
الأمر لا علاقة له بإحدى مسرحيات شكسبير ذات النهايات التراجيدية. لكن موت جوزيف سماحة (1949 – 2007( كان كذلك حقاً. وسيقف حازم صاغية متنكباً طويلاً، أمام قوة الموت اللاإرادية (متى كانت إرادية؟.) التي خطفت منه في غضون أسبوع واحد، اثنين هما كل خلاصته وخبرته الوجودية. رفيقة دربه: مي غصوب، ورفيق دربه: جوزيف سماحة.
ذهب جوزيف إلى لندن بكل رجاحة قلب الأحباء. الفكرة؟. أن يكون إلى جانب صديقه في مصابه بزوجه. نام الليلة الأولى. ويمكن التخمين من الآن أنهما قبل ذلك، تناقشا كثيراً، واختلفا وتطاحنا كثيراً. لكن حين نام الليلة الثانية لم يستيقظ. لم يستيقظ جوزيف لتناول قهوة الصباح. مرت لحظات قبل أن يكتشف حازم أن صديقه "اللدود" قد غاب في السديم.
قصة حازم وجوزيف أثيرة جداً. فهما من جيل صحافي واحد - يضاف إليهما في الحقيقة جهاد الخازن ووليد نويهض -، وهو الجيل التالي مباشرة لجيل طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة السفير اللبنانية (حالياً). وفي كتاب حازم الصادر حديثاً جداً عن دار زوجته المتوفاة (دار الساقي) تحت اسم "ليست سيرة ذاتية"، يرد اسم جوزيف ثلاث مرات. وهو قد أورده من غير الاسم الثنائي "جوزيف سماحة"، لأسباب طبيعية يواجهها عادة من يكتبون سيرهم الذاتية في ضوء أن بعض الأشخاص المضمّنين في ثنايا السيرة لمّا يزالوا على قيد الحياة.
في المرة الأولى تحدث حازم عن بداية تعرفه إلى جوزيف في السفير: "حينذاك كنت أعمل في جريدة السفير التي انتسبت إليها مع تأسيسها، بعيد عودتي من بريطانيا (...) هنا استؤنفت صداقات مع من صاروا زملاء أيضاً، مثل جوزيف ووليد". في المرة الثانية، عندما أسهم في تعريفه، أي جوزيف، إلى فواز، القيادي في الحزب الشيوعي وقتذاك: "فلدى العودة من بريطانيا، جمعني جوزيف ووليد بفواز، القيادي فيها، وكان انتساب الصديقين إليها ما مهد الطريق التي عبّدها فواز في سهرتنا تلك". وفي المرة الثالثة والأخيرة، عند حديثه عن والديه، اللذين لمسا شيوعيته مبكراً وخافا أن ينتهي به الحال إلى أنيس بيطار آخر، لولا أن جوزيف وآخرين قد حالوا دون ذلك: "هم لم يدروا أن الرفاق فواز وجوزيف ونهلة وفروا عليهم الاحتمال النعماني برفضهم انتمائي إلى التنظيم".
تلك كانت البدايات، وأما النهايات فلا تخلو هي الأخرى من إثارة أيضاً. ومن كان يتابع ما يكتبه جوزيف إلى ما قبل وفاته - رحمه الله -، في افتتاحياته اليومية في صحيفة الأخبار اللبنانية، وما يكتبه حازم عبر إطلالته الأسبوعية، لمرتين، وثالثة عبر ملحق "أفكار"، في صحيفة الحياة اللندنية، يستطيع أن يكتشف بوضوح كمّ الاختلاف الواقع بين الرجلين حيال مسائل عدة، تقع على رأسها المسألة اللبنانية. وإذ تندرج مواقف جوزيف في إطار المرافعة عن موقف المعارضة ورداً على الرهانات المتجهة بعيداً، إلى أميركا وإلى... ما وراء أميركا، وهو في ذلك قد ذهب بعيداً في منافحته عن حزب الله والخيار العوني، تندرج مواقف حازم في الاتجاه الضديد. وهو قد وقف قبل حرب تموز الأخيرة وأثناءها وبعدها، ومأخوذاً في ذلك بعدة مفاهيمية فيبرية - نسبة إلى ماكس فيبر - ضافرة، (وقف) مع وجود دولة قوية محتكرة "وحدها" لوسائل الإكراه، وضد "المغامرات" المحسوبة وغير المحسوبة.
إلا أن كل ذلك، وهذا درس حري أن يقتدي به كل من هم على خصومة من جراء اختلاف الرؤى بإزاء المسائل السياسية، لم يقف حائلاً دون أن يبقى الاثنان على صحبتهما التي ابتدأت في "السفير"، وامتدت لتواكب طبائع النقلات التي اتسمت بها مسيرة الرجلين، وانتهت بغتة أمس الأول (الاثنين) في "مبنى الكونكورد" في لندن. وجوزيف مات في بيت حازم، موتة جدية لا لبس فيها. أما حازم، فحزنه كبير ومضاعف ما من شك.
وإذن... مات رئيس تحرير صحيفة الأخبار. الصحافي اللاشخصي الذي أصبح شأناً شخصيّاً لكل قارئ، على ما عبر أنسي الحاج في مرثيته له أمس والتي احتلّ بها مكان افتتاحيته "خط أحمر" في صدر الصفحة الأولى. ومن كان يتابع افتتاحيته اليومية في صحيفته الصادرة حديثاً، مثلي أو مثل حسين خلف، بُعيد انتهاء حرب تموز مباشرة، سيتوجب عليه أن يندب حظه النحس. ومثل حازم، فإن الحزن كبير وفظيع ما من شك بالنسبة إلى كل من عرف جوزيف؛ ولو عبر افتتاحياته الطائرة بواسطة الأثير من لبنان إلى العالم. للمرة الثانية وللأسبوع الثاني على التوالي، نقول في رثاء من نحب: وداعاً جوزيف.









أمضيتُ وقتي هذا الأسبوع نصف مكتئب. وأقول نصف للمجاز لأنني في الحقيقة كنت مكتئباً بشكل كلي، على اعتبار أن النصف الآخر كان عبارة عن نوبة مزاج حادة. أعراض هذه الكآبة يمكن لمسها بوضوح على هاتفي المحتسِب الذي ظل مغلقاً لثلاثة أيام. وأطرف ما سمعته هنا في هجائي، هي رسالة مررها أحد الأصدقاء إلى صديق آخر: "النغمة الجديدة لهاتفه –أي صاحب المداس-، هي، لايمكن الاتصال بهذا الرقم حالياً، يرجى الاتصال في وقت لاحق". لطيفة هذه الطرفة، رغم سخريتها المرة، ومع ذلك فأنا لدي القدرة على احتمالها أكثر من قدرتي على احتمال الشتائم التي يمكن أن تهطل على رأسي فيما لو تركت الهاتف مفتوحاً، إنما من غير أن أمتلك رحابة الصدر الكافية للرد على مكالمة واحدة.
فإذن، سيتوجب على طبيب الأسنان أن يمكثَ سنة في الإصلاحية. كتفُه إلى كتفِ اللصوص وغاسلي الأموال وسفّاحي الشوارع ومدمني الحشيش. صدق أو لا تصدق. يحدث هذا في الزمن الرقميّ. وفيما تهدرُ موسيقى الرياء الوطني: "تا تي تا فا تي في"... صاخبةً، وإلى الأبد. وسوف لن يبخل علينا الدقّاقة، الرقّاصون وطبالو الحفل، بالكلام الممجوج. عاش القانون. يحيا القانون... قانون آلة القانون. صدق أو لا تصدق.

