونه خروجاً على الشريعة، مثل هذه المحاولة لا ننظر إليها بوصفها رغبةً في تصفية حسابات سياسية أو شخصية، بقدر ما ننظر إليها، عمقياً، كمحاولة مقصودة، ومنظمة، لإرهاب كافة أشكال الفكر والثقافة، وقمع كل مسعى إبداعي.  الثقافة الحرّة، الرافضة للامتثال، هي المستهدفة.

إنه دفاعٌ باطلٌ، عقيمٌ، مشكوكٌ فيه، عن دينٍ لا يستمد قوته وعظمته واستمراريته من العنف (اللفظي والبدني) الذي يمارسه فقهاء الظلام وتجار الفتاوى، بل مما يدعو إليه من تعايش وتسامح ومحبة. دينٌ، في جوهره، قائمٌ على الحوار والاجتهاد. دينٌ لا يحتاج إلى دم شاعرٍ أو صمت أغنيةٍ كي يحافظ على بقائه، لا يحتاج إلى صراخ وانفعال وتشنج في الدفاع عنه.

إنها دعوة صريحة ومباشرة للانغلاق، لمصادرة حق الآخر في التعبير، لإنكار تعددية الأصوات، والمفارقة أن تنطلق هذه الدعوة من موقعٍ (برلمان) يُفترض فيه أن يكون منبراً لمختلف الأصوات والاتجاهات.

إن مثل هذه الدعوة لا تحتقر الإنسان الحر، الراغب في المعرفة والمتعة، لكنها تحتقر أيضاً بلداً متحضراً ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين.

لذا يحق لنا أن نتساءل:

هل يليق بوطن متحضر أن يمثّل شعبه نوّابٌ يتوهمون امتلاك السلطة.. سلطة المنع والكبح والمصادرة؟ نواب ترتعد فرائصهم كلما لاحتْ في الأفق قصيدة أو أغنية لا تمتثل لشروطهم فيستنفرون الكراهية والتعصب؟ نوابٌ يرون الشيطان الرجيم يسكن في كل أغنية أو رقصة أو مشهد أو نص؟ نوابٌ يظنون أن الله يبسط، لهم وحدهم جناح الرحمة ويعادي الآخرين؟

نوابٌ ليس من مهمات (مجلسهم) أن يعطي شعباً برمته درساً في الأخلاق، ولا لأحدٍ منهم أن يعلمنا الوطنية.

ما يحدث هنا، حدث ويحدث في أراض عربية متفرقة.. بشكل أو بآخر. المثقف العربي متهم دوماً، أو عرضة للاتهام في أي وقت، ما دام يبدع. لذا فهو ليس مطالباً بأن يبدع فحسب، لكن أن يدافع أيضاً عن إبداعه ضد قوى القمع المتربصة به عند كل منعطف.

يحق لنا هنا أن نحيي ونعانق جميع القلوب العاشقة والعقول الحرة، التي عبرت عن تمسكها الجميل بالحب وبالحرية، مسألتان لا يمكن التفريط فيهما كلما تعلق الأمر بالحياة والإبداع، نريد أن نقدر الموقف الحضاري الواضح والجرئ، مطمئنين بأن ثمة مستقبلاً جميلاً لا يمكن لأحدٍ منعنا من الذهاب إليه أحراراً، وبمختلف اجتهاداتنا الفكرية والفنية.

نضم صوت شعرنا وموسيقانا إليكم، لنقول لهم معاً:

ارفعوا أيديكم عن حناجرنا.

 

قاسم حداد – مارسيل خليفة

20 مارس/ آذار 2007
 
* اقرأ (ي) بيان "موت الكورس" لقاسم حداد وأمين صالح، ديسمبر/ كانون الأول 1984.
 

كلام بن وحش

 

الصديق قاسم حداد

معك دائماً، في السرّاء والضرّاء، ضد القمع وسدنة الهويات الذين لفرط جهلهم لم يقرأوا نصك إلا بعد 15 سنة.

 

كلام بن وحش


يروى أن قيساً كان يختلف إلى فقيهٍ يقال له كلام بن وحش، يستفتيه في ما يأخذ الناس عليه فعندما كثرت الأقاويل عن صلته بليلى، وقف على (كلامٍ). استفتاه في ما يزعمون بأن علاقتهما ضرب من الزنى، فقال له: "الزنى هو بذل جسدك لمن لا تحب، أما إذا العشق حصل والشوق اتصل فلا زنى فيما قدر الله". وقيل إن (كلاماً) مال على قيسٍ وأسر له: "يا بني، إعشق ما تيسر لك وتمتع بما تسنى ولا تطفئ جذوة العشق بالعرس ما استطعت". قيل فلم يفعل المجنون غير ذلك!.

 

* قاسم حداد، أخبار مجنون ليلى، دار الكلمة للنشر والتوزيع، شتاء 1992.
* اقرأ (ي) موضوعاً ذا صلة في مدونة الصديق حسين عبدعلي.

رغاء

من الآن فصاعداً، عليكم أن تتهيأوا لزار حرق البخور. أما العشاق فعليهم بالشبّة والحرمل. الشيخ ضياء الموسوي، وأخيراً فقط اكتشف الحب، ويا دار عبلة بالجواء تكلمي. والموسوي تكلم الأسبوع الماضي غضون أصبوحة ثقافية في جامعة البحرين عن موضوع خطير: "الحب". لم أحضر له، فلا قابلية ذهنية لديّ للمكث أمام ثرثرة رجل دين "حداثوَوي" –لاحظوا إنني أضع واوين اثنتين وليست واحدة!- يجيد الخطابة بأكثر مما يجيد الكلام. لكنني قرأت ما كتبه في صحيفة محلية على مدى يومين عن الموضوع نفسه. والمهم هنا، أنني اكتشفت بعد عذاب، أن ما يقصده من الحب، هو: "الحب بين البشر، بين الزوج وزوجته، حب الإنسان لوطنه، وحتى... لخالقه".
وأنا ليس لدي اعتراض على أي شيء مما ذكره حتى الآن. باستثناء حب الوطن طبعاً، فهذا الحب أنا لم أعرفه، ولا خبرته في عيشة، لذا فلن أسمح لنفسي بالإفتاء فيه. إنما اعتراضي فقط على الرغاء الزائد. وهو رغاء يفسد عليّ هدوئي. خصوصاً وهو يواظب مواظبة الحامل على حضور الكشف الدوري،  في هجاء المتدينين. وأنا، وإن كنت غير متدين، إلا أنني سأحمل اليوم راية الدفاع عنهم. ذلك أن كثيراً من المتدينين، ومع كل الاختلاف معهم، هم في الواقع أصدقائي، بما فيهم الشيخ ضياء نفسه، رغم أنني لم أعد ألتقيه، منذ أن شطّت بنا السبل الشتى.
قلت إنني أعترض فقط على الرّغاء. وأقول في الإضافة إن رغى رغاء تعني: صوَّتَ فضَجَّ، وقد قيل ذلك للضِّباع والنَّعام. وقيل أيضاً: إنه صوت ذات الخف، أي البعير. وفي الأثر: "لا يأْتي أَحدُكُم يومَ القيامةِ ببعيرٍ له رُغاءٌ". وهذا تماماً السر من وراء قولي قبل قليل، إن هذا الصوت يفسد عليّ هدوئي. والشيخ ضياء رغى في الحب رغاءً لم يوفر فيه متديناً ذا لحية إلا وقصبه. وهو قال شامتاً "حتى بلغ الأمر لبعض المتدينين إذا ضحكوا التفتوا إلى أنفسهم نادمين معقبين على ضحكاتهم: اللهم لاتمقتني".
وفي معرض الشماتة العميمة هذه، تبدو الرسالة المتوخى وصولها، العميمة هي الأخرى: إن الشيخ ضياء، حتى وهو العلامة الحوزوي، لا يرى غضاضة في الحب. بشرى سارة. أصبح عندنا شيخ عصري. لكن أرجو ألا تتسرعوا، ذلك أنه قد يحدث وأن نكتشف – في التفصيل - العكس تماماً: أن مضمون الرسالة متواضع، ومتواضع جداً. وأن شيخ الدين العصري ليس سوى داعية رجعية، وجداً جداً. (رجعي بالمعايير التي تشكل معتمده في هجاء أقرانه المتدينين). فهو اعتبر العلاقات الغرامية بين الرجل والمرأة "علاقات غير مشروعة". وهو عدا الإشارة هذه، استثنى كل ما يندرج في إطار هذه العلاقات من حديثه. وهو أخيراً، حين وجد أن موضوع الحب قد كبر عليه، دلف بقرنيه إلى مواضيع أخرى من مستتبعاته:الأنس والمرح والدعابة.
وشخصياً ليس لديّ ما أقوله هنا، ألبتة. فأنا لا دخل لي في شؤون الإفتاء من قريب أو بعيد. دعِ الدين للديّان، ولي أنا نفسي، لا أكثر ولا أقل. إنما أتساءل فقط، عن السبب الذي يدعو شيخ دين إلى أن يأخذ أقرانه بالسّوط على جريرة، فيما يقف هو معهم فيها على الأرض نفسها!. تباً لهذا الشيخ، سوف يذبحه الرّغاء، وسوف يذبحني معه.

 

بعض من عاداتي الجامعية السيئة

لا أملك كثيراً من الذكريات في جامعة البحرين. ويبلغ جهلي بها مستوىً، حدّ أنني مازلت أضيع بين ممراتها ذات التصاميم الفخيمة. وعند بداية كل فصل دراسي – كما هو الحال هذا الأسبوع -، أجد لزاماً عليّ اللجوء إلى قفّائي الأثر وعسس المباني المقوسة، لتحديد أماكن المحاضرات المسجلة عندي في الجدول الدراسي برموز لا أكاد أفقه منها شيئاً.

لكن وعلى رغم ذلك، فأنا قد أسهمتُ نهار هذا اليوم في تعريف "مزاجية" بطريق فرعي مختصر يمر عبر مصعد كهربائي، ويصل مابين دائرة القبول والتسجيل وقسم الإعلام. في السابق، كانت "الفقيرة" تلجأ إلى قطع الطريق الأرضي، متجشمة عناء المشي وسط حريق الشمس في فصل الصيف، وحبات المطر القليلة (عدا هذا العام طبعاً!) في حال كان الفصل شتاء. أقول ذلك، لأثبت أنني، وعلى جهلي الفاقع، ما زلت أفتخر بحيازتي على بعض من العلامات الإرشادية المضيئة، التي أستطيع أن أبزّ بها رأس "مزاجية" العنيد، ولو لمرة واحدة.

قلت إنني لا أملك كثيراً من الذكريات، وأنا جاد في كلامي تماماً. جزء من الأسباب أنا نفسي لا أعلمها، لكن الجزء الذي أعلمه، متأتٍّ من أنني لا أتوفر على موقف إيجابي من الجامعة. أعني جامعة البحرين تحديداً. وبما أن المقام هو مقام الحديث عن عاداتي الجامعية، لذا فسوف أتخلى مؤقتاً عن قول لماذا أنا غير متصالح، لا نفسياً ولا عقلياً، مع الجامعة، وأقصر كلامي على عاداتي التي سبق وأن أشرت في العنوان بأنها: سيئة.

وأبدأ بملاحظة "مزاجية" عليّ اليوم، أنني أحمل حاوية أقلام (مقلمة) في يدي "منتفخة" بما فقر واستغنى من أقلام. وفي الواقع، إنني أضع فيها كل شيء يمكن أن يعينني على قضاء أوقات السأم "الجامعي". أقلام "فلاش" ملونة وعددها خمسة. أقلام خطوط من ذوات 1 ملم، 2 ملم و3 ملم، وهي أيضاً متعددة الألوان، أحمر وأسود وأزرق. حاويات حبر صغيرة لها في حال شحّ حبرها. أقلام تخطيط ذوات رؤوس مدببة.

يبدأ استخدامي لأدوات القرطاسية الباذخة هذه من ثاني محاضرة، بعيد استشعاري لطبيعة الدكتور الذي أدرس عنده. فإن راق لي درسه، ووجدتني منشداً إلى علمه وأسلوبه، وهبته السمع والنظر. وإن لم يرق، فإنني غالباً ما أبدأ مشوار استنفاد الدقائق الطويلة، باستخراج ورقة مصقولة، وأبدأ في "الخطخطة" عليها: خطوط مائلة. أحرف وكلمات أغلبها مستقىً مما يجري على لسان الدكتور نفسه. وجوه أو ملامح وجوه. وحال تنتهي المحاضرة أجدني أمام لوحة "معتبرة" قابلة للبيع في أي مزاد علني.

وأرجو ألا يذهب خيالكم بعيداً هنا، لأنه لن يستطيع أن يتذوق لوحاتي إلا من أصيب بداء انعدام الشعور وبوار رهافة الحس!. وبالمناسبة أحد الدكاترة ضبطني على هذه الحال ذات مرة، وأنا لست في حلٍّ من ذكر اسمه، ومن يومها وضع علي "X"، إنما ومؤخراً فقط، تصالحنا.

واحدة من عاداتي أيضاً، هو تعاملي مع الفضاء الصفي باعتباره فضاء مكوناً من بؤر تركيز، بعضها ظاهر ومنتظم وبعضها الآخر خفي ومشتت. ولمن يسأل عني، أخبره بأنني أجلس عادة في البؤر الخفية الأكثر تشتيتاً للنظر، والتي لاتطالها عيون الدكتور، وإذا طالتها فللحظات خاطفة وانتقالية، لا أكثر ولا أقل. والمسألة سهلة جداً، فلا يتطلب تحقيق ذلك غير الجلوس في المقاعد الخلفية، قريباً من الركن، مع مراعاة أن يكون من يجلس أمامك طالبة "سمينة" أو طالب "سمين".

وأرجو ألا يفهم أحد ذلك على أنه انطوائية من أي نوع، على رغم أنني ليست لديّ عقدة من أن يفهم أحدٌ الأمر كذلك. أما مشاركاتي الصفية، فهي لا تحدث إلا إذا سُئلت، وتكون موجزة ما استطعت ذلك. وأغلب الأوقات أظل صامتاً. وفي الواقع، فإنني لم أكن كذلك في السنتين الأولين من دراستي. إذ غالباً ما كنت أشاكس الدكاترة، عبر استعراض ما كنت أتوفر عليه من ثقافة متواضعة بناءً على آخر كتاب قرأته. الآن هدأت، هدأت كثيراً. لم يعد لديّ شيء أشاغب به. كل الأشياء غدت رتيبة. كل الرهانات خاسرة!.

ومثل كل الكسالى الرسميين، فأنا كثير التغيّب – ادعوا لي ألاّ تقرأ رئيسة الجامعة ما أقوله هنا -، وإذا لم أغب فأنا آخر من يغلق الباب خلف الدكتور. وإذا لم أغلق الباب، فتأكدوا أن الدكتور اعتذر عن المجيء إلى المحاضرة!. الشيء الوحيد الذي مازلت ملتزماً به، وهذا كل ما يمكن أن يشفع لي، هو أنني لا أسيء التعاطي مع الامتحانات، سواء تلك الفصلية أو النهائية، ولا مع المشاريع المطلوبة ضمن المقرر الدراسي. غير ذلك من أشياء، من قبيل الحضور والمشاركة والمجموعات الصفية، فأنا مستغنٍ عنها وعن درجاتها... وبالبركة.

التحدي الأكبر الذي أواجهه، وأنا على قاب قوسين أو أدنى من التخرج، هو أنني اكتشفت اليوم أن المشاركة الفصلية لمقرر "الإخراج الصحافي" الذي أحضره لأول مرة، تصل إلى 40 درجة. وهو ما يعني، من جملة ما يعني: كارثة محققة. اللهم سترك!. 



<<الصفحة الرئيسية
لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com