
المستبد وحده لم يعد كافياً، فمرحباً بالمستبدّ "الشهيد". ذلك الدرس المُستقى من مشهد الحفْل الغرائزي الناجز. وعلى العكس من المتوخى، استُقبل إعدامُ الطاغية بتأبيد زمن الإعدام. صار زمن الإعدام كل الزمن. ومكانه، كل المكان. أشك أن مقتصليه قد قرأوا كتاباً واحداً عن ثورة الميديا. أو عن العصر البارع في إبداع هذه الوسائط، أو عن الحدود، وضياع الحدود. أتوا إلى كرنفال الثأر بكلّ حصاد الجهَلَة، بكل حصاد التاريخ، عدا التاريخ المعاصر. لم يطرحوا السؤال المتعلق بالبيداغوجية المتوخاة من الموت. وأية بيداغوجية تتوخى من الموت... سوى الموت نفسه!.
من جهته، بدا الطاغيةُ في أزهى فتراتهِ ذكاءً. ويحار المرأُ حقاً، لأن هذا الذي قضى عُمُره متمثلاً دور القرصان وسفاح الشوارع، هو نفسه من غدا يستدرّ لصالحه دموع "المحبين" وخفقات قلوب قدامى "المحاربين". عاش الطاغية، مات الطاغية، لكنه الآن غدا، والآن فقط، الطاغية "الشهيد". وللشهيد رنةٌ في أذن أمةٍ تحيا على السحر وعلى شرف البطولات، الحقيقية والزائفة. وما فعله الطاغية، وبتواطوء من مقتصلهِ الغبي و... الهمجيّ، هو تجذير سحر البطولة الزائفة، جوهرته وتأبيده، وكان يُرادُ له العكس. لم يعرفِ المقتصِل، وهو لذلك، غبي و... همجيّ.
فإذن، زاد "الشهداء" واحداً. والعكس بالعكس، زادت عصابةُ المقتصلين واحداً. أية ثقافةٍ هذه، التي المرأ فيها، إما شهيدٌ أو مقتصِل. إما ضحيةٌ أو جلاد. إمّا أضحيةٌ أو طاغية. وأية ثقافة هذه، التي لا تهبُ الدرس إلا على أعواد المشانق وساحات القصْل. ثم، أية ثقافة هذه، التي لقلقةُ الشهادتين فيها تعطي "شهيداً"، وإن لم يكن فبطلاً هُماماً، وإن لم يكن فجَسُوراً جَسُوراً... مات وكفى. يكاد المرأ يجنّ، وهو يحيا في جوّ التبسيط الباذخِ هذا. يكاد ييأس. يكاد يقول الكفرَ... أما المريب، فيقول: خذوني!.
















07 يناير, 2007 02:22 م