أمضيتُ وقتي هذا الأسبوع نصف مكتئب. وأقول نصف للمجاز لأنني في الحقيقة كنت مكتئباً بشكل كلي، على اعتبار أن النصف الآخر كان عبارة عن نوبة مزاج حادة. أعراض هذه الكآبة يمكن لمسها بوضوح على هاتفي المحتسِب الذي ظل مغلقاً لثلاثة أيام. وأطرف ما سمعته هنا في هجائي، هي رسالة مررها أحد الأصدقاء إلى صديق آخر: "النغمة الجديدة لهاتفه –أي صاحب المداس-، هي، لايمكن الاتصال بهذا الرقم حالياً، يرجى الاتصال في وقت لاحق". لطيفة هذه الطرفة، رغم سخريتها المرة، ومع ذلك فأنا لدي القدرة على احتمالها أكثر من قدرتي على احتمال الشتائم التي يمكن أن تهطل على رأسي فيما لو تركت الهاتف مفتوحاً، إنما من غير أن أمتلك رحابة الصدر الكافية للرد على مكالمة واحدة.
للكآبة والمزاجية موقعان أثيران في شخصيتي. لا أقول ذلك بفخر، إنما برغبة في الاعتراف بالأشياء الأكثر كتماناً في حياتنا. وتستمد هاتان الخصلتان أثيريتهما من أنني أعمل في قسم مع زميلين آخرين تجمعنا ببعض أكثر من صداقة ورفقة عمر، لكنهما هما الآخران يتمتعان بنفس القدر من الكآبة والمزاجية: خالد الرويعي وحسام أبو إصبع (وأنا أستأذنتهما في ذكر اسميهما). ولو أراد الله معاقبتنا فيكفيه أن يسلط علينا هذه الحالة مجتمعين، وأنا أضمن أن رسائل الإقالة لن تتأخر في الوصول إلينا – نحن الثلاثة- أكثر من يومين. لكن اللطف اللطف، هو ما يجعل نوباتنا المزاجية تأتي منجّمة وبالتقسيط. وأيضاً اللطف اللطف، لأن الواحد منا قادر على التقاط خيط النوبة عند الآخر بخبرة من يفهم ويعرف، ومن دون حساسية زائدة. اللهم لا اعتراض على قدرك.
لأدع خالد وحسام الآن، فأنا سأتحدث عنهما في موضوع آخر، وأبقى عند حدود كآبتي - أنا. وفي الواقع ليس هناك سبب وجيه أسوقه لتفسير هذه الحالة، لا في هذه المرة ولا في المرات السابقة - وهي كثيرة بالمناسبة!-، لكنني أستطيع أن أتحدث عن أسباب مساعدة. وهي ذات صلة بكمية الهواء الطائفي المنبعث من التفجير الضافر للهويات، والذي صار مفروضاً على الواحد منا أن يتنشقه غصباً على أنفه. فهذا الهواء الفاسد والحقير هو الإبداع الوحيد الذي توصلت إليه أمة "خير الناس". وهي، على ما هو ظاهر، متحمسة للمضيّ فيه بعيداً وإلى النهايات. وأيضاً هنا، اللهم لا اعتراض على قدرك في أن تقتتل هذه الأمة، أو يذبح فيها المرأ ابنه، إن كانت هذه غاية أهلها، إنما – وليس هذا كثيراً عليك ياربنا الذي في السماوات - اخرجنا من بينهم سالمين. على الأقل، أنا وخالد وحسام، نحن الذين لاناقة لنا في أمر هذه الأمة ولا جمل.
قلت إن هذا كان سبباً مساعداً، وأنا سأكشف الآن عن أنه سببٌ رئيس في نوبة كآبتي الأخيرة. وهو قادني في لحظة انعدمت فيها قوانين الوزن والجاذبية، إلى الامتناع عن الاستماع إلى نشرات الأخبار، وإلى الإحجام عن قراءة الصحف بما فيها الصحيفة التي أعمل فيها. وأمس (الأربعاء) في أثناء احتفالية بسيطة حضرتها في صحيفة الوسط احتفاء بصدور كتاب الصديق نادر كاظم: "طبائع الاستملاك.. في أمراض الحالة البحرينية"، اكتشفت أن الأمر صار يهم الجميع. ومحمد العثمان عزا استحكام العصاب الطائفي إلى الثورة الإيرانية وضمور الحلم القومي. خالد المطوع إلى رجال الدين. منصور الجمري إلى ثقافة الكراهية ومراكز الدراسات الغربية وتهويلها من حالة الصعود السياسي لبعض الإثنيات في العالم. ريم الخليفة إلى التوزيع غير العادل للثروة. نادر كاظم إلى طبائع الاستملاك. وأنا - حيث لم أنبس ببنت شفة – صرت واثقاً بأن السبب ليس في كل ماقيل. لأن جميع التفسيرات التي قُدِّمَت حاولت إعطاء الطائفية معنىً، من طريق ردها إلى أصل مكوِّن. وأنا بتُّ على قناعةٍ بأن الطائفية موقف عدميّ خالٍ من أي معنى، وهي أقرب إلى "النغولة" منها إلى أي شيء آخر ذي جذر أو أصل. وهذا وحده كافٍ لتمديد كآبتي أسبوعين على الأقل من الآن. ويارب سترك!.
















10 فبراير, 2007 12:50 ص