
هو ذا نهر الليطاني. يلتف كالأفعى ويبعثُ خريراً واثقاً. من يصدق؟. قبل أسبوعين، كان جيش الدفاع الإسرائيلي، بعدّته وعتاده، يقاتل الوقت من أجل الوصول إلى هنا. هنا تحديداً، في النقطة التي أضع فوقها رجلي. ها أنذا أصل قبله، ومن دون طلقة رصاصٍ واحدة. لماذا لم يصبحوا صحافيين مثلي؟. لماذا فكروا في الأصعب؟. ألم يكن بوسعهم التفكير في الخيارات؟. مأزق الجيوش أنها لا تفكر. العقل، العقل. ما أضيق العقل وأوسع المعركة!. أرفعُ ماءً وأطيلُ النظر إليه. كم جنديٍّ حلم بهذه اللحظة. كم جنديٍّ مات من أجلها. كم جنرال حمل كاميرته "الديجيتال" من أجل التقاط صورةٍ تذكاريةٍ هنا، فعاد لزوجته فوق حمّالة.
الطائرات قصفت الجسر المؤدي إلى الضفة الأخرى، باتجاه الخيام وجديدة مرجعيون. عملنا حسابنا. استأجرنا سيارةً ذات دفع رباعي. الفكرة.. أن نخوض النهر. لم نحتج لذلك!. الجنوبيون أكثر دهاءً منا. وأسرع أيضاً. رصفوا جسراً رملياً لعبور السيارات. رصفوا جسراً آخر تحت الجسر لعبور الماء. أنابيب مفتوحة من الطرفين. ليس ثمة مشكلة إذن. الأنابيب لعبور الماء، والجسر لعبور السيارات. وها نحن نمرّ. نمر ببطأ. نلتقط الصّور التذكارية. ونكتب الدرس للجيوش!.
النبطية
على الخارطة التي نحملها، النبطية سابقة الليطاني. لماذا نسيناها؟. العَجَلة، العَجَلة. هذا هو الشارع الرئيس. صور الشيخ راغب حرب وعباس الموسوي وحسن نصر الله في أماكنها. الناس عادوا، ولا أثر للدّمار حتى الآن. لا تستعجل يومك. انعطف يميناً. هو ذا "حيّ البيّاض". انعطف شمالاً. هو ذا "حي الراهبات". بوسعك التخمين أن دانتي مرّ من هنا عندما همّ يكتب جحيمه. كتبه خيالاً، وجاء إخوةٌ له من غير أبٍ ليكتبوه ديالكتيكاً. ما أرقّ الاستعارة وأبشع الواقع!.
جاءت بثينة سعد الدين وزوجها من الإمارات لكي تتفقد منزلها: قصفوه. تقول معلقة: "نازيّون". علي عاصي يملك شركة للتجارة والخدمات العامة. هرب مع زوجته وأولاده مع اشتداد القصف. جاء من "المتْن" لكي يتفقد شقته: قصفوها. حال وصوله استقبله شباب من حزب الله. أحصوا معه الأضرار، وسلموه عشرة آلاف دولار. يقول "أحصوا حتى الأضرار البسيطة (...) وعدونا بأن يعوضونا عن كل شيء وأن يجهزوا الشقة خلال أسبوعين". يضيف "لست من مؤيدي حزب الله، لكنها المرة الأولى التي نجد أحداً يهتم بنا" حسب تعبيره. إبراهيم عطوي والد لأربعة أولاد وبنتين. هرب إلى "الجبل" وعاد مثل من عادوا، لكي يتفقد شقته: قصفوها. يقول رداً على سؤال "عشرة آلاف دولار مبلغ كافٍ". محمد المشورب يعمل إمام مسجد في "حيّ المشاع". هرب مع عائلته إلى "كفر رمان" وعاد لكي يتفقد شقته: قصفوها. هو ليس عضواً في حزب الله، لكنه حسبما يقول "أتعاطى مع الإخوة". يضيف "عوّضونا عن كل شيء، رغم أن ذلك من مهامّ الدولة" وفق تعبيره. الدمار والتعويضات. الرضا، الرضا. حكايةُ كلّ الناس هنا.
الخيام
في المخيلة، يحضر الخيام سجناً. سابقاً لـ"تأديب" المناضلين والآن للذكرى. جيش الدفاع بلا ذاكرة. أنى له أن يفهم أهمية الرمز عند شعب له ذاكرة: قصفوه. في الطريق إليه، ثمة مسجد صغير يقف وحيداً بين الأحراش: قصفوه. تقول امرأة من مواليد الخيام عادت تواً من الكويت "شفتو...!". أي، أرأيتم؟. أصرّت أن نشرب القهوة عندها. اعتذرنا بلطف. نبحث عن سجن الخيام.. قلنا. دلّنا شقيقها على الطريق. ها نحن أمامه وجهاً لوجه. في السابق كان هنا أدلاّء يروون الحكايات. الآن، لا يوجد أحد. هنالك صبيتان راحتا تلتقطان الصور التذكارية. شبيبة من الحزب القومي السوري الاجتماعي جاءوا مثلنا يتفقدون الموقع. تقول يافطة خرجت سالمة من القصف: اتجاه المعتقل. وفي الأسفل منها يمتد سهم باللون الأحمر معلماً على جهة الشمال. أين الطريق إلى الشمال؟. ضاعت كل الجهات. لم يتبق شيء غير رزم من الحجارة وآليات عسكرية معطوبة. غرفتان أو ثلاث خرجت سالمات. لقد أخطأها القصف. يحذرني عسكريٌّ من حزب الله "ممنوع المرور إلى الداخل.. ثمة بعض القذائف لم تنفجر بعد". يستدرك "لابأس من التقاط صورة". قبل ثلاثة أعوام، صورتُ هذا المكان كاملاً. لاحاجة لي لصور حديثة. لا، سأحتاجها لتسجيل الفروقات العشرة!. الإسرائيليون يفكرون في المحو، فيما أفكر أنا في الرسم.. في الأثر. هم لايأبهون للأثر، لأنهم يخجلون من تاريخهم هنا. بالنسبة إليّ، فأنا ليس لديّ ما أخشاه. أنا فقط، واحد من عشرات الآلاف الذين مروا من هنا، وكانوا شاهدين. خارج السجن، الأمر لا يختلف كثيراً. هل سبق أن شاهدتم بناية بالمقلوب؟. تعالوا إلى هنا، وشاهدوا. سيارة مركونة إلى جانب الرصيف. لم تفز بقذيفة!. خبر سعيد. لحظة، انظر من الأعلى: السقف مثقوب. لم يجيء ماسحو الأضرار حتى الآن. لماذا تأخروا؟. يلوي عباس من الحزب القومي السوري شفتيه، دون أن ينبس ببنت شفة!.
جديدة مرجعيون
أصبح لدينا أصدقاء. الحروب تغير عادات الناس. تجعلهم أكثر ألفة مع الغرباء. شبيبة من الحزب القومي السوري الاجتماعي. يتحدثون بحماسة عن الحزب. ليس حزباً طائفياً.. يقولون. ودرءاً للشبهة، يشددون على أن لا علاقة للحزب بسوريا؛ إنما بسوريا الكبرى التي تضم إليها فلسطين والأردن ولبنان وسوريا الحالية. عبروا بنا عبر طرق التفافية إلى مرجعيون. تحديداً إلى ساحة جديدة مرجعيون. الساحة تقع على تلة مبلّطة بالطوب الأحمر. أغلبية سكانها من المسيحيين. يمكن الوصول إليها من أربعة طرق. يتحدث نسر الذي قاتل خلال الحرب الأخيرة إلى جانب حزب الله "إلى هنا وصلت الدبابات الإسرائيلية". كنت أجلس هناك، يضيف مشيراً إلى غرفة مهدمة في بناية مجاورة. كم بقي الإسرائيليون هنا؟. سألته، فأجاب "ساعات". يتابع "كنا خمسة وعشرين مقاتلاً.. عشرة من الحزب القومي السوري الاجتماعي، وخمسة عشر من حزب الله (...) أعطبنا دبّابتين". على بعد مئات الأمتار فقط، تقع حدود فلسطين المحتلة. يمكن مشاهدة أضواء المستوطنات الإسرائيلية من هنا بوضوح. ضوء ينطفيء. لابد أن مستوطناً قد خلد إلى النوم. سألنا نسراً أن يدلّنا على ثكنة مرجعيون. هي ذي الثكنة. أشار ناحية الطريق بعد أن سرنا بالسيارة مسافة عشر دقائق. لم يُسمحْ لنا بالمرور أو، حتى التصوير للذكرى. هناك من مازال يخاف من الفضيحة!.
الناقورة
ما أجمل البحر. يبدو أشدّ زرقة من بحر بيروت. فقط لو أنه جاء في غير هذا الوقت. ليست مشكلة، المهم أنه جاء. انعدام دورة الحياة هنا في هذه الممرات الساحلية الملتوية يبعث على الخوف. نسير ببطء لئلاّ نخطيء الخطأ كله. لاحت بشرى، سيارة للأمم المتحدة. أول دليل على وجود حياةٍ هنا. لم تلبث وغابت في الأحراش. بعد ثلث ساعة لاحت سيارة أخرى. إنها تقترب. أيضاً للأمم المتحدة. نطمئن أنفسنا ونقول ضاحكين: نحن برسم المجتمع الدولي!. لاخوف علينا إذن. هنالك برج يظهر من بعيد مثل حبة فاصولياء. كلما اقتربنا منه يكبر. هذا سحر!. نكاد أن نصل إليه. في الأعلى رجل يرتدي خوذة زرقاء ويافطة بيضاء كتب عليها "يو إن" بالإنجليزية. هل الطريق سالكة؟. سألنا الحارس الأممي. تحدث بإنجليزية ركيكة وقال مامعناه إنه لايتقن الإنجليزية. كان فرنسياً. نعم، أجاب حارس أممي آخر. بدا من لهجته أنه مغاربي. على الشمال محطة بنزين لاتزال تعمل. عبأنا بنزيناً إضافياً تحوّطاً من الآتي. على اليمين يافطة زرقاء تقول "فلسطين". أما السهم فيشير إلى الأمام. على الشمال يافطة أخرى، زرقاء أيضاً، كتب عليها بالترتيب في شكل عموديّ "علما الشعب، يارين، عيتا الشعب، رميش، عين أبل، بنت جبيل". أما السهم فيشير إلى الشمال. إذن، هو ذا طريقنا. لكن، ماذا لو أننا سرنا إلى الأمام؟. إلى حدود فلسطين المحتلة. لنجرب. الموظف الأممي من فوق يقول "ممنوع". أشرنا إليه بما يعني إننا نريد التقاط صورة. قبل مجيئنا إلى هنا كنا قد وضعنا شريطاً لاصقاً على سيارتنا الإيجار يقول لمن يفهم إننا صحافيون: "تي في". فهم الرمز، وهزّ رأسه موافقاً. مشينا مسافة خمسمائة متر. هو ذا حاجز حدوديّ للجيش اللبناني. لكن أين الجيش؟. غرفة خالية، ودشم رملية مهجورة؛ إلا منا. من اليسار علامة خشبية تقول "احذر من وجود ألغام". على اليمين ليس ثمة غير البحر وغير زورق من البحرية الإسرائيلية يبعد عنا نحو أربعمائة متر. وقعنا في المصيدة. التقطنا صوراً سريعة ودلفنا عائدين. أزيز طائرة الـ"إم كا" يقترب. نغلق الراديو ونفتح النوافذ لنسمع أية إشارة تنبيه. إنه الموت، إنه الموت!.
علما الشعب
لم يحصل القصف في القرية الحدودية. بشرى سارّة. قذائف سهلة مرّت إلى بعض المباني. ثقبتها، ولكنها لم تدمّرْها. ما زالت صالحة إلى السكنى. يقول جمال درويش من الجمارك اللبنانية "إنها قرية مسيحية". يضيف "لم يهرب أحدٌ من هنا، بقوا محتمين في سرداب داخل كنيسة السيدة". لم يحصل القصف، لكن دبابة إسرائيلية ما تزال تقف متأهبة أعلى التلة المجاورة. يمكن مشاهدتها بوضوح عند النزول إلى الوادي باتجاه "يارين". يقول درويش الذي أقلّني معه في جولة سريعة "هذه من المناطق التي تم احتلالها خلال الحرب الأخيرة (...) ينتظرون القوات الأممية لينسحبوا". مصيدة أخرى. على اليمين مستوطنة "جردية" وعلى الشمال دبابة إسرائيلية. إنه الموت مرة أخرى!. هل بوسعي التقاط صورة لها؟. سألته، فقال "كما تشاء"، مستدركاًً "لكنني لا أضمن لك أن تسير الأمور على خير!". الأمر مثله في "يارين". لم يحصل القصف. قرية مسيحية أخرى.












