مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

حكم القاضي

 

 

اليوم، وفيما أسرّت لي أختي عبر مكالمة هاتفية خبر الحكم على الصديق محمد سعيد وزميله حسين الحبشي، سنة للأول وستة أشهر للثاني، بتهمة حيازة منشورات تمس أمن الدولة، جاء على بالي أن أشتم. وبما أن شتائمي جميعها، هي من جنس تلك الشتائم الشوارعية البذيئة، فقد اخترت التخفيف على السيد القاضي، وهو مصري لديّ شعور قوي بأنه أحول!، وتشريفه بشتائم عربية فصيحة، ليست فيها عجمة أو ابتذال. وفي حال أعجبته أو امتعض لها – لافرق حقيقة -، أخبره بأن جميع الشتائم مأخوذة من مقامة لبديع الزمان الهمذاني، وهي تحت اسم "المقامة الدينارية". يعني أنا ما خصني!

 

... يَا بَرْدَ العَجُوزِ، يَا وَسَخَ الكُوزِ، يَا دِرْهَماً لا يَجُوزُ، يَا رَمَدَ العَيْنِ، يَا غَدَاةَ الْبَيْنِ، يَا فِرَاقَ المُحِبَّيْن، يَا سَاعةَ الحَيْنِ، يَا مَقْتَلَ الحُسَيْنِ، يَا ثِقَلَ الدَّيْنِ، يَا مَنْعَ المَاعُونِ، يَا سَنَةَ الطَّاعُونِ، يا بَغْيَ العَبِيدِ، يَا آيَةَ الوَعِيدِ، يَا كَلامَ المُعِيدِ، يَا أَقْبَحَ مِنْ حَتَّى في مَوَاضِعَ شَتَّى، يَا دُودَةَ الكَنِيفِ، يَا فَرْوَةً فِي المَصِيفِ، يَا تَنَحْنُحَ المُضِيفِ إِذَا كُسِرَ الرَّغِيفُ، يَا جُشَاءَ المَخْمُورِ، يَا ضَجَرَ اللِّسَانِ، يَا بَوْلَ الخِصْيَانِ، يَا مُؤَاكَلَةَ العُمْيَانِ، يَا شَفَاعَةَ العُرْيَان، يَا سَبْتَ الصِّبْيَانِ، يَا كِتَابَ التَّعَازِي، يَا قَرَارَةَ المَخازِي، يَا قَرَّادَ القُرُودِ، يَا عَدَماً فِي وُجُودٍ، يَا دُخَانَ النِّفْطِ، يَا صُنَانَ الإِبْطِ، يَا زَوَالَ المُلْكِ، يَا أَخْبَثَ مِمَّنْ بَاءَ بِذُلِّ الطَّلاَقِ، وَمَنْعِ الصَّدَاقِ، يَا وَحْلَ الطَّرِيقِ، يَا مَاءً عَلى الرِّيقِ، يا قَلَحَ الأَسْنَانِ، يَا وَسَخَ الآذَانِ، يَا أَجَرَّ مِنْ قَلْسٍ، يَا أَقَلَّ مِنْ فَلْسٍ، يَا أَفْضَحَ مِنْ عَبْرَةٍ، يَا أَبْغَى مِنْ إِبْرَةٍ، يَا كلِمَةَ لَيْتَ، يَا كَيْتَ وَكَيْتَ، واللهِ لوْ وَضَعْتَ أسْتَكَ عَلَى النُّجُومِ، وَدَلَّيْتَ رِجْلَكَ في التُّخُومِ، وَاتَّخَذْتَ الشِّعْرَى خُفّاً، وَالثُرَيَّا رَفَّاً، وَجَعَلْتَ السَّماءَ مِنْوَالاً، وَحِكْتَ الهَوَاءَ سِرْبالاً، فَسَدَّيْتَهُ بِالْنَّسْرِ الطَّائِرِ، وَأَلْحَمْتَهُ بالفَلَكِ الدَّائِرِ، ما كُنْتَ إِلاَّ حَائِكاً.

 

 

سياسة روحانية

 

غضون تغطية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو – رحمه الله رحمة واسعة- لحدث الثورة الإسلامية في إيران مطلع الثمانينات، كان من أبرز ما تفتقت عنه قريحته، هو نحت مصطلح "السياسة الروحانية". وعبر هذا المصطلح بثّ فوكو جملة من الملاحظات، التي لم تكن تخلو من إعجاب بالحدث الثوري الأهم في القرن العشرين، كما عبّر هو، والذي استجرّ عليه تالياً نقداً سخياً بلغ حد السخرية منه من طرف مفكرين وفلاسفة غربيين. "الروحانية السياسية" مصطلح أعجب الصديق محمد العلي المتخصص في الشأن الإيراني كثيراً، وهو وجد فيه شحنة بلاغية تلخص الكثير مما يمكن أن يقال حول الثورة الإيرانية. وأنا من جهتي ليس لديّ اعتراض على كل ذلك، إنما أقترح إعادة شحن المصطلح بدلالات جديدة، تواكب ما غدت تتفتق عنه روحية بعض السياسيين في العصر الحديث. فالسياسة كما يقال دائماً ليس فيها ثوابت، وإذا كان من ثابت فيها فهي أنها بلا ثوابت، وهي، بحسب الروشتة الديماجوجية، فن الممكن والدهاء والمناورة، ومن عندي أضيف، فن البصبصة والانسداح والمخالعة. من هذه الإضافة تحديداً، تتوجب قراءة دلالات "السياسة الروحانية" في الصورة التي فوق.

بيت الجن

لو أن ثمة مكاناً أرغب في الحديث عنه، فهو حتماً ليس غير هذا المكان. أنا الذي عشتُ قريباً منه، مثلما لم يعش أي أحد. وأنا الذي عشت غريباً عنه، مثلما عاش كل أحد. هل هذا سحر؟. لا، ليس سحراً، إنما شيء من الأسطورة التي ظلت ملازمة له، والتي حاول بها فرض هيبته على الجميع. كانت أسطوريته، هي سلاحه الوحيد في الرد على هجمات العالم الخارجي. كان يحتمي بها لتحصين داخله من السوَقة واللصوص ومدمني الحشيش، رغم أنه ظلّ طوال سنيّ عمره مأوىً آمناً لهم.

لم يكن يملك جيشاً ولا أسلحة. ولكنني، شاهدتُ الشرطة تدهمه غير مرة في ساعات الفجر للسبب هذا: بحثاً عن أسلحة أو سياسيين هاربين. لم يكن يتوفر على فسيفساء معمارية تختلف عن تلك التي ضنّ بها الدهر على البيوت الفقيرة في حيّنا، إلا أنه، ومن دون أيٍّ منها، كان وحده من يمتلك القدرة على الترويع وإثارة الرعب. ذات مرةً قال لي عامل آسيوي أُوكل على حراسته، إن يدين تترددان على خنقه حال خلوده إلى النوم.

تلك السمات الخارقة في شخصيته، جعلته مرتحلاً على الدوام ما بين مكاتب السماسرة وبين يديّ المُلاّك. هل قلتُ المُلاّك؟. يجب أن أدقق في العبارات، فالصحيح إن أحداً لم يملكه منذ تلك الحادثة الشهيرة إلا في أوراق العقارات الرسمية. أما في الواقع، فكان هو الوحيد من يملك نفسه. وأنا أحار الآن في تخمين عند أي عالمٍ لدنيّ أو فيلسوف إشراقي، قد نهل كل هذه المواصفات الخارقة.

عشرة ملاّكٍ تعاقبوا على أوراق ملكيته، لكنّ أحداً منهم لم يجروء في يوم على المجاهرة بالقول: إنه لي. وطبعاً، لايعني هذا أن أحداً لم يجازف ويتعتع بمثل هذا الادعاء. ولكن جميع  من قاموا بذلك، وهذا ما أستطيع أن أسجله الآن، كانوا يفتقرون إلى الجدية. ومن منطلق الجدية، كان يتطلب مثل هذا الادعاء ممارسة نوع من الملكية على هذا المكان. ممارسة عمل غير ذاك المحفور على الأوراق الثبوتية. وهو ما أخفق فيه الجميع. أما من غامر بذلك، فقد استجرّ على نفسه طالعاً سيئاً أقلّه العيش مع طائر المرض المنجلي في غرفة واحدة، أو تحمّل الفقد، وهذا أكثر الطوالع سوءاً، في الأحبة والأهلين.

أقول ذلك، وأنا غير مستوثق من أي شيء مما قلته للتوّ. فتلك أقصوصات يتم توارثها في حينا، الأبناء عن الآباء، وهؤلاء عن أجدادهم. وحسبي أنني أرويها على ألسنتهم، بكل ما يمكن أن يكون فيها من كذب أو خرافة أو هُلاس جماعيّ.

من بين تلك الأقصوصات، اخترتُ أقصوصة واحدة لكي أرويها على طرف لساني. اخترتها هي تحديداً، لأنها أقصوصة تأسيسية. وستأتي باقي الأقصوصات مبنية عليها، أو في الأقل محاكية لها. إنها السبب، كما روى لي أبي عن آبائه، في أن هذا البيت يتم إدراجه في خانة البيوت "المسكونة" بالمسّ والجنّ وأساطير الأولين. وفي الحقيقة، حتى أقصوصة أبي بحاجة إلى توثّق، لكن ما الحيلة، إذا كان كل من يستطيعون أن يتحدثوا هم في غنى عن الاستجابة إلى إزعاج راصد أساطير مثلي، لأنهم ببساطة يرقدون في قبورهم بسلام، منذ سنين خَلَت، ومعهم مفاتيح أساطيرهم.

لكن ما أستطيع تسجيله هنا، ومن دون الاعتماد كثيراً على رواية أبي، بل مما تكاد تجمع عليه أغلب الأقصوصات، هو أن البيت كان ملكاً لعائلتي. تلك الملكية التي كانت نقطة الضوء الأول والتي ستعطي إشارة الإذن لانطلاق الكثير من الخرافات. يا لها من نقطة. سمّها خرافة الخرافات. إن كثيراً من ملكة القصّ عند كثير من العجائز في عائلتي تعود إلى هذه النقطة. إلى هذا الغصن المقطوع من شجرة التاريخ والمتناقل على أيدي السحرة في وادي عبقر. يحار المرأ حقاً وهو يدون طبيعة البشر. أحلامهم وخيباتهم. والأهم، قدرتهم على حماية تواريخهم الخاصة ذات التكثيف الرمزي العالي من التلف والضياع.

اسمعوا... هذا المكان ملكٌ لأجدادي البحّارة. لا أقول ذلك بفخر، ولكن بحسّ من المقاومة إلى تاريخ الشطْب ونسيان الذاكرة. لم يكن جدي الخامس بارعاً في الاحتفاظ بالتواريخ، لكنه ومن دون أن يكون قد قصد ذلك، استطاع أن يؤمن لأجياله ذاكرة طازجة لاتنفك من الجريان على الألسنة.

كان قد قصد "سوء الدهر" – تذكروا هذا الاسم جيداً- لتأمين سلفة نقدية تؤمّن له وللبحارة من حينا مؤونة المكْث في البحر طيلة شهرين، المدة التي يستغرقها موسم صيد اللؤلؤ. جرت الأمور على ما يُرام، وخلال أيام كانت القوارب الشراعية تتأهب للسفر.

اصطفت النساء والأطفال على الساحل ملوّحاتٍ بالخرق والأيادي. هل قلت الساحل؟. كان ذلك قبل مجيء الآلات الجهنمية لتخطف البحر منا إلى غير رجعة. زغردت النساء زغردةً يعرفها ركاب القوارب الشراعية جيداً. إنها تعني شدّ أعنّة الصواري والاستسلام إلى الغياب. الأمر نفسه، جرى بعد شهرين. اصطفت النساء والأطفال على الساحل ملوّحاتٍ بالخرق والأيادي. وكان ركاب القوارب الشراعية يعرفون الإشارة جيداً. إنها تعني إرخاء أعنة الصواري والاستسلام إلى شغف اللقاءات.

لم يكن الشغف كافياً لمحو أثر اللوعة من على وجوه البحارة. خذلهم البحر، وهو الذي تعوّد – خلا هذه المرة! – أن يكون كريماً معهم إلى درجة البذخ. حين لامست أرجلهم سطح البرّ، كان غرابٌ يرفرف من على علوٍّ منخفض وكان لصفْق أجنحته صخبٌ ينتر شغاف القلب. لم يكن يصدر نعيباً، ولكن وجوده في هذه الساعة كافٍ لشحْذ خيال البحارة على أسوأ النهايات. رفض "سوء الدهر" الاستجابة إلى الالتماس الذي كتبوه له لتأجيل موعد سداد السُّلفة. صادر ممتلكاتهم، ومنها هذا البيت الذي صار منذ هذه الحادثة وقْفاً على الجن في وادي عبقر.

وفجر يوم أمس، كنت أهمُّ بإغلاق نوافذ غرفتي سادّاً الباب على شياطين البرد، حينما فَلَتَت مني نظرة باتجاه البيت الذي ما يزال، ورغم العتمة الباهرة، يعبق برائحة ذكرى أجدادي الغابرين. ست ساعات ليس أكثر، هي الفاصل الزمني الممتد بين هذه النظرة الخاطفة وصوت الكسّارات الآلية التي جاءت لردم البيت، ومعه كل الذكرى وكل الحكايات. حين صحوت كانت الشمس تنشر أشعتها الذهبية في أرجاء المكان، ولم تكن هناك سوى ذكرى بيت مسكون بالمسّ والجن وأساطير الأولين.

أمين صالح

لو أن جملةً واحدة تكفي لقول كل ما يُمكن قوله عن أمين صالح، فهي حتماً: غير معقول. وغير معقول هذه، تتسع لدلالتين، أمين الشخص، وأمين الأثر. وهي تتسع أيضاً لكل معاني الجنونيّ والسحريّ والأثير والخرافة. فمع أمين، وقلةٌ مثله، من الصّعب الاكتفاء بما تقترحه النقدية الحديثة على المتلقي من أدوات في القراءة، من قبيل موت المؤلف واستقلالية الأثر الأدبي. هذا شيء، وأمين شيء.

تأتي إلى نصه متجرداً من كل سلاح، من إغواء الرابط الشخصي بينك وبينه، وحال تغرق في النص، تجد أن أمين يحاصرك. يطلع إليك من كل الجهات. تقول: إن أمين غير موجود، فتفجأك قهقهة من كل زوايا المكان، وحين تدقق، تكتشف أنها قهقهة أمين نفسه. تقول: إن النص نصي الآن، وأنا من يمنحه المعنى، فتكتشف أنك ضائعٌ في الاحتمالات، وأن النص الذي بين يديك نصٌّ غادرٌ، قادرٌ على أن يقول المعنى وضدّه، في الوقت نفسه وفيما أنت ماتزال غارقاً في تحصيل المعنى الأول.

الغدر بالمخيلة، تشتيتها في مشاهد، تجريدها من أفق توقعها السابق على أوان تلقي النص، هي لعبة أمين. ويقال هنا: إن ذلك من أثر السينما. لكن أيضاً، الانقلاب على التقليد السردي، شحنه بالصور والدلالات الثرّة، تلك لعبةٌ أخرى. ويقال هنا: إن ذلك من أثر الشعر. وأيضاً، الإمساك بخيط التحبيك السردي، آناً إرخاؤه، وآناً أخرى المداورة عليه، هي أيضاً لعبة من بين اللعب. ويقال هنا: إن ذلك من أثر القصّ.

والحقيقة أن أمين ليس كل هذا، فنصه كائدٌ بالآثار والأجناس الأدبية على السواء. وليس عبثاً.. ربما، أن كل نصوص مجموعته الأخيرة تنتهي بلازمة "كيداً كيداً". نصٌّ له معماره الخاص، وهو ليس السينما وليس الشعر وليس القصّ. وإذا ما أُصِرّ على قول شيء هنا، فهو شيء واحد: إن ذلك من أثر أمين.

... تلك مقدمة، سيتوجب على كل من يقرأ مجموعة أمين صالح الصادرة حديثاً "والمنازل التي أبحرت أيضاً" أن يضعها في الحسبان، وإلا ضاع في المكائد المتناثرة في أرجاء الفراغ.. ودائماً كيداً كيداً.

 

إلى "اليسار" در!

 اطلعت هذا الأسبوع على 4 تقارير عن صعود اليسار الشعبي في أميركا اللاتينية. الأمر يبعث على التفاؤل. ولكن لا تتسرعوا. لستُ مطمئناً كثيراً إلى ما قرأت. خصوصاً، وأن مصدري في التقارير كلها، هما مجلتان أميركيتان، وتقريباً مناوئتان لهذا الصعود: نيوزويك الأسبوعية، وفورن بوليسي الشهرية(FP). ولكن أيضاً هنا، أرجو ألا تتسرعوا. لأن جزءاً كبيراً من عقيدتي المتنامية العداء، مؤخراً فقط، إلى السياسات الأميركية، أصبحت أتلقاها من هاتين المجلتين. فمن قبل، كنت أكره أميركا بالفطرة، وبدرجة ثانية، بشهادة أهلي، أما الآن فصرتُ أكرهها بشهادة أهلها أنفسهم. وفي الحقيقة، على رغم كل المشاعر العدائية التي قد يحملها أيٌّ منا إلى هذا البلد، وهناك ألف سبب وجيه وسبب، إلا أن ذلك ليس كافياً لأن نحجم عن الإعجاب بحيوية الفضاء العام فيه، والذي يسمح للصحافة أن تقول قريرة العين: ''إن بوش حمار''، وهو فعلاً حمار، حتى لو لم يكن مسموحاً قول ذلك.

...

...

 
لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، إلى اليسار در،  صحيفة "الوقت"، العدد 328 - الأحد 23 ذوالحجة 1427 هـ - 14 يناير/كانون الثاني 2007].

 

إبراهيم مبيضين: الكذاب الأكثر شعبية

 

 
من يصدق إبراهيم حامد مبيضين في البحرين؟. أنا فقط، ومن خارج البحرين ستة رؤساء تحرير صحف مصرية. وأنا؟. لأنني دائماً ما أجدني، وهذه من نقاط ضعفي، مأخوذاً إلى تصديق الأشياء بظاهرها، وبضمن ذلك الناس بعامتهم، انطلاقاً من مبدأ الثقة. سمّها سذاجة!. وستة رؤساء تحرير صحف مصرية؟. لأن الأيام الأخيرة أثبتت أن مثل هؤلاء مهيئون إلى أن يصدقوا الشيطان نفسه، مقابل حفنة دولارات وسيارة مرسيدس (حتى "تيدا" تمشي الحال!).
وبالنسبة إلى هؤلاء الأخيرين، فأنا لا آتي بهذا الكلام من جيبي، إذ سبقتني إلى ذلك الصحف المصرية نفسها، ونقابة الصحافييين المصرية، وكتّاب مرموقون من وزن فهمي هويدي، على خلفية الزيارة "السرية" التي قاموا بها إلى شيخ إمارة البحرين غضون الانتخابات، والتي ترجموها تالياً مديحاً باذخاً، في الصحف التي يترأسونها.

قلت، إنني، ووحدي من بين سائر البحرينيين، من لديه القابلية لأن يصدق السيد مبيضين (صديقي عباس المرشد يقرأها بكسر الميم وتسكين الباء: "مِبْيَضيْن"، وذلك على عكس مايقرأها أغلب البحرينيين بإضافة همزة وصل إلى أولها: "اِمْبَيْضين")، لكنني الآن أهدد بسحب ثقتي، والتعامل معه من المنطلق الذي يتعامل معه به أغلب البحرينيين، والقائل: إن مبيضين كذاب، وكذاب رسمي أيضاً.

داعي التهديد هذا مسألتان، الأولى لأن مبيضين فعلاً كذاب، وهذا وصف صار من جنس الحقيقة نفسها، والثانية لأنني لم أعد قادراً على المشي بالمقلوب، والنظر إلى العالم من كعب حذائي، ماركة Puma.
وغضون حرب يوليو/ تموز الماضي صرح مبيضين، وهو أردني حامل للجنسية البحرينية على الأرجح، بكلام خطير إلى مجلة نيوزويك الأميركية، مفاده إنه "ليس مع تكريس السيد حسن نصر الله زعيماً". وعلل موقفه هذا قائلاً "لأنني أنحاز إلى دور المؤسسة وليس لطغيان الكاريزما"، معتبراً أن "أسلوب تعاطي الإدارة الأميركية مع القضايا العربية والإسلامية"، ناهيك عن "فشل الأنظمة العربية، وفساد القيادات التقليدية والشابة على السواء"، أكبر حليف "لحالة تنصيب السيد نصر الله زعيماً".
وأتذكر أنني كتبت مقالاً هنا في المدونة، دعوته فيه إلى تثبيت هذا الكلام بإثبات أنه "لم يمجد زعامة، ولا ألَّهَ قيادة تقليدية أو شابة، ولا برى قلماً في مديح وجيه فاشل أو مفسد"، مستنكراً عليه لأن "من ينحاز إلى المؤسسة، وهي مفهوم إداري حديث، لا يصرفُ عمره (أطال الله في عمره!) في دباغة جلد القبيلة وجلد شيخ القبيلة". وأعرف الآن، أنه لم يستمع!.

لم يستمع، لأنه عاد مؤخراً وأدلى بحديث حارّ من القلب... إلى "ملك القلوب"، ينقض ما قاله قبل خمسة أشهر فقط عن طغيان الكاريزما. مع  التشديد هنا على أن الشيخ حمد لايمتلك شيئاً من الكاريزما ولا هم يحزنون. وهو قدم لحديثه هذا بأسطر وجدانية في "سيدي صاحب الجلالة"، يكاد ينفطر لها قلب كل همّازِ زنيمٍ وحاسد. وقبل أن أترككم مع كلماته الحارّة، وهي فعلاً حارّة، ويمكن التعويل عليها في الوقاية من برودة هذا الشتاء القارس، أقول، لكن من دون تهديد هذه المرة: كذاب يا مبيضين... وثق أن الأميركان الذين تكتب لهم كلاماً "حداثوياً" يعرفونك أكثر مني ومن عشرة من أجدادي. اللهم لا شماتة!.

      

                      الآن بوسعكم أن تقرأوا...

 

حفل الغرائز الناجزة

 

المستبد وحده لم يعد كافياً، فمرحباً بالمستبدّ "الشهيد". ذلك الدرس المُستقى من مشهد الحفْل الغرائزي الناجز. وعلى العكس من المتوخى، استُقبل إعدامُ الطاغية بتأبيد زمن الإعدام. صار زمن الإعدام كل الزمن. ومكانه، كل المكان. أشك أن مقتصليه قد قرأوا كتاباً واحداً عن ثورة الميديا. أو عن العصر البارع في إبداع هذه الوسائط، أو عن الحدود، وضياع الحدود. أتوا إلى كرنفال الثأر بكلّ حصاد الجهَلَة، بكل حصاد التاريخ، عدا التاريخ المعاصر. لم يطرحوا السؤال المتعلق بالبيداغوجية المتوخاة من الموت. وأية بيداغوجية تتوخى من الموت... سوى الموت نفسه!.

من جهته، بدا الطاغيةُ في أزهى فتراتهِ ذكاءً. ويحار المرأُ حقاً، لأن هذا الذي قضى عُمُره متمثلاً دور القرصان وسفاح الشوارع، هو نفسه من غدا يستدرّ لصالحه دموع "المحبين" وخفقات قلوب قدامى "المحاربين". عاش الطاغية، مات الطاغية، لكنه الآن غدا، والآن فقط، الطاغية "الشهيد". وللشهيد رنةٌ في أذن أمةٍ تحيا على السحر وعلى شرف البطولات، الحقيقية والزائفة. وما فعله الطاغية، وبتواطوء من مقتصلهِ الغبي و... الهمجيّ، هو  تجذير سحر البطولة الزائفة، جوهرته وتأبيده، وكان يُرادُ له العكس. لم يعرفِ المقتصِل، وهو لذلك، غبي و... همجيّ.

فإذن، زاد "الشهداء" واحداً. والعكس بالعكس، زادت عصابةُ المقتصلين واحداً. أية ثقافةٍ هذه، التي المرأ فيها، إما شهيدٌ أو مقتصِل. إما ضحيةٌ أو جلاد. إمّا أضحيةٌ أو طاغية. وأية ثقافة هذه، التي لا تهبُ الدرس إلا على أعواد المشانق وساحات القصْل. ثم، أية ثقافة هذه، التي لقلقةُ الشهادتين فيها تعطي "شهيداً"، وإن لم يكن فبطلاً هُماماً، وإن لم يكن فجَسُوراً جَسُوراً... مات وكفى. يكاد المرأ يجنّ، وهو يحيا في جوّ التبسيط الباذخِ هذا. يكاد ييأس. يكاد يقول الكفرَ... أما المريب، فيقول: خذوني!.

قوة الأوسمة

 

حملت صحف هذا الصباح خبراً جيداً، ومباركاً، يناسب مكانة هذا اليوم الفضيل، الجمعة المباركة. رئيسة الفلبين السيدة غلوريا ماكاباجال إلى جانب سمو رئيس الوزراء خليفة بن سلمان في صورة تذكارية، لدى تسليمه "أعلى وسام وطني فلبيني يمنح لرؤساء الدول والحكومات".

وجاء في الخبر الذي شغل مساحة المانشيت الرئيس في صحيفة محلية "تكريم صاحب السمو يأتي تقديراً لدوره كرجل دولة ساهم في جعل مملكة البحرين نموذجاً متقدماً في التطوير الاقتصادي والمالي والدستوري".

قلت إنه خبر جيد، ومبارك، ومن جيبي أضيف الآن، ذا تطلع مستقبلي!. وفي الواقع، تمثل تطلعات رئيس الوزراء، الذاهبة شرقاً، نحو آسيا، على عكس اتجاه ابن أخيه، وابن ابن أخيه، الذاهبة غرباً، وتحديداً إلى أميركا، (تمثل) نوعاً من المقاومة إلى المدّ الإمبريالي - الأميركي - العولمي، وسعياً وراء سيادة لا يُتحصّل عليها من طريق حاملات الطائرات والبوارج الحربية.  وهذا شيء طيب!.

لكن الحذر الواجب توخيه، وهنا الثقة، ووحدها الثقة، تقع على خليفة بن سلمان، ألاّ يتم استبدال حاملات الطائرات والبوارج الحربية، بأخواتها الأشدّ فتكاً: حاملات المسدسات الموجهة تلقائياً من جهة الصدور والأرداف. فإذا كانت خطورة الأولى تتمثل في قدرتها على القتل الوحشي والسافر، فإن الثانية تمتاز بقدرتها على القتل الناعم والرحيم. وهنا، وهذا من النتائج، يُصار إلى إمبريالية من نوع آخر، ملاكُها اختلاف وسائل الهلاك، فيما الفكرة الواقفة خلفها، واحدة.

داعي الحذر هذا، هو ما كشف عنه التوجه نحو آسيا، طيلة الأعوام الماضية، من مراكمة أشكال الاستدخال الإمبريالي، وليس تقليصه، كما هو متوخى. فحيث يوفر وجود القاعدة الأميركية، المستقرّ في الجفير منذ سنوات دليلاً دامغاً على قوة نفوذ الآلة الإمبريالية، يوفر وجود القواعد الشرق - آسيوية الرجراجة على مقربة منها، في طول وعرض شارع المعارض، قوة إمبريالية زائدة، وبما يكفي للقول: إن هناك فائض إمبريالية عندنا. وكما لا يخفى، هذا شيء لا يتحمله، أرخبيل محدود المساحة ووفير المشاكل مثل البحرين (حوالي 600 كيلو متر مربع، 450 ألف نسمة).

في كل الأحوال، ومهما كانت التحذيرات، لايسع المرأ إلا أن يقدم وافر التبريكات لسمو رئيس الوزراء، وهو من هو: سلطة حديدية، مال وأعمال، فائض من شهادات الأكاديميا "الفخرية"، و... أوسمة من أرفع المستويات "الفلبينية"!. ولتسمح لي الصحيفة المحلية، التي قامت بمنشتة الخبر، أن أطلب منها إضافة اسمي إلى الإعلان "مدفوع الثمن" إلى جانب قبيلة آل بن علي، في أسفل الصفحة الأولى، رغبة مني في المشاركة في واجب التبريك لسموه على نيل الأوسمة الفخرية. ودائماً... فلبينياً!.

"فعايل" ليلة رأس السنة

تسألني: كيف قضيت ليلتك، ليلة رأس السنة؟.

أقول: لا شيء تقريباً، أقرأ في ثلاثة كتب بالتوازي: "سوسيولوجيا ماكس فيبر" لجوليان فروند، و"الثقافة والآخر.. تكريماً للطاهر لبيب" الصادر عن المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، وأخيراً "في حضرة الغياب" لمحمود درويش.

من بين هذه الكتب، كتابان صادران حديثاً 2006، وهما الثاني والثالث، فيما الأول قديم، وأقرأه للمرة الثانية لحاجةٍ في نفس يعقوب.

وأبدأ من الأول، "سوسيولوجيا ماكس فيبر"، الكتاب عبارة عن محاولة في تقديم فكر فيبر، وهو عالم اجتماع ألماني (21 أبريل 1864 - 14 يونيو 1920) ومن مؤسسي علم الاجتماع الحديث، بطريقة سهلة وبسيطة. وأستطيع أن أقول إنه يوفر قاعدة أولية للدارسين، ممن لاتسعفهم الترجمات الموضوعة في التعرف عن قرب على فكر هذا العالم، بلْه، أولئك الذين لايتوفرون على الجَلَد الكافي لقراءتها. إلا أنه يجب الحذر هنا، فالمؤلف، وإن كان يحدد هدفه ابتداءاً بأنه يسعى إلى "أن يعرض فكر فيبر السوسيولوجي بأكبر قدر من الوضوح"، إلا أن كتابه ليس بذلك اليسر الذي يمكن أن يُقرأ والرأس على المخدّة. هو ليس مثل رواية أو أي كتاب بسيط، حتى وإن كان في المبدأ العام يقدم صورة مبسطة عن فيبر. وصعوبته تكمن في مستوى المفاهيمية لا في مستوى اللغة. إلى هنا وأكتفي، مختتماً بالدعوة إلى عدم الثقة فيمن يفتون في القضايا ذات الصلة بالدين والمجتمع والسياسة، من دون أن تكون أصابعهم قد مرت على كتاب واحد لماكس فيبر.

□□□

 

تسألني، وماذا بعد؟.

- لم أنهِ حديثي بعد، مازلت أقف في حضرة السيد فيبر؛ ولكن هذه المرة عند تلميذ نجيب للمدرسة الفيبرية، وهو عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب. وهنا أشير عَرَضاً إلى أنني وقبل حوالي العامين، التقيت رفقة الصديق علي الديري بالطاهر، ويومها كان مدعواً إلى البحرين لتقديم محاضرة في "سوسيولوجيا الغزل العربي". كان لقاؤنا معه (نشر في صحيفة الأيام) فاتحة لنشوء علاقة حميمية جداً بيننا، تعمقت تالياً في بيروت؛ حيث يقيم منذ مطلع التسعينات، مدرّساً في إحدى جامعاتها ورئيساً للمنظمة العربية للترجمة. الطاهر كان ضيفاً على المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس قبل عامين، ليس أستاذاً، وإنما مكرّماً. فهو قد غادر تونس منذ عقد للتدريس في لبنان، تاركاً وراءه أثراً لا يُمحى في نفوس طلابه؛ حتى أن اتجاهاً نمى في أروقة الجامعات التونسية غدا يُطلق عليه "اللبيبية" أو "اللبيبيزم"، تعبيراً عن شدة تأثيره على الحياة الأكاديمية هناك. وجاءت دعوته إلى المعهد من طرف الدكاترة الذين عملوا معه، والطلبة الذين تأثروا بدروسه، تكريماً له لإسهاماته على هذا الصعيد. احتفالية التكريم اشتملت على ندوة فكرية حملت عنوان "الثقافة والآخر" وتمت خلالها مناقشة محورين: الأول عبارة عن شهادات وقراءات في فكر الطاهر لبيب، والثاني تركز على مقاربة مفهوم "الآخر" الداخل في صلب اهتماماته. وهذا الكتاب "الثقافة والآخر.. تكريماً للطاهر لبيب"، يجمع بين دفتيه الأبحاث التي قدمت غضون الندوة، والتي قام بوضعها عدد من طلبته في الجامعات التونسية، بالإضافة إلى بعض الدكاترة الذين عمل معهم.

 

□□□

وماذا أيضاً؟.

- ليس بعيداً من الطاهر، وقريباً قريباً من صديقه محمود درويش الذي لا ينفكّ عن إلقاء السحر والدهشة على رؤوس قرّائه. وسحره هذه المرة ليس شعراً، إنما نثراً شعرياً اختار أن يدون على غلافه، أسفل العنوان مباشرة، كلمة "نص". "في حضرة الغياب"، هو آخر كتب درويش الصادرة، وهو اختار له أن يكون "نصاً" وليس أي شيء آخر، منعاًَ لاحتسابِه على قصيدة النثر. درويش لم يقل ذلك؛ إنما سهلةٌ قراءة المكتوب من عنوانه، خصوصاً لمن يعرف موقفه من الشعر والإيقاع. وشخصياً، أعتبر هذا النص، وبعد أن بلغت في قراءته مبلغاً، من أهم نصوص درويش في الأعوام العشرة الأخيرة، وهو يعدل إن لم يفق تجربته في "جدارية" التي عرض فيها، وشعرياً، تجربته مع الموت. النص يحتوي على رؤى وجودية كثيرة، أجملها ربما، تلك التي استعرض فيها قدرته الخلابة في اللعب على دوالّ اللغة. ولن أطيل كثيراً هنا، وأدعو من قلبي كل من يريد أن يعدّل رأسه أن يقرأ درويش. فصاحب "سرير الغريبة" و"حالة حصار" و"لماذا تركت الحصان وحيداً" لا يخذل طالبه أبداً.

 

في حضرة الغياب

اللوحة للفنان ضياء العزاوي

 

وتسأل: ما معنى كلمة "لاجيء"؟.

سيقولون: هو من اقتُلع من أرض الوطن.

وتسأل: ما معنى كلمة "وطن"؟.

سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.

وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات... وتضيق بنا؟.

...

وبسرعة تكبر على وقع الكلمات الكبيرة، وعلى حافة بين عالمٍ ينهار خلفك، وعالم لم يتشكلْ بعدُ أمامك... عالمٌ مرميٌّ كحجر طائش في لعبة أقدار. تسأل نفسك: من أنا؟. ولا تعرف كيف تعرّفُ نفسك. ما زلتَ صغيراً  على سؤال يحيّر الفلاسفة. لكنّ سؤال الهويّة الثقيل قد أقعد الفراشة عن الطيران.

...

...

 

  • محمود درويش، نص: في حضرة الغياب، دار رياض نجيب الريس، ط 1، سبتمبر/ أيلول 2006.

 

اللوحة للفنان ضياء العزاوي



<<الصفحة الرئيسية