تسألني: كيف قضيت ليلتك، ليلة رأس السنة؟.
أقول: لا شيء تقريباً، أقرأ في ثلاثة كتب بالتوازي: "سوسيولوجيا ماكس فيبر" لجوليان فروند، و"الثقافة والآخر.. تكريماً للطاهر لبيب" الصادر عن المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، وأخيراً "في حضرة الغياب" لمحمود درويش.
من بين هذه الكتب، كتابان صادران حديثاً 2006، وهما الثاني والثالث، فيما الأول قديم، وأقرأه للمرة الثانية لحاجةٍ في نفس يعقوب.
وأبدأ من الأول، "سوسيولوجيا ماكس فيبر"، الكتاب عبارة عن محاولة في تقديم فكر فيبر، وهو عالم اجتماع ألماني (21 أبريل 1864 - 14 يونيو 1920) ومن مؤسسي علم الاجتماع الحديث، بطريقة سهلة وبسيطة. وأستطيع أن أقول إنه يوفر قاعدة أولية للدارسين، ممن لاتسعفهم الترجمات الموضوعة في التعرف عن قرب على فكر هذا العالم، بلْه، أولئك الذين لايتوفرون على الجَلَد الكافي لقراءتها. إلا أنه يجب الحذر هنا، فالمؤلف، وإن كان يحدد هدفه ابتداءاً بأنه يسعى إلى "أن يعرض فكر فيبر السوسيولوجي بأكبر قدر من الوضوح"، إلا أن كتابه ليس بذلك اليسر الذي يمكن أن يُقرأ والرأس على المخدّة. هو ليس مثل رواية أو أي كتاب بسيط، حتى وإن كان في المبدأ العام يقدم صورة مبسطة عن فيبر. وصعوبته تكمن في مستوى المفاهيمية لا في مستوى اللغة. إلى هنا وأكتفي، مختتماً بالدعوة إلى عدم الثقة فيمن يفتون في القضايا ذات الصلة بالدين والمجتمع والسياسة، من دون أن تكون أصابعهم قد مرت على كتاب واحد لماكس فيبر.
□□□
تسألني، وماذا بعد؟.
- لم أنهِ حديثي بعد، مازلت أقف في حضرة السيد فيبر؛ ولكن هذه المرة عند تلميذ نجيب للمدرسة الفيبرية، وهو عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب. وهنا أشير عَرَضاً إلى أنني وقبل حوالي العامين، التقيت رفقة الصديق علي الديري بالطاهر، ويومها كان مدعواً إلى البحرين لتقديم محاضرة في "سوسيولوجيا الغزل العربي". كان لقاؤنا معه (نشر في صحيفة الأيام) فاتحة لنشوء علاقة حميمية جداً بيننا، تعمقت تالياً في بيروت؛ حيث يقيم منذ مطلع التسعينات، مدرّساً في إحدى جامعاتها ورئيساً للمنظمة العربية للترجمة. الطاهر كان ضيفاً على المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس قبل عامين، ليس أستاذاً، وإنما مكرّماً. فهو قد غادر تونس منذ عقد للتدريس في لبنان، تاركاً وراءه أثراً لا يُمحى في نفوس طلابه؛ حتى أن اتجاهاً نمى في أروقة الجامعات التونسية غدا يُطلق عليه "اللبيبية" أو "اللبيبيزم"، تعبيراً عن شدة تأثيره على الحياة الأكاديمية هناك. وجاءت دعوته إلى المعهد من طرف الدكاترة الذين عملوا معه، والطلبة الذين تأثروا بدروسه، تكريماً له لإسهاماته على هذا الصعيد. احتفالية التكريم اشتملت على ندوة فكرية حملت عنوان "الثقافة والآخر" وتمت خلالها مناقشة محورين: الأول عبارة عن شهادات وقراءات في فكر الطاهر لبيب، والثاني تركز على مقاربة مفهوم "الآخر" الداخل في صلب اهتماماته. وهذا الكتاب "الثقافة والآخر.. تكريماً للطاهر لبيب"، يجمع بين دفتيه الأبحاث التي قدمت غضون الندوة، والتي قام بوضعها عدد من طلبته في الجامعات التونسية، بالإضافة إلى بعض الدكاترة الذين عمل معهم.
□□□
وماذا أيضاً؟.
- ليس بعيداً من الطاهر، وقريباً قريباً من صديقه محمود درويش الذي لا ينفكّ عن إلقاء السحر والدهشة على رؤوس قرّائه. وسحره هذه المرة ليس شعراً، إنما نثراً شعرياً اختار أن يدون على غلافه، أسفل العنوان مباشرة، كلمة "نص". "في حضرة الغياب"، هو آخر كتب درويش الصادرة، وهو اختار له أن يكون "نصاً" وليس أي شيء آخر، منعاًَ لاحتسابِه على قصيدة النثر. درويش لم يقل ذلك؛ إنما سهلةٌ قراءة المكتوب من عنوانه، خصوصاً لمن يعرف موقفه من الشعر والإيقاع. وشخصياً، أعتبر هذا النص، وبعد أن بلغت في قراءته مبلغاً، من أهم نصوص درويش في الأعوام العشرة الأخيرة، وهو يعدل إن لم يفق تجربته في "جدارية" التي عرض فيها، وشعرياً، تجربته مع الموت. النص يحتوي على رؤى وجودية كثيرة، أجملها ربما، تلك التي استعرض فيها قدرته الخلابة في اللعب على دوالّ اللغة. ولن أطيل كثيراً هنا، وأدعو من قلبي كل من يريد أن يعدّل رأسه أن يقرأ درويش. فصاحب "سرير الغريبة" و"حالة حصار" و"لماذا تركت الحصان وحيداً" لا يخذل طالبه أبداً.












03 يناير, 2007 11:32 ص