فإذن، سيتوجب على طبيب الأسنان أن يمكثَ سنة في الإصلاحية. كتفُه إلى كتفِ اللصوص وغاسلي الأموال وسفّاحي الشوارع ومدمني الحشيش. صدق أو لا تصدق. يحدث هذا في الزمن الرقميّ. وفيما تهدرُ موسيقى الرياء الوطني: "تا تي تا فا تي في"... صاخبةً، وإلى الأبد. وسوف لن يبخل علينا الدقّاقة، الرقّاصون وطبالو الحفل، بالكلام الممجوج. عاش القانون. يحيا القانون... قانون آلة القانون. صدق أو لا تصدق.
***
تظل المُعاقبة على حرية الرأي والضمير، هي الأكثر جاهلية. طوال تاريخ العقوبة، كان الهدف هو الهيمنة على جسد الكائن، وتالياً تطويعه. تدريب يد السارق على التعفّف. ترويض أنوف المدمنين على تنشق الهواء النظيف بدلاً من الهواء السام، حتى لو استجرّ ذلك عليهم في باديء الأمر، نوباتٍ من الرّشْح والزكام. تأهيل آلة عقل النصّابين، وجعلها قادرة على التكسب بالمال الحلال ومما كتب الله. لكن تمديد مجال عمل العقوبة، وجعل ولايته شاملة حرية الضمير، كأن يُطلب من صاحب الرأي أن يقول ما لايوافق ضميره، وإلا فليعف ويسكت، فذلك يتصل بهدف آخر، مُستحدَث، للعقوبة، وهو يقوم على الهيمنة على روح الكائن، أي ليس على جسده. لذلك نقول، إنها العقوبة الأكثر جاهلية.
***
مؤسف جداً أننا، وفي العصر الذي يُفترضُ بنا، أن نكون قد انتهينا فيه، فلسفياً، من وضع البناء القانوني إلى الحق في الكلام وحرية التعبير، أننا نعود مرة أخرى لمناقشة ولاية الفرد على ضميره. نعود ننتقد أسلوب التعامل بالكلبشات مع حرية الرأي. نعود لنذكّر بتراث الإنسانية العريق، وكيفيّة بلوغه مستوىً من الأريحية كبيراً، فيما خصّ المواضع التي تستوجبُ على الكائن استحقاق العقوبة. ومؤسفٌ؟. لأننا، وعلى رغم الانتقالات الهائلة التي تحققها أممٌ من حولنا، ما نزال ندور في حلقة مُصمَتة، لا حسْم فيها لشيء، فالقضايا هي القضايا، منذ محمد عبده وحتى عصر حقوق الإنسان. ومؤسف أيضاً؟. لأن هذا الكلام يأتي، فيما الحديث عن الديمقراطيات يكاد يبلغ ذروته، ويبلغ معها حدّ صمّ الآذان: "تا تي تا فا تي في". صدق أو لا تصدق.











07 فبراير, 2007 01:28 م