لو أن ثمة مكاناً أرغب في الحديث عنه، فهو حتماً ليس غير هذا المكان. أنا الذي عشتُ قريباً منه، مثلما لم يعش أي أحد. وأنا الذي عشت غريباً عنه، مثلما عاش كل أحد. هل هذا سحر؟. لا، ليس سحراً، إنما شيء من الأسطورة التي ظلت ملازمة له، والتي حاول بها فرض هيبته على الجميع. كانت أسطوريته، هي سلاحه الوحيد في الرد على هجمات العالم الخارجي. كان يحتمي بها لتحصين داخله من السوَقة واللصوص ومدمني الحشيش، رغم أنه ظلّ طوال سنيّ عمره مأوىً آمناً لهم.
لم يكن يملك جيشاً ولا أسلحة. ولكنني، شاهدتُ الشرطة تدهمه غير مرة في ساعات الفجر للسبب هذا: بحثاً عن أسلحة أو سياسيين هاربين. لم يكن يتوفر على فسيفساء معمارية تختلف عن تلك التي ضنّ بها الدهر على البيوت الفقيرة في حيّنا، إلا أنه، ومن دون أيٍّ منها، كان وحده من يمتلك القدرة على الترويع وإثارة الرعب. ذات مرةً قال لي عامل آسيوي أُوكل على حراسته، إن يدين تترددان على خنقه حال خلوده إلى النوم.
تلك السمات الخارقة في شخصيته، جعلته مرتحلاً على الدوام ما بين مكاتب السماسرة وبين يديّ المُلاّك. هل قلتُ المُلاّك؟. يجب أن أدقق في العبارات، فالصحيح إن أحداً لم يملكه منذ تلك الحادثة الشهيرة إلا في أوراق العقارات الرسمية. أما في الواقع، فكان هو الوحيد من يملك نفسه. وأنا أحار الآن في تخمين عند أي عالمٍ لدنيّ أو فيلسوف إشراقي، قد نهل كل هذه المواصفات الخارقة.
عشرة ملاّكٍ تعاقبوا على أوراق ملكيته، لكنّ أحداً منهم لم يجروء في يوم على المجاهرة بالقول: إنه لي. وطبعاً، لايعني هذا أن أحداً لم يجازف ويتعتع بمثل هذا الادعاء. ولكن جميع من قاموا بذلك، وهذا ما أستطيع أن أسجله الآن، كانوا يفتقرون إلى الجدية. ومن منطلق الجدية، كان يتطلب مثل هذا الادعاء ممارسة نوع من الملكية على هذا المكان. ممارسة عمل غير ذاك المحفور على الأوراق الثبوتية. وهو ما أخفق فيه الجميع. أما من غامر بذلك، فقد استجرّ على نفسه طالعاً سيئاً أقلّه العيش مع طائر المرض المنجلي في غرفة واحدة، أو تحمّل الفقد، وهذا أكثر الطوالع سوءاً، في الأحبة والأهلين.
أقول ذلك، وأنا غير مستوثق من أي شيء مما قلته للتوّ. فتلك أقصوصات يتم توارثها في حينا، الأبناء عن الآباء، وهؤلاء عن أجدادهم. وحسبي أنني أرويها على ألسنتهم، بكل ما يمكن أن يكون فيها من كذب أو خرافة أو هُلاس جماعيّ.
من بين تلك الأقصوصات، اخترتُ أقصوصة واحدة لكي أرويها على طرف لساني. اخترتها هي تحديداً، لأنها أقصوصة تأسيسية. وستأتي باقي الأقصوصات مبنية عليها، أو في الأقل محاكية لها. إنها السبب، كما روى لي أبي عن آبائه، في أن هذا البيت يتم إدراجه في خانة البيوت "المسكونة" بالمسّ والجنّ وأساطير الأولين. وفي الحقيقة، حتى أقصوصة أبي بحاجة إلى توثّق، لكن ما الحيلة، إذا كان كل من يستطيعون أن يتحدثوا هم في غنى عن الاستجابة إلى إزعاج راصد أساطير مثلي، لأنهم ببساطة يرقدون في قبورهم بسلام، منذ سنين خَلَت، ومعهم مفاتيح أساطيرهم.
لكن ما أستطيع تسجيله هنا، ومن دون الاعتماد كثيراً على رواية أبي، بل مما تكاد تجمع عليه أغلب الأقصوصات، هو أن البيت كان ملكاً لعائلتي. تلك الملكية التي كانت نقطة الضوء الأول والتي ستعطي إشارة الإذن لانطلاق الكثير من الخرافات. يا لها من نقطة. سمّها خرافة الخرافات. إن كثيراً من ملكة القصّ عند كثير من العجائز في عائلتي تعود إلى هذه النقطة. إلى هذا الغصن المقطوع من شجرة التاريخ والمتناقل على أيدي السحرة في وادي عبقر. يحار المرأ حقاً وهو يدون طبيعة البشر. أحلامهم وخيباتهم. والأهم، قدرتهم على حماية تواريخهم الخاصة ذات التكثيف الرمزي العالي من التلف والضياع.
اسمعوا... هذا المكان ملكٌ لأجدادي البحّارة. لا أقول ذلك بفخر، ولكن بحسّ من المقاومة إلى تاريخ الشطْب ونسيان الذاكرة. لم يكن جدي الخامس بارعاً في الاحتفاظ بالتواريخ، لكنه ومن دون أن يكون قد قصد ذلك، استطاع أن يؤمن لأجياله ذاكرة طازجة لاتنفك من الجريان على الألسنة.
كان قد قصد "سوء الدهر" – تذكروا هذا الاسم جيداً- لتأمين سلفة نقدية تؤمّن له وللبحارة من حينا مؤونة المكْث في البحر طيلة شهرين، المدة التي يستغرقها موسم صيد اللؤلؤ. جرت الأمور على ما يُرام، وخلال أيام كانت القوارب الشراعية تتأهب للسفر.
اصطفت النساء والأطفال على الساحل ملوّحاتٍ بالخرق والأيادي. هل قلت الساحل؟. كان ذلك قبل مجيء الآلات الجهنمية لتخطف البحر منا إلى غير رجعة. زغردت النساء زغردةً يعرفها ركاب القوارب الشراعية جيداً. إنها تعني شدّ أعنّة الصواري والاستسلام إلى الغياب. الأمر نفسه، جرى بعد شهرين. اصطفت النساء والأطفال على الساحل ملوّحاتٍ بالخرق والأيادي. وكان ركاب القوارب الشراعية يعرفون الإشارة جيداً. إنها تعني إرخاء أعنة الصواري والاستسلام إلى شغف اللقاءات.
لم يكن الشغف كافياً لمحو أثر اللوعة من على وجوه البحارة. خذلهم البحر، وهو الذي تعوّد – خلا هذه المرة! – أن يكون كريماً معهم إلى درجة البذخ. حين لامست أرجلهم سطح البرّ، كان غرابٌ يرفرف من على علوٍّ منخفض وكان لصفْق أجنحته صخبٌ ينتر شغاف القلب. لم يكن يصدر نعيباً، ولكن وجوده في هذه الساعة كافٍ لشحْذ خيال البحارة على أسوأ النهايات. رفض "سوء الدهر" الاستجابة إلى الالتماس الذي كتبوه له لتأجيل موعد سداد السُّلفة. صادر ممتلكاتهم، ومنها هذا البيت الذي صار منذ هذه الحادثة وقْفاً على الجن في وادي عبقر.
وفجر يوم أمس، كنت أهمُّ بإغلاق نوافذ غرفتي سادّاً الباب على شياطين البرد، حينما فَلَتَت مني نظرة باتجاه البيت الذي ما يزال، ورغم العتمة الباهرة، يعبق برائحة ذكرى أجدادي الغابرين. ست ساعات ليس أكثر، هي الفاصل الزمني الممتد بين هذه النظرة الخاطفة وصوت الكسّارات الآلية التي جاءت لردم البيت، ومعه كل الذكرى وكل الحكايات. حين صحوت كانت الشمس تنشر أشعتها الذهبية في أرجاء المكان، ولم تكن هناك سوى ذكرى بيت مسكون بالمسّ والجن وأساطير الأولين.