يذهب الشهداءُ إلى النوم فتسرقهم الأحزاب
...أمّا الحرب فقد انتهت. وحدها زفّةُ التوابيت لا تزالُ حاضرة. بارت آلةُ الموتِ وابتدأ الموتُ نفسُه. الموت في لبنان لا ينتهي. طوال تاريخه يبدأ. ينكفيء ربما، يأخذ قسطاً من الراحة، لكنه لا ينفكّ يبدأ. وفي لبنان، الموت موتان، واحدٌ يأتي على هيئة خبر في بيانات الأحزاب التي تُرسل إلى أجهزة الإعلام، وثانٍ يأتي على هيئة جنازة. وكل ضحيةٍ لابدّ لها أن تقطع هاتين المرحلتين، لكي تكمل موتها.
من ماتوا في بداية الحرب أو، في أواسطها أو، في نهايتها، الآن فقط يجدون المتسع لكي يكملوا موتهم الثاني، ويناموا بسلام. قبل ذلك كانوا في الثلاّجات، في القوارير الحافظة، تحت الدُّشم المعطوبة، وكان الخبرُ يأتي على هيئة شريط متحرك أسفل شاشات التلفزيون: مصرع اثنين وعشرين مدنياً لبنانياً في مجزرة إسرائيلية في "مروحين". ثمانية عشر في "الشياح". اثنين وثلاثين في "البقاع". تسعة وعشرين في "صريفا". خمسين في "قانا". ثلاثين في "بنت جبيل".
لكن الخبر، الآن، يأتي هكذا: تشييع ثلاثين مدنياً كانوا قد قضوا في مجزرة في "مروحين" في بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان. وقس على ذلك. الفضائيّات التي لم تقف مع "المغامرات غير المحسوبة" تستبدل "العدوان الإسرائيلي" بكلمة أخرى: "الحرب الإسرائيلية". هكذا تكتب الأشرطةُ سيرةَ الموت، وتظلُّ تتحرّك!.
ومن "مار إلياس" من أمام مبنى "اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني"، كانت خطّتنا: أن نسير مع شبيبة الحزب الشيوعي اللبناني في موكب عزاء إلى "صريفا" في الجنوب. الهدف؟. حضور تشييع جنائز تسعة وعشرين شهيداً. تقول نعمة بدر الدين من شبيبة الاتحاد الديمقراطي "لنا منهم سبعة رفاق قضوا شهداء في غارة إسرائيلية أثناء تأديتهم نوبة حراسة". و"لنا" هذه دالّةٌ على هويّة، وهي تعني أن السبعة الشهداء هؤلاء ينتمون تنظيمياً إلى الحزب الشيوعي.
كان الحزب الشيوعي اللبناني قد أعطى تعليمات لمقاتليه، بعد مرور أسبوع من العدوان الإسرائيلي على لبنان، بالانخراط في المقاومة. وهو ماحدث في محاور صريفا وبنت جبيل وصور. أما الحصيلة فاثنا عشر شهيد، يفتخر بهم الشيوعيون هنا، ويعدونهم عنواناً على الاستبسال وتماسّاً مع أيديولوجيّتهم الثورية. ويتحدث نائب الأمين العام للحزب الشيوعي سعد الله مزرعاني بفخر عن "الرفاق الذين تصدّوا للإنزال الإسرائيلي في محور بنت جبيل".
لم يكن السيرُ في موكب سيارات ترفرف من نوافذها أعلامٌ تنتهي أطرافها بمطرقة ومنجل سهلاً. فعند محور صور ظهرت المشكلة. سائق الباص اللبناني يرفض أن يمرّ من صور ما لم يتم استبدال أعلام الحزب الشيوعي بأعلام الدولة اللبنانية. رفض الشبيبة ذلك. لم يفلح عرضُ زيادةِ أجرة التوصيل في إثناء السائق عن موقفه. ماذا نفعل؟.
تالياًً سيتدخّلُ أنور ياسين الأسير اللبناني السابق في السجون الإسرائيلية والذي خرج في صفقة تبادل للأسرى عام 2002، في تهدئة هواجس السائق. سار الباص ثانيةً.. الأعلامُ نفسُها.
ومن صور التي كانت مسرحاً لعدة غارات وإنزال واحد على الأقل، ستبدأ رائحة الدم المجفف أو الذي لم يجفّ بعدُ، في الإنباء عما جرى هنا قبل أسبوع واحد فقط. كثيرون ارتدوا الكمّامات، أما من لم يحسب حسابه، مثلي وغيري كثيرون، فلا عزاء له.
كانت محطتنا الأولى، بعد رحلة سير استغرقت ساعة وربع، هي "البازورية" مسقط رأس الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. تذكّرني نعمة حتى لا أنسى بأن "لدينا رفيقين قضيا هنا، محمد بسما ومحسن جفال".
كان الشهيدان قد سقطا في اليوم الخامس للعدوان في أعقاب غارة على صالة للأفراح كان يختبيء فيها نحو اثنين وتسعين شخصاً. وحسبما كتب ثائر غندور نقلاً عن الناجين "إنهما (الشهيدان) كانا يحضّران برنامجاً ترفيهياً لأطفال الملجأ (...) لم يُنجَز البرنامج، طال الصاروخ فتى الملجأ الضاحك (وهذه تسمية أطلقها أطفال الملجأ على محمد بسما)". وفي بيت بسما، بدا والدُ الشهيد محتسباً. قال ونحن نخفّ ذاهبين "هذه ضريبة المعركة مع المشروع الأميركي/ الصهيوني".
الساعة تمام الخامسة عصراً. نحن على مشارف بلدة "صريفا". هو ذا حيّ موسكو، اسم رددته نعمة على مسامعي طيلة الطريق. أعلام الحزب الشيوعي وصور تشي غيفارا وجورج حاوي وأنور ياسين تزين الجدران؛ حتى تلك المدكُوكة والمُهدّمة. لاحظرَ على المطرقة والمنجل هنا. أما حصيلة الخسائر، فهي 42 شهيداً و312 منزلاً مدمراً تدميراً كاملاً.
وفي ساحة قبالة إحدى الحسينيات في البلدة كانت النعوش تتدفق. هذه هي المحطة الثانية من الموت. بين دقيقة وأخرى تعلو أصواتُ سيّارات الإسعاف. شهداء من الحزب الشيوعي، شهداء من حركة أمل. شهداء من حزب الله. لكل شهيد علمه. ولكل علم سيّاراتُه. سيارات حزب الله تبث آيات القرآن، وسيارات أمل والحزب الشيوعي تبث الموسيقى الثورية. ما أفظع الموت!.
انطلق المشيّعون. النعوش إلى الأعلى وحباتُ الأرز إلى تحت. من بعيد يبدو المشيّعون واحداً. من قريب، نعش لكل حزب أو، قل حزبٌ لكلِّ نعش. بعض النعوش صغيرة. صغيرة جداً. معنى ذلك أنها لأطفال. لماذا لفّوها بالأحزاب؟. من يدري!.
وفي وادي خفيض أودع أهل صريفا شهداءهم. تقول امرأة عن شهيدها، وهي تبكي "كان ينتظرُ سمير القنطار". ترد عليها أخرى "سيزورُه القنطارُ هنا". يصرخ رجل مشدداً "محمد إلى جانب وسام". يعني أنهما أخوان ولابد من دفنهما جوار بعض. آخرٌ من أمل يصرخ "ضع العلم معه". أي ضع علم الحركة مع الشهيد في القبر. تنتهي الجَلَبَة. ينام الشهداء بعد أن أكملوا موتهم. الآن فقط. متى ستنام الأحزاب؟.











22 اغسطس, 2006 02:07 م