
ستّة كيلومترات. الهدف النظيف لهذه الحرب. ماذا عن الأهداف غير النظيفة؟. أطِلْ أذنيك سنتيمتراً واحداً، وانصت إلى قعقعة الأسلحة المجنونة. ستة كيلومترات بالتّمام والكمال كافيةٌ لترويض الوحش. لماذا لا يعطونها لهم؟. لحظة: إنك تتحدث عن "هبة". والأوطان ليست ليرةً معدنيّة في جيب أمي أو أمّك. الأوطان رموز. والرموز لا تُوهب. تجيء من النسيان مرًّةً واحدة، وتصير مفتاح تشغيل الذاكرة أبدَ العمر. ما الحل إذن؟. ليس هذا وقت الحل، الرؤوس المُساقةُ إلى العجْن لا تُسألُ عن حل. تُسأل عن وصيّة. ماذا تظن أنها ستقول مثلاً؟. لا شيء، لا شيء، سوى تمتمة خفيفة.. ربما، قصيدة شعر.. ربما، أو ربما تكتفي بالصّمت احتراماً إلى مشهديّة الموت.
لنتعمّق أكثر. هل تعني أن ستة الكيلومترات هذه مسألةٌ مستحيلة؟. لاشيء مستحيلاً. إن كنتَ سياسياً فسيُقال لك إن السياسة فن الممكن. ومعنى ذلك، أن الاحتمالات مفتوحة على كل شيء، في حربٍ هي الأخرى مفتوحة. لكن إن كنت أخلاقياً، وما أصعب الأخلاق في هذه الأيام، فستكتفي بالجلوس على حافة نهر الليطاني لكتابة بعض المذكرات، قبل أن يُدرَجَ هذا الذي عشت عليه جزءاً من طفولتك في اتفاقيات "وقف الأعمال الحربية". هل دققت فيما قلت؟. ماذا؟ وقف الأعمال الحربية!. ما بها؟. كان يجب أن تسألني عن ذلك. السياسيون شطّار في اللغة. يحاربون على جبهتين، جبهة المكاسب على الأرض وجبهة اللغة. يقولون "وقف العمليات الحربية" ولا يقولون "وقف إطلاق النار". وما الفرق؟. الفرق أن الثانية تشمل الأولى بينما الأولى لا تشمل الثانية. لم أفهم!. اسمع، "وقف إطلاق النار" يعني أن تنتهي الحرب وينسحب القراصنة النهاريون من أماكنهم ومن المواقع التي هم فيها الآن. "وقف العمليات الحربية" يعني أن تنتهي الحرب فقط، ولاشيء بعدُ، غير أن تقفل دكانتك وتجفل عائداً وحيداً إلى البيت. تتكلم في السياسة؟. لا، أتكلم عن بلاغة أهل السياسة. هم شعراء أيضاً، وقد درسوا مثلك ومثلي عند عبدالقاهر الجرجاني؛ إنما لُعِنُوا بالبَلَه. ألم تسمع ما قاله دولة الرئيس فلان في مؤتمره الصحفي في عين التينة "صاروا يزايدون علينا حتى بالأدب العربي"!.
هل تقصد أن الذي يضغط زراً إلكترونياً يذهب على شرفِه عشرات القتلى، يمكن أن يكتب قصائد نثرٍ جميلة أو، في الأقل، يتذوقها؟. نعم، هذا الكلام الصّحّ. ألا ترى إلى الجحيم الذي يُنزله تباعاً على رؤوس قتلاه. إنه جحيم "دانتي"، لكنه أيضاً، مصدر إلهامِ الشعراء. ماذا سيكتب الشعراء، لو أن هذا الجحيم لم يكُن؟. ماذا سيقولون عن شجاعة فرسانهم وعن مِكَرٍّ مِفرٍَّ مُقبِلٍ مُدبرٍ معاً؟. أما قرأتَ محمود درويش يكتب: قتلاك وجرحاك فيك ذخيرةٌ؟. بلى!. إنه يقصد هذا الشيء تماماً. إن المذابح ذخيرةُ الشُّعراء. تبدأ الأمور محرقةً وتنتهي إلهاماً يعتاش عليه الشعراء وتُسَكُّ لأجله الاتفاقيات "البليغة". قمّة الوحشيّة.
***
قبل شهرين كنا نتحلق حول شاشات التلفاز الكبيرة. في المقاهي، في المسارح، في الحواري، في صالونات الحلاقة. وكانت "الأوتوسترادات" في بيروت تعجّ بأعلام المشجعين. وحسبما نقلت وكالات الأنباء، فإن بائع الخضار في شاتيلاّ قال: فرنسا. بائع المناقيش: ألمانيا. بائع الدُرة على الروشة: إيطاليا. موظفة الاستقبال في "الموفنبيك": البرازيل. خرجت البرازيل من دور الستة عشر، لكنها تصر على تشجيعها، لأن دزينةً من عائلتها يحملون الجنسية البرازيلية!. انتهى المونديال بفوز إيطاليا على فرنسا. الأمر نفسه يتكرر الآن. نتحلق حول شاشات التلفاز الكبيرة. في المقاهي، في المسارح، في الحواري، في صالونات الحلاقة. لكنها الحرب هذه المرّة. الكل يسأل عن الأخبار. نصلّي فقط من أجل رؤوس المدنيين. لا أحد يحب الحرب. الحرب أبشع آلةٍ ابتكرها الإنسان. وهي الآلة الوحيدة التي لم تتغير، منذ جدّنا آدم عليه السلام حتى حَفَظة اسم حفيده "سام".
نمسكُ بالريموت كونترول. المعارضون للمغامرات "غير المحسوبة" يضبطون التردّد على قناة "العربية". مرحباً بكم. هذه جيزيل خوري تحييكم وتأخذكم في ساعة حواريّة مع فلان الفلاني عضو الهيئة التنسيقية في تجمع 14 آذار. جيزيل لا تدير حواراً، بل تستحلب المواقف لما تتوق وتهوى استحلاباً. أما المؤيدون للمغامرات، المحسوبة منها وغير المحسوبة فيضبطون التردد على قناة "المنار". كيف لهذه الأخيرة أن تستمرّ في البث؟. الطائرات لم تبقِ هوائيّ إرسال واحد في لبنان من دون أن تُعمِّده حديداً وسفُّوداً!. لا أحد يدري، لكنها في جميع الأحوال ماتزال تبث. هناك إشاعة تقول: من مكانٍ ما في دمشق في سورية. لكنها غير مؤكدة وكل شيء إلى أن تضع الحرب أوزارها غير مؤكد. خطاب "المنار" خطاب تعبئة. "الجزيرة" مثلها، إنما بفارق حياديّ بسيط لا يكاد يُرى. اختلاف التردُّدات يُشبه اختلاف المواقف من الحرب. الحرب ساحةُ اقتتالِ الأخوة.
***
أخيراً، نطق السحَرَة المُسدّدون من (الله). اتفاق وشيك حول مسودّة قرار يجفّفُ عنفوان الحرب. ما هو الثمن؟. ستة الكيلومترات!. عدنا إلى نقطة الصفر. ما قصة الستة الكيلومترات هذه؟. قصّة هذه الحرب. والليطاني؟. عقدة القصة. هل كتب صاحبك مذكراته؟. من؟ شوقي بزيع؟. نعم، كتب "أغنيات حب على نهر الليطاني". بهذه السرعة؟. لا، كَتَبَها قبل هذه الحرب بكثير. لكنه، كما تبيّن لي الآن من هذه القيامة المتواصلة، كان يتوقع مجيء مثل هذه اللحظة؛ لذا بادر لإنجاز كُورس الذِّكريات. هل قال لك هو هذا؟. لا، لكنه ألمح إلى ذلك. أو، قل أنا أردتُ أن أفهم منه ذلك. وماذا بعد؟. لا بعد، مجرّد ستة كيلومترات ويقنعُ وحشُ السيّدِ الأبيضِ النبيل. أعطوها لهم. السؤال ليس هنا، السؤال: من يتجرّأ؟.











11 اغسطس, 2006 03:42 ص