من اعتاد على أن يطل على بيروت من جهة ساحة الشهداء أو الأشرفية أو ساحة رياض الصلح أو فروع الـ"ستاربكس" أو كورنيش الروشة أو الحمراء أو شارع مونو، ليطمئن... كل الأشياء في مكانها. المباني الفخيمة والواجهات الزجاجية وأضواء النيون الأثيرية، كلها على ما يرام. اللهم عدا مونو، الذي بدا مثل قرية أشباح. ليس بسبب الدمار النازل، إنما لشحّة السوّاح وطالبي "ليالي الأنس". لكن من اعتاد على أن يطلّ عليها من جهة الضاحية الجنوبية، فإن عليه أن يكتم أنفاسه جيداً. كأن زلزالاً بمقياس كذا مائة درجة مرّ من هنا.
كل الأشياء تستطيع أن تراها، لكن بواسطة فعل "كان". هنا كان "سنترال" فضل الله. هنا كان شارع الشيخ راغب حرب. هنا كان شارع السيد عباس الموسوي. هنا كان مطعم الخيام. هنا محل حلاقة كنت قد اعتدت على حلاقة شعري فيه هروباً من أسعار حلاقي الحمراء النارية. هنا كانت "أم حسن"، بوّابة بناية شارع حاطوم في برج البراجنة تجلس مع نساء الحيّ عصر كل يوم. هنا كانت شقة الشيخ نجيب الذي لم يأَس على شيء قدر أساه على كتبه التي ضاعت. يقول "إنها نادرة ولايمكن العثور عليها في مكان".
وحده بيت الحاج هلال في ساحة الغبيري ظل واقفاً، رغم أن قذيفة مرّت إلى البيت الذي يقع في ظهره فحوّلته إلى أطلال ذكرى. والحاج هلال هذا اسم مستعار لواحدٍ من أهالي الضاحية غير المعجبين بحزب الله. لكنها إسرائيل!. يقول لي، مبرراً قبوله الإشراف على نقطة أمنية في الضاحية حال طلب منه الحزب ذلك. يضيف "أجبتهم.. إسرائيل نعم، أما أن يقتل الشيعي الشيعي أو، اللبناني اللبناني فلا!".
قضينا نوبة ليلية معاً. كان تحت إمرته عشرة مسلحين من قوات التعبئة في حزب الله يختفون في الظلام الدامس. هي ذي المرة الأولى التي أرى فيها وجوداً مسلحاً في الضاحية. فرغم قرار الهدنة الذي وضع حداً للحرب (حتى الآن لايزال حداً سائلاً!)، إلا أن الإجراءات الأمنية هنا، هي هي نفسها، كما لو أن الحرب لم تبرح قائمة. هسهسة خفيفة في الشارع الجانبي كافية لأن ينفضّ حرّاس النوبة يميناً وشمالاً. ولن يعودوا إلا بعد معرفة مصدرها. طائرات الاستطلاع (إم كا) لاتفارق السماء، لكن ما يخشاه الحاج هلال"السيارات المفخخة... ومن الفتنة!". ماذا تقصد؟. سألته فأجاب "سيارة تمر. تضع عبوة في الشارع. وتذهب بسلام. ثم نصحو على حريقٍ عراقيٍّ آخر. لانريد عراقاً آخر. لانريد الفتنة. إسرائيل واحدة، وهذا كافٍ!".
ابن الحاج هلال تمت ترقيته حديثاً، أثناء الحرب، ليصبح واحداً من حامية الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. يبدو شاباً وسيماً؛ حتى أن ذقناً له لم ينبت بعدُ. لايتكلم كثيراً. يقول عنه والده "إنه منضبط". وهو منضبط حدّ أنه لم ينبسْ طوال جلسة عشاء سوى بكلمتين أو ثلاث!. "صحة"... قال بعد أن أنهى عشاءه ومضى!. ابنه الآخر أقلّ انضباطاً، هذا هو السبب، حسبما يعلل والده، في أنه لا يزال في قوّات التعبئة. سيظلُّ على حاله، إلى أن يحفظ دروسه الحزبيّة جيداً.
وفي بيروت انتهت الحرب. النازحون عادوا إلى بلداتهم. الكهرباء قلّلت ساعات انقطاعها. الفنادق خلت من مرتاديها. صار سهلاً الحصول على موقف للسيارة. أضواء النيون في "السوليدير" عادت تبتسم في وجوه زوّارها. "ستاربكس" الحمراء أنهى حداده منذ يوم أمس الأول وعاد يقدم الـ"كوفي فريسكاتو" إلى الزبائن، لكن من دون إنترنت!. ثمة شيء آخر لم ينتهِ بعد: "الصواريخ النائمة". هل تنام الصواريخ؟. يضحك الحاج هلال، ويقول "تلك معركة أخرى". هنا على مقربة من بيته ينام أحدُها. اصطحبني ابنه على دراجته النارية لالتقاط صورة. وزنه 3 طن. لم يقدروا على فكّه حتى الآن. سيضطرون إلى تفجيره لو نفدت الطرق. معنى ذلك، يضيف واثقاً "أن تنهدّ معه 3 بنايات". متى تنتهي الصواريخ النائمة؟. ألم أقل لك، إنها معركة أخرى!.











20 اغسطس, 2006 01:15 م