مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

الجنوب المستعصي (1-2)

ألفة الموت والعيش إلى جانب خلية الذئاب
 
 نهر الليطاني
 

هو ذا نهر الليطاني. يلتف كالأفعى ويبعثُ خريراً واثقاً. من يصدق؟. قبل أسبوعين، كان جيش الدفاع الإسرائيلي، بعدّته وعتاده، يقاتل الوقت من أجل الوصول إلى هنا. هنا تحديداً، في النقطة التي أضع فوقها رجلي. ها أنذا أصل قبله، ومن دون طلقة رصاصٍ واحدة. لماذا لم يصبحوا صحافيين مثلي؟. لماذا فكروا في الأصعب؟. ألم يكن بوسعهم التفكير في الخيارات؟. مأزق الجيوش أنها لا تفكر. العقل، العقل. ما أضيق العقل وأوسع المعركة!. أرفعُ ماءً وأطيلُ النظر إليه. كم جنديٍّ حلم بهذه اللحظة. كم جنديٍّ مات من أجلها. كم جنرال حمل كاميرته "الديجيتال" من أجل التقاط صورةٍ تذكاريةٍ هنا، فعاد لزوجته فوق حمّالة.

الطائرات قصفت الجسر المؤدي إلى الضفة الأخرى، باتجاه الخيام وجديدة مرجعيون. عملنا حسابنا. استأجرنا سيارةً ذات دفع رباعي. الفكرة.. أن نخوض النهر. لم نحتج لذلك!. الجنوبيون أكثر دهاءً منا. وأسرع أيضاً. رصفوا جسراً رملياً لعبور السيارات. رصفوا جسراً آخر تحت الجسر لعبور الماء. أنابيب مفتوحة من الطرفين. ليس ثمة مشكلة إذن. الأنابيب لعبور الماء، والجسر لعبور السيارات. وها نحن نمرّ. نمر ببطأ. نلتقط الصّور التذكارية. ونكتب الدرس للجيوش!.

 

النبطية

على الخارطة التي نحملها، النبطية سابقة الليطاني. لماذا نسيناها؟. العَجَلة، العَجَلة. هذا هو الشارع الرئيس. صور الشيخ راغب حرب وعباس الموسوي وحسن نصر الله في أماكنها. الناس عادوا، ولا أثر للدّمار حتى الآن. لا تستعجل يومك. انعطف يميناً. هو ذا "حيّ البيّاض". انعطف شمالاً. هو ذا "حي الراهبات". بوسعك التخمين أن دانتي مرّ من هنا عندما همّ يكتب جحيمه. كتبه خيالاً، وجاء إخوةٌ له من غير أبٍ ليكتبوه ديالكتيكاً. ما أرقّ الاستعارة وأبشع الواقع!.

جاءت بثينة سعد الدين وزوجها من الإمارات لكي تتفقد منزلها: قصفوه. تقول معلقة: "نازيّون". علي عاصي يملك شركة للتجارة والخدمات العامة. هرب مع زوجته وأولاده مع اشتداد القصف. جاء من "المتْن" لكي يتفقد شقته: قصفوها. حال وصوله استقبله شباب من حزب الله. أحصوا معه الأضرار، وسلموه عشرة آلاف دولار. يقول "أحصوا حتى الأضرار البسيطة (...) وعدونا بأن يعوضونا عن كل شيء وأن يجهزوا الشقة خلال أسبوعين". يضيف "لست من مؤيدي حزب الله، لكنها المرة الأولى التي نجد أحداً يهتم بنا" حسب تعبيره. إبراهيم عطوي والد لأربعة أولاد وبنتين. هرب إلى "الجبل" وعاد مثل من عادوا، لكي يتفقد شقته: قصفوها. يقول رداً على سؤال "عشرة آلاف دولار مبلغ كافٍ". محمد المشورب يعمل إمام مسجد في "حيّ المشاع". هرب مع عائلته إلى "كفر رمان" وعاد لكي يتفقد شقته: قصفوها. هو ليس عضواً في حزب الله، لكنه حسبما يقول "أتعاطى مع الإخوة". يضيف "عوّضونا عن كل شيء، رغم أن ذلك من مهامّ الدولة" وفق تعبيره. الدمار والتعويضات. الرضا، الرضا. حكايةُ كلّ الناس هنا.  

 

الخيام

في المخيلة، يحضر الخيام سجناً. سابقاً لـ"تأديب" المناضلين والآن للذكرى. جيش الدفاع بلا ذاكرة. أنى له أن يفهم أهمية الرمز عند شعب له ذاكرة: قصفوه. في الطريق إليه، ثمة مسجد صغير يقف وحيداً بين الأحراش: قصفوه. تقول امرأة من مواليد الخيام عادت تواً من الكويت "شفتو...!". أي، أرأيتم؟. أصرّت أن نشرب القهوة عندها. اعتذرنا بلطف. نبحث عن سجن الخيام.. قلنا. دلّنا شقيقها على الطريق. ها نحن أمامه وجهاً لوجه. في السابق كان هنا أدلاّء يروون الحكايات. الآن، لا يوجد أحد. هنالك صبيتان راحتا تلتقطان الصور التذكارية. شبيبة من الحزب القومي السوري الاجتماعي جاءوا مثلنا يتفقدون الموقع. تقول يافطة خرجت سالمة من القصف: اتجاه المعتقل. وفي الأسفل منها يمتد سهم باللون الأحمر معلماً على جهة الشمال. أين الطريق إلى الشمال؟. ضاعت كل الجهات. لم يتبق شيء غير رزم من الحجارة وآليات عسكرية معطوبة. غرفتان أو ثلاث خرجت سالمات. لقد أخطأها القصف. يحذرني عسكريٌّ من حزب الله "ممنوع المرور إلى الداخل.. ثمة بعض القذائف لم تنفجر بعد". يستدرك "لابأس من التقاط صورة". قبل ثلاثة أعوام، صورتُ هذا المكان كاملاً. لاحاجة لي لصور حديثة. لا، سأحتاجها لتسجيل الفروقات العشرة!. الإسرائيليون يفكرون في المحو، فيما أفكر أنا في الرسم.. في الأثر. هم لايأبهون للأثر، لأنهم يخجلون من تاريخهم هنا. بالنسبة إليّ، فأنا ليس لديّ ما أخشاه. أنا فقط، واحد من عشرات الآلاف الذين مروا من هنا، وكانوا شاهدين. خارج السجن، الأمر لا يختلف كثيراً. هل سبق أن شاهدتم بناية بالمقلوب؟. تعالوا إلى هنا، وشاهدوا. سيارة مركونة إلى جانب الرصيف. لم تفز بقذيفة!. خبر سعيد. لحظة، انظر من الأعلى: السقف مثقوب. لم يجيء ماسحو الأضرار حتى الآن. لماذا تأخروا؟. يلوي عباس من الحزب القومي السوري شفتيه، دون أن ينبس ببنت شفة!.

 

جديدة مرجعيون

أصبح لدينا أصدقاء. الحروب تغير عادات الناس. تجعلهم أكثر ألفة مع الغرباء. شبيبة من الحزب القومي السوري الاجتماعي. يتحدثون بحماسة عن الحزب. ليس حزباً طائفياً.. يقولون. ودرءاً للشبهة، يشددون على أن لا علاقة للحزب بسوريا؛ إنما بسوريا الكبرى التي تضم إليها فلسطين والأردن ولبنان وسوريا الحالية. عبروا بنا عبر طرق التفافية إلى مرجعيون. تحديداً إلى ساحة جديدة مرجعيون. الساحة تقع على تلة مبلّطة بالطوب الأحمر. أغلبية سكانها من المسيحيين. يمكن الوصول إليها من أربعة طرق. يتحدث نسر الذي قاتل خلال الحرب الأخيرة إلى جانب حزب الله "إلى هنا وصلت الدبابات الإسرائيلية". كنت أجلس هناك، يضيف مشيراً إلى غرفة مهدمة في بناية مجاورة. كم بقي الإسرائيليون هنا؟. سألته، فأجاب "ساعات". يتابع "كنا خمسة وعشرين مقاتلاً.. عشرة من الحزب القومي السوري الاجتماعي، وخمسة عشر من حزب الله (...) أعطبنا دبّابتين". على بعد مئات الأمتار فقط، تقع حدود فلسطين المحتلة. يمكن مشاهدة أضواء المستوطنات الإسرائيلية من هنا بوضوح. ضوء ينطفيء. لابد أن مستوطناً قد خلد إلى النوم. سألنا نسراً أن يدلّنا على ثكنة مرجعيون. هي ذي الثكنة. أشار ناحية الطريق بعد أن سرنا بالسيارة مسافة عشر دقائق. لم يُسمحْ لنا بالمرور أو، حتى التصوير للذكرى. هناك من مازال يخاف من الفضيحة!.

 

الناقورة

ما أجمل البحر. يبدو أشدّ زرقة من بحر بيروت. فقط لو أنه جاء في غير هذا الوقت. ليست مشكلة، المهم أنه جاء. انعدام دورة الحياة هنا في هذه الممرات الساحلية الملتوية يبعث على الخوف. نسير ببطء لئلاّ نخطيء الخطأ كله. لاحت بشرى، سيارة للأمم المتحدة. أول دليل على وجود حياةٍ هنا. لم تلبث وغابت في الأحراش. بعد ثلث ساعة لاحت سيارة أخرى. إنها تقترب. أيضاً للأمم المتحدة. نطمئن أنفسنا ونقول ضاحكين: نحن برسم المجتمع الدولي!. لاخوف علينا إذن. هنالك برج يظهر من بعيد مثل حبة فاصولياء. كلما اقتربنا منه يكبر. هذا سحر!. نكاد أن نصل إليه. في الأعلى رجل يرتدي خوذة زرقاء ويافطة بيضاء كتب عليها "يو إن" بالإنجليزية. هل الطريق سالكة؟. سألنا الحارس الأممي. تحدث بإنجليزية ركيكة وقال مامعناه إنه لايتقن الإنجليزية. كان فرنسياً. نعم، أجاب حارس أممي آخر. بدا من لهجته أنه مغاربي. على الشمال محطة بنزين لاتزال تعمل. عبأنا بنزيناً إضافياً تحوّطاً من الآتي. على اليمين يافطة زرقاء تقول "فلسطين". أما السهم فيشير إلى الأمام. على الشمال يافطة أخرى، زرقاء أيضاً، كتب عليها بالترتيب في شكل عموديّ "علما الشعب، يارين، عيتا الشعب، رميش، عين أبل، بنت جبيل". أما السهم فيشير إلى الشمال. إذن، هو ذا طريقنا. لكن، ماذا لو أننا سرنا إلى الأمام؟. إلى حدود فلسطين المحتلة. لنجرب. الموظف الأممي من فوق يقول "ممنوع". أشرنا إليه بما يعني إننا نريد التقاط صورة. قبل مجيئنا إلى هنا كنا قد وضعنا شريطاً لاصقاً على سيارتنا الإيجار يقول لمن يفهم إننا صحافيون: "تي في". فهم الرمز، وهزّ رأسه موافقاً. مشينا مسافة خمسمائة متر. هو ذا حاجز حدوديّ للجيش اللبناني. لكن أين الجيش؟. غرفة خالية، ودشم رملية مهجورة؛ إلا منا. من اليسار علامة خشبية تقول "احذر من وجود ألغام". على اليمين ليس ثمة غير البحر وغير زورق من البحرية الإسرائيلية يبعد عنا نحو أربعمائة متر. وقعنا في المصيدة. التقطنا صوراً سريعة ودلفنا عائدين. أزيز طائرة الـ"إم كا" يقترب. نغلق الراديو ونفتح النوافذ لنسمع أية إشارة تنبيه. إنه الموت، إنه الموت!.

 

علما الشعب

لم يحصل القصف في القرية الحدودية. بشرى سارّة. قذائف سهلة مرّت إلى بعض المباني. ثقبتها، ولكنها لم تدمّرْها. ما زالت صالحة إلى السكنى. يقول جمال درويش من الجمارك اللبنانية "إنها قرية مسيحية". يضيف "لم يهرب أحدٌ من هنا، بقوا محتمين في سرداب داخل كنيسة السيدة". لم يحصل القصف، لكن دبابة إسرائيلية ما تزال تقف متأهبة أعلى التلة المجاورة. يمكن مشاهدتها بوضوح عند النزول إلى الوادي باتجاه "يارين". يقول درويش الذي أقلّني معه في جولة سريعة "هذه من المناطق التي تم احتلالها خلال الحرب الأخيرة (...) ينتظرون القوات الأممية لينسحبوا". مصيدة أخرى. على اليمين مستوطنة "جردية" وعلى الشمال دبابة إسرائيلية. إنه الموت مرة أخرى!. هل بوسعي التقاط صورة لها؟. سألته، فقال "كما تشاء"، مستدركاًً "لكنني لا أضمن لك أن تسير الأمور على خير!". الأمر مثله في "يارين". لم يحصل القصف. قرية مسيحية أخرى.

 

"حيّ موسكو" و"الرفاق" و"فتى الملجأ الضاحك"

يذهب الشهداءُ إلى النوم فتسرقهم الأحزاب

  

...أمّا الحرب فقد انتهت. وحدها زفّةُ التوابيت لا تزالُ حاضرة. بارت آلةُ الموتِ وابتدأ الموتُ نفسُه. الموت في لبنان لا ينتهي. طوال تاريخه يبدأ. ينكفيء ربما، يأخذ قسطاً من الراحة، لكنه لا ينفكّ يبدأ. وفي لبنان، الموت موتان، واحدٌ يأتي على هيئة خبر في بيانات الأحزاب التي تُرسل إلى أجهزة الإعلام، وثانٍ يأتي على هيئة جنازة. وكل ضحيةٍ لابدّ لها أن تقطع هاتين المرحلتين، لكي تكمل موتها.

من ماتوا في بداية الحرب أو، في أواسطها أو، في نهايتها، الآن فقط يجدون المتسع لكي يكملوا موتهم الثاني، ويناموا بسلام. قبل ذلك كانوا في الثلاّجات، في القوارير الحافظة، تحت الدُّشم المعطوبة، وكان الخبرُ يأتي على هيئة شريط متحرك أسفل شاشات التلفزيون: مصرع اثنين وعشرين مدنياً لبنانياً في مجزرة إسرائيلية في "مروحين". ثمانية عشر في "الشياح". اثنين وثلاثين في "البقاع". تسعة وعشرين في "صريفا". خمسين في "قانا". ثلاثين في "بنت جبيل".

لكن الخبر، الآن، يأتي هكذا: تشييع ثلاثين مدنياً كانوا قد قضوا في مجزرة في "مروحين" في بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان. وقس على ذلك. الفضائيّات التي لم تقف مع "المغامرات غير المحسوبة" تستبدل "العدوان الإسرائيلي" بكلمة أخرى: "الحرب الإسرائيلية". هكذا تكتب الأشرطةُ سيرةَ الموت، وتظلُّ تتحرّك!.

ومن "مار إلياس" من أمام مبنى "اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني"، كانت خطّتنا: أن نسير مع شبيبة الحزب الشيوعي اللبناني في موكب عزاء إلى "صريفا" في الجنوب. الهدف؟. حضور تشييع جنائز تسعة وعشرين شهيداً. تقول نعمة بدر الدين من شبيبة الاتحاد الديمقراطي "لنا منهم سبعة رفاق قضوا شهداء في غارة إسرائيلية أثناء تأديتهم نوبة حراسة". و"لنا" هذه دالّةٌ على هويّة، وهي تعني أن السبعة الشهداء هؤلاء ينتمون تنظيمياً إلى الحزب الشيوعي.

كان الحزب الشيوعي اللبناني قد أعطى تعليمات لمقاتليه، بعد مرور أسبوع من العدوان الإسرائيلي على لبنان، بالانخراط في المقاومة. وهو ماحدث في محاور صريفا وبنت جبيل وصور. أما الحصيلة فاثنا عشر شهيد، يفتخر بهم الشيوعيون هنا، ويعدونهم عنواناً على الاستبسال وتماسّاً مع أيديولوجيّتهم الثورية. ويتحدث نائب الأمين العام للحزب الشيوعي سعد الله مزرعاني بفخر عن "الرفاق الذين تصدّوا للإنزال الإسرائيلي في محور بنت جبيل".

لم يكن السيرُ في موكب سيارات ترفرف من نوافذها أعلامٌ تنتهي أطرافها بمطرقة ومنجل سهلاً. فعند محور صور ظهرت المشكلة. سائق الباص اللبناني يرفض أن يمرّ من صور ما لم يتم استبدال أعلام الحزب الشيوعي بأعلام الدولة اللبنانية. رفض الشبيبة ذلك.  لم يفلح عرضُ زيادةِ أجرة التوصيل في إثناء السائق عن موقفه. ماذا نفعل؟.

 تالياًً سيتدخّلُ أنور ياسين الأسير اللبناني السابق في السجون الإسرائيلية والذي خرج في صفقة تبادل للأسرى عام 2002، في تهدئة هواجس السائق. سار الباص ثانيةً.. الأعلامُ نفسُها.

ومن صور التي كانت مسرحاً لعدة غارات وإنزال واحد على الأقل، ستبدأ رائحة الدم المجفف أو الذي لم يجفّ بعدُ، في الإنباء عما جرى هنا قبل أسبوع واحد فقط. كثيرون ارتدوا الكمّامات، أما من لم يحسب حسابه، مثلي وغيري كثيرون، فلا عزاء له.

كانت محطتنا الأولى، بعد رحلة سير استغرقت ساعة وربع، هي "البازورية" مسقط رأس الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. تذكّرني نعمة حتى لا أنسى بأن "لدينا رفيقين قضيا هنا، محمد بسما ومحسن جفال".

كان الشهيدان قد سقطا في اليوم الخامس للعدوان في أعقاب غارة على صالة للأفراح كان يختبيء فيها نحو اثنين وتسعين شخصاً. وحسبما كتب ثائر غندور نقلاً عن الناجين "إنهما (الشهيدان) كانا يحضّران برنامجاً ترفيهياً لأطفال الملجأ (...) لم يُنجَز البرنامج، طال الصاروخ فتى الملجأ الضاحك (وهذه تسمية أطلقها أطفال الملجأ على محمد بسما)". وفي بيت بسما، بدا والدُ الشهيد محتسباً. قال ونحن نخفّ ذاهبين "هذه ضريبة المعركة مع المشروع الأميركي/ الصهيوني".

الساعة تمام الخامسة عصراً. نحن على مشارف بلدة "صريفا". هو ذا حيّ موسكو، اسم رددته نعمة على مسامعي طيلة الطريق. أعلام الحزب الشيوعي وصور تشي غيفارا وجورج حاوي وأنور ياسين تزين الجدران؛ حتى تلك المدكُوكة والمُهدّمة. لاحظرَ على المطرقة والمنجل هنا. أما حصيلة الخسائر، فهي 42 شهيداً و312 منزلاً مدمراً تدميراً كاملاً.

وفي ساحة قبالة إحدى الحسينيات في البلدة كانت النعوش تتدفق. هذه هي المحطة الثانية من الموت. بين دقيقة وأخرى تعلو أصواتُ سيّارات الإسعاف. شهداء من الحزب الشيوعي، شهداء من حركة أمل. شهداء من حزب الله. لكل شهيد علمه. ولكل علم سيّاراتُه. سيارات حزب الله تبث آيات القرآن، وسيارات أمل والحزب الشيوعي تبث الموسيقى الثورية. ما أفظع الموت!.

انطلق المشيّعون. النعوش إلى الأعلى وحباتُ الأرز إلى تحت. من بعيد يبدو المشيّعون واحداً. من قريب، نعش لكل حزب أو، قل حزبٌ لكلِّ نعش. بعض النعوش صغيرة. صغيرة جداً. معنى ذلك أنها لأطفال. لماذا لفّوها بالأحزاب؟. من يدري!.

وفي وادي خفيض أودع أهل صريفا شهداءهم. تقول امرأة عن شهيدها، وهي تبكي "كان ينتظرُ سمير القنطار". ترد عليها أخرى "سيزورُه القنطارُ هنا". يصرخ رجل مشدداً "محمد إلى جانب وسام". يعني أنهما أخوان ولابد من دفنهما جوار بعض. آخرٌ من أمل يصرخ "ضع العلم معه". أي ضع علم الحركة مع الشهيد في القبر. تنتهي الجَلَبَة. ينام الشهداء بعد أن أكملوا موتهم. الآن فقط. متى ستنام الأحزاب؟.

ليلة الـ"إم كا" و"الحاج هلال" و"الضاحية الجنوبية"

بيروت... من قريب ومن بعيد
 
شارع عباس الموسوي، الضاحية الجنوبية، 20 أغسطس/ آب 2006 

 
...إذن، هي ذي بيروت. قبل أسبوع كنا نسمع عنها. نبحث عنها في الفضائيات، في أجهزة الراديو، في الصحف، في روايات ربيع جابر. الآن نراها. كم كانت بعيدة!. الآن، هي قريبة. قريبة جداً. معنا في غرفة الـ"ماي فير". في مبنى اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني بـ"مار إلياس". في فاهيتا "بربر". في كمامات الهواء على أنوف العائدين إلى الضاحية الجنوبية. في كل شيء. قبل أسبوع كانت بيروت صورة فقط. لكنها الآن صورة بصفة: حيّة. بلا رتوش، بلا إطارات خشبية ولا تحسينات بـ"الأدوبي فوتو شوب". كم هي ضئيلة الصور من بعيد. كم هي كاذبة!.

من اعتاد على أن يطل على بيروت من جهة ساحة الشهداء أو الأشرفية أو ساحة رياض الصلح أو فروع الـ"ستاربكس" أو كورنيش الروشة أو الحمراء أو شارع مونو، ليطمئن... كل الأشياء في مكانها. المباني الفخيمة والواجهات الزجاجية وأضواء النيون الأثيرية، كلها على ما يرام. اللهم عدا مونو، الذي بدا مثل قرية أشباح. ليس بسبب الدمار النازل، إنما لشحّة السوّاح وطالبي "ليالي الأنس". لكن من اعتاد على أن يطلّ عليها من جهة الضاحية الجنوبية، فإن عليه أن يكتم أنفاسه جيداً. كأن زلزالاً بمقياس كذا مائة درجة مرّ من هنا.

كل الأشياء تستطيع أن تراها، لكن بواسطة فعل "كان". هنا كان "سنترال" فضل الله. هنا كان شارع الشيخ راغب حرب. هنا كان شارع السيد عباس الموسوي. هنا كان مطعم الخيام. هنا محل حلاقة كنت قد اعتدت على حلاقة شعري فيه هروباً من أسعار حلاقي الحمراء النارية. هنا كانت "أم حسن"، بوّابة بناية شارع حاطوم في برج البراجنة تجلس مع نساء الحيّ عصر كل يوم. هنا كانت شقة الشيخ نجيب الذي لم يأَس على شيء قدر أساه على كتبه التي ضاعت. يقول "إنها نادرة ولايمكن العثور عليها في مكان".

 وحده بيت الحاج هلال في ساحة الغبيري ظل واقفاً، رغم أن قذيفة مرّت إلى البيت الذي يقع في ظهره فحوّلته إلى أطلال ذكرى. والحاج هلال هذا اسم مستعار لواحدٍ من أهالي الضاحية غير المعجبين بحزب الله. لكنها إسرائيل!. يقول لي، مبرراً قبوله الإشراف على نقطة أمنية في الضاحية حال طلب منه الحزب ذلك. يضيف "أجبتهم.. إسرائيل نعم، أما أن يقتل الشيعي الشيعي أو، اللبناني اللبناني فلا!".

قضينا نوبة ليلية معاً. كان تحت إمرته عشرة مسلحين من قوات التعبئة في حزب الله يختفون في الظلام الدامس. هي ذي المرة الأولى التي أرى فيها وجوداً مسلحاً في الضاحية. فرغم قرار الهدنة الذي وضع حداً للحرب (حتى الآن لايزال حداً سائلاً!)، إلا أن الإجراءات الأمنية هنا، هي هي نفسها، كما لو أن الحرب لم تبرح قائمة. هسهسة خفيفة في الشارع الجانبي كافية لأن ينفضّ حرّاس النوبة يميناً وشمالاً. ولن يعودوا إلا بعد معرفة مصدرها. طائرات الاستطلاع (إم كا) لاتفارق السماء، لكن ما يخشاه الحاج هلال"السيارات المفخخة... ومن الفتنة!". ماذا تقصد؟. سألته فأجاب "سيارة تمر. تضع عبوة في الشارع. وتذهب بسلام. ثم نصحو على حريقٍ عراقيٍّ آخر. لانريد عراقاً آخر. لانريد الفتنة. إسرائيل واحدة، وهذا كافٍ!".

ابن الحاج هلال تمت ترقيته حديثاً، أثناء الحرب، ليصبح واحداً من حامية الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. يبدو شاباً وسيماً؛ حتى أن ذقناً له لم ينبت بعدُ. لايتكلم كثيراً. يقول عنه والده "إنه منضبط". وهو منضبط حدّ أنه لم ينبسْ طوال جلسة عشاء سوى بكلمتين أو ثلاث!. "صحة"... قال بعد أن أنهى عشاءه ومضى!. ابنه الآخر أقلّ انضباطاً، هذا هو السبب، حسبما يعلل والده، في أنه لا يزال في قوّات التعبئة. سيظلُّ على حاله، إلى أن يحفظ دروسه الحزبيّة جيداً.

وفي بيروت انتهت الحرب. النازحون عادوا إلى بلداتهم. الكهرباء قلّلت ساعات انقطاعها. الفنادق خلت من مرتاديها. صار سهلاً الحصول على موقف للسيارة. أضواء النيون في "السوليدير" عادت تبتسم في وجوه زوّارها. "ستاربكس" الحمراء أنهى حداده منذ يوم أمس الأول وعاد يقدم الـ"كوفي فريسكاتو" إلى الزبائن، لكن من دون إنترنت!. ثمة شيء آخر لم ينتهِ بعد: "الصواريخ النائمة". هل تنام الصواريخ؟. يضحك الحاج هلال، ويقول "تلك معركة أخرى". هنا على مقربة من بيته ينام أحدُها. اصطحبني ابنه على دراجته النارية لالتقاط صورة. وزنه 3 طن. لم يقدروا على فكّه حتى الآن. سيضطرون إلى تفجيره لو نفدت الطرق. معنى ذلك، يضيف واثقاً "أن تنهدّ معه 3 بنايات". متى تنتهي الصواريخ النائمة؟. ألم أقل لك، إنها معركة أخرى!.

  

أخيراً... قرار أمميّ

كلهم رفعوا القبعات.. دخلوا المستنقع
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  
 
...الآن فقط، يمكننا أن نرفع القبعات، لا احتراماً لأحد؛ إنما لكي نُرَوّح عن أنفسنا. لقد صدر القرار. ليس مهماً ما يكون. المهم أنه صَدَر. المهم أنّ خطاً سياسياً أو، الصّحّ خطوطاً سياسية، أفلحت في الوصول إلى نقطة. تبّاً لها من نقطة. إنها كبيرة إلى الحد الذي احتجنا معها إلى شهرٍ كامل، عَضّ أصابعٍ وكتْمةَ أنفاس، حتى نُؤمّن طريقاً سالكاً إليها. هل تقصف إسرائيل الطريق إلى النقاط؟. من يدري، قالوا إنها ضربت الطرقَ إلى دمشق، من جهة "شتيتيه" وجهة "طرابلس" و"المصنع"، لكن أحداً لم يقل، إنها كانت تضرب، طوال هذا الشهر، الطريق إلى النقطة.

نقول ذلك حتى يكون الجميع في الصورة. يكونوا في الخلاصة التي هي في منزلة الجوهر من هذه الحرب، بل وكل حرب. إن قصف الطرق مقدمة إلى شيء آخر أهم: تحسين شروط النقطة. وها قد صدرت النقطة مُحسّنةً بالإجماع. وضع السادةُ البيض، سدنةُ الحضارة الحديثة ومعهم التابعون وتابعو التابعين، عليها نمرةً شبيهة بتلك التي تُعلّقُ على أقمصة المساجين، حتى لا يختلطوا ببعض ولتسهيل إدارة إخضاعهم (1701).

ومنذ الآن سيتوجب علينا أن نضع نمرةً مثل هذه على أقمصتنا، سمّها ياقة قميص، حتى نعرف أن الواقع على الأرض ما قبل هذه النمرة ليس هو نفسه ما بعدها. إن للنمراتِ بلاغةً أكثر من تلك التي تجري على لسان نبيٍّ أو ساحر.

منذ 1947 والسادة البيض، سدنة الحضارة الحديثة يضعون نقاطاً بنمرات. كثيرٌ منها أصابنا. قليلٌ منها غيّرَنا. نحن لا نتغير. تماماً مثل خشب الساج. يمرّ علينا الزمان ببطء. لا يترك علينا رسماً ولا أثراً. يريد العالم الحر أن يغيّرنا. يمدننا، يجعلنا شعوباً "موديرن". ننام مع "القطط ذات الفرو"، ونقرأ قصصاً بوليسية في محطات "الميترو"، ونوقّت مواعيدَنا "بالدقيقة". لم يطلب منه أحد مساعدتنا، لكنه يقوم بمهمة الرسول. وفي العالم الحر، أي ليس عندنا فقط، هناك كثيرٌ من الرسل. في أميركا وحدها، هناك إدارة كاملة مشكّلة من رزمة رسل ومخلّصين وورثة أنبياء. وهؤلاء، قاوموا حتى الرمق الأخير فداء تأخير صدور النقطة. وحتى لا يُساءُ فهمهم، وهم دائماً ما يُساء فهمهم، إنهم أخّروها من منطلق أخلاقي حتى تجيء النقطة لصالحنا. وها قد فعلوا!.

تبدأ النقطة أو، القرار الأممي بفقرة تمهيدية. لا، اثنتين. لا، ثلاث. لا، عشر. تعقبها مباشرة تسع عشرة فقرة تنفيذية. وبتطبيق مبدأ الجمع في الرياضيات البسيطة، فإننا في الحاصل، أمام تسع وعشرين فقرة ما بين تمهيدية وتنفيذية. فقرة واحدة نظير كل يوم حرب. وكلها لصالحنا. صحيحٌ أنها لا تطالب إسرائيل بوقف (فوري) للعمليات الحربية، لكنها على الأقل تطالبنا (نحن). وصحيحٌ أنها لا تنصّ على تسليم الأسرى (عندهم)، لكنها، وأيضاً على الأقل، تنصُّ على تسليم الأسرى (عندنا). نحن الأشدّ بأساً وضراوةً وشكيمة؛ لذا فإن ترويض وحشنا كفيلٌ بإرسال إشارة الألفة إلى الوحوش الأخرى. الألفة الألفة. ذلك أقصى ما في الأمر من سر، وعلى العادي تدورُ الدوائر!.

شكراً للسادة الأمميين. سكبوا حبراً وفيراً في معركة النقطة. وقبلهم، كان على اللبنانيين أن يسكبوا الدم الوفير. وما من تناقض في ذلك، ألبتة. الدم لأجل الحبر والحبر لأجل النقطة. ألم يقل كلاوزفيتز "الحرب ممارسة للسياسة بوسائل أخرى"؟. قالها ومشى، لكننا نعرف الآن أن ذلك هو الشيء الجوهري الوحيد في هذه الهيولى القائمة. تتّسع ثوب الحرب حين تضيق السياسة، وتتسع ثوب السياسة حين تضيق الحرب. والاثنتان لابد أن تُفضيا إلى نقطة. من دون ذلك، تصبح الحرب عدميةً. وليست هناك عدميّة في الحروب، رغم أن الآثار التي تخلفها على الحرث والنسْل إلى العدميّة أقرب.

... الآن، وقد بلغنا، بعد شقّ الأنفس، إلى النقطة، ماذا يمكننا أن نقول؟. لن نقول شيئاً. الإسرائيليون قالوا إنهم سيردّون اليوم. اللبنانيون ردّوا أمس. ومنهم طلال سلمان، قال في "السفير" : "إن القرار لبى الحد الأدنى من مطالب اللبنانيين". كلها أيام ونبدأ في الجرْد الدقيق للضرائب. ما خسرنا فيه وما ربحنا. من مات ومن لم يمت. ما تهدّم وما بقي سالماً. من باع ومن لم يبع. من حمل الجرّة ومن كسرها. من عاوَنَ ومن داهَن. من قال لا في وجه من قالوا نعم. تلك الحروب نداولها بين الناس!.

ترويض الوحش

إلى اليسار، شوقي بزيع، بيروت- الحمراء 2005

      إهداء.. إلى الصديق الشاعر شوقي بزيع، فقد دزينةً من عائلته في هذه الحرب المجنونة.

ستّة كيلومترات. الهدف النظيف لهذه الحرب. ماذا عن الأهداف غير النظيفة؟. أطِلْ أذنيك سنتيمتراً واحداً، وانصت إلى قعقعة الأسلحة المجنونة. ستة كيلومترات بالتّمام والكمال كافيةٌ لترويض الوحش. لماذا لا يعطونها لهم؟. لحظة: إنك تتحدث عن "هبة". والأوطان ليست ليرةً معدنيّة في جيب أمي أو أمّك. الأوطان رموز. والرموز لا تُوهب. تجيء من النسيان مرًّةً واحدة، وتصير مفتاح تشغيل الذاكرة أبدَ العمر. ما الحل إذن؟. ليس هذا وقت الحل، الرؤوس المُساقةُ إلى العجْن لا تُسألُ عن حل. تُسأل عن وصيّة. ماذا تظن أنها ستقول مثلاً؟. لا شيء، لا شيء، سوى تمتمة خفيفة.. ربما، قصيدة شعر.. ربما، أو ربما تكتفي بالصّمت احتراماً إلى مشهديّة الموت.

لنتعمّق أكثر. هل تعني أن ستة الكيلومترات هذه مسألةٌ مستحيلة؟. لاشيء مستحيلاً. إن كنتَ سياسياً فسيُقال لك إن السياسة فن الممكن. ومعنى ذلك، أن الاحتمالات مفتوحة على كل شيء، في حربٍ هي الأخرى مفتوحة. لكن إن كنت أخلاقياً، وما أصعب الأخلاق في هذه الأيام، فستكتفي  بالجلوس على حافة نهر الليطاني لكتابة بعض المذكرات، قبل أن يُدرَجَ هذا الذي عشت عليه جزءاً من طفولتك في اتفاقيات "وقف الأعمال الحربية". هل دققت فيما قلت؟. ماذا؟ وقف الأعمال الحربية!. ما بها؟. كان يجب أن تسألني عن ذلك. السياسيون شطّار في اللغة. يحاربون على جبهتين، جبهة المكاسب على الأرض وجبهة اللغة. يقولون "وقف العمليات الحربية" ولا يقولون "وقف إطلاق النار". وما الفرق؟. الفرق أن الثانية تشمل الأولى بينما الأولى لا تشمل الثانية. لم أفهم!. اسمع، "وقف إطلاق النار" يعني أن تنتهي الحرب وينسحب القراصنة النهاريون من أماكنهم ومن المواقع التي هم فيها الآن. "وقف العمليات الحربية" يعني أن تنتهي الحرب فقط، ولاشيء بعدُ، غير أن تقفل دكانتك وتجفل عائداً وحيداً إلى البيت. تتكلم في السياسة؟. لا، أتكلم عن بلاغة أهل السياسة. هم شعراء أيضاً، وقد درسوا مثلك ومثلي عند عبدالقاهر الجرجاني؛ إنما لُعِنُوا بالبَلَه. ألم تسمع ما قاله دولة الرئيس فلان في مؤتمره الصحفي في عين التينة "صاروا يزايدون علينا حتى بالأدب العربي"!.

هل تقصد أن الذي يضغط زراً إلكترونياً يذهب على شرفِه عشرات القتلى، يمكن أن يكتب قصائد نثرٍ جميلة أو، في الأقل، يتذوقها؟. نعم، هذا الكلام الصّحّ. ألا ترى إلى الجحيم الذي يُنزله تباعاً على رؤوس قتلاه. إنه جحيم "دانتي"، لكنه أيضاً، مصدر إلهامِ الشعراء. ماذا سيكتب الشعراء، لو أن هذا الجحيم لم يكُن؟. ماذا سيقولون عن شجاعة فرسانهم وعن مِكَرٍّ مِفرٍَّ مُقبِلٍ مُدبرٍ معاً؟. أما قرأتَ محمود درويش يكتب: قتلاك وجرحاك فيك ذخيرةٌ؟. بلى!. إنه يقصد هذا الشيء تماماً. إن المذابح ذخيرةُ الشُّعراء. تبدأ الأمور محرقةً وتنتهي إلهاماً يعتاش عليه الشعراء وتُسَكُّ لأجله الاتفاقيات "البليغة". قمّة الوحشيّة.

***

قبل شهرين كنا نتحلق حول شاشات التلفاز الكبيرة. في المقاهي، في المسارح، في الحواري، في صالونات الحلاقة. وكانت "الأوتوسترادات" في بيروت تعجّ بأعلام المشجعين. وحسبما نقلت وكالات الأنباء، فإن بائع الخضار في شاتيلاّ قال: فرنسا. بائع المناقيش: ألمانيا. بائع الدُرة على الروشة: إيطاليا. موظفة الاستقبال في "الموفنبيك": البرازيل. خرجت البرازيل من دور الستة عشر، لكنها تصر على تشجيعها، لأن دزينةً من عائلتها يحملون الجنسية البرازيلية!. انتهى المونديال بفوز إيطاليا على فرنسا. الأمر نفسه يتكرر الآن. نتحلق حول شاشات التلفاز الكبيرة. في المقاهي، في المسارح، في الحواري، في صالونات الحلاقة. لكنها الحرب هذه المرّة. الكل يسأل عن الأخبار. نصلّي فقط من أجل رؤوس المدنيين. لا أحد يحب الحرب. الحرب أبشع آلةٍ ابتكرها الإنسان. وهي الآلة الوحيدة التي لم تتغير، منذ جدّنا آدم عليه السلام حتى حَفَظة اسم حفيده "سام".

نمسكُ بالريموت كونترول. المعارضون للمغامرات "غير المحسوبة" يضبطون التردّد على قناة "العربية". مرحباً بكم. هذه جيزيل خوري تحييكم وتأخذكم في ساعة حواريّة مع فلان الفلاني عضو الهيئة التنسيقية في تجمع 14 آذار. جيزيل لا تدير حواراً، بل تستحلب المواقف لما تتوق وتهوى استحلاباً. أما المؤيدون للمغامرات، المحسوبة منها وغير المحسوبة فيضبطون التردد على قناة "المنار". كيف لهذه الأخيرة أن تستمرّ في البث؟. الطائرات لم تبقِ هوائيّ إرسال واحد في لبنان من دون أن تُعمِّده حديداً وسفُّوداً!. لا أحد يدري، لكنها في جميع الأحوال ماتزال تبث. هناك إشاعة تقول: من مكانٍ ما في دمشق في سورية. لكنها غير مؤكدة وكل شيء إلى أن تضع الحرب أوزارها غير مؤكد. خطاب "المنار" خطاب تعبئة. "الجزيرة" مثلها، إنما بفارق حياديّ بسيط لا يكاد يُرى. اختلاف التردُّدات يُشبه اختلاف المواقف من الحرب. الحرب ساحةُ اقتتالِ الأخوة.

***

أخيراً، نطق السحَرَة المُسدّدون من (الله). اتفاق وشيك حول مسودّة قرار يجفّفُ عنفوان الحرب. ما هو الثمن؟. ستة الكيلومترات!. عدنا إلى نقطة الصفر. ما قصة الستة الكيلومترات هذه؟. قصّة هذه الحرب. والليطاني؟. عقدة القصة. هل كتب صاحبك مذكراته؟. من؟ شوقي بزيع؟. نعم، كتب "أغنيات حب على نهر الليطاني". بهذه السرعة؟. لا، كَتَبَها قبل هذه الحرب بكثير. لكنه، كما تبيّن لي الآن من هذه القيامة المتواصلة، كان يتوقع مجيء مثل هذه اللحظة؛ لذا بادر لإنجاز كُورس الذِّكريات. هل قال لك هو هذا؟. لا، لكنه ألمح إلى ذلك. أو، قل أنا أردتُ أن أفهم منه ذلك. وماذا بعد؟. لا بعد، مجرّد ستة كيلومترات ويقنعُ وحشُ السيّدِ الأبيضِ النبيل. أعطوها لهم. السؤال ليس هنا، السؤال: من يتجرّأ؟.

حسين مرهون، ترويض الوحش، صحيفة "الوقت"، العدد171 الخميس 16 رجب 1427 هـ - 10 أغسطس/ آب 2006 ].

ملليمتر حليب

إهداء.. إلى أطفال لبنان وفلسطين

من يشرب الحليب؟. أطفالٌ كثيرون. نعطي مَن ونستثني مَن!. أطفال نازحون. في الحدائق، في المدارس، في الجامعات، في بنايات كانت البلدية، قبل شهرين فقط، وضعت عليها ملصقاً يشير إلى أنها تحت رسْم الهدم. ليست المشكلة في الأموات، يصيح عامل الإغاثة، إنما في الأحياء أيضاً. كيف ندير حياة الأحياء، هذا هو السؤال!. الأموات ماتوا، سوف نبكي عليهم، نشحن مندبةً، لكن الأحياء... الله الله في الأحياء. يقول ربيع جابر: إن وكالات الإغاثة وزّعَت حليباً مجففاً وسيريلاك. حقاً؟. لكن المشكلة ليست هنا. أين؟ في المرض. ماذا نفعل؟. لا تفعلْ شيئاً، اضبط الحصّة على مائة ملليمتر، واترك الباقي على من سيأتون بعدنا. هل ثمة من سيأتي بعدنا؟. لا أدري، ولكن أسرع، الطائرات فوق.

هناك مشكلة أخرى. ماذا؟ الحليب ينفد!. اضبطه على خمسين ملليمتر. لن يقهر جوع الأطفال. اسمع، نحن لا نقهر الجوع، نحن نحيّدُه. الجوع قاتل، ووظيفتنا هي تقليل عدوانيّته، لا إلغاءَها. تبدو مستسلماً؟. لا، أحاول أن أكون واقعياً، لا أكثر ولا أقل. افعل ما أقوله لك، ووفّر الثرثرة لنفسك. وَعَدُونا بخطّ تموينٍ آخر، لكنّ المذياع يقول إنهم أغاروا على شاحنات في الطريق. كيف؟. الفرنسيون وَعَدُوا بممرّ إنسانيّ آمن!. تبخّر الوعد، وكل شيءٍ في الحروب قابلٌ لأن يتبخّر. كلامٌ يمحو كلاماً، وطائرات القنْص "فوق" أصدقُ أنباءً من الكتبِ.

هل صحيح أن الإيرانيين مُنِعُوا من إرسال المساعدات؟. نعم، إنهم لايريدون منْح الإيرانيين فرصة العودة ثانيةً إلى لبنان. هل الإيرانيون يدخلون إلى لبنان بواسطة الحليب؟. لا أدري، أنا لا أفهم في السياسة، ولكن هكذا يقولون. ويقولون أيضاً، إنهم يُهرّبون أسلحةً ومقاتلين "فدائيين" في عُلب الحليب المُجفّف. ألم تسمع عن دهاء "الفرس"؟. عليهم حِيَلٌ... حتى أنهم يذبحون الجمل بقطنة!. احفظ هذا الدرس جيدا، وعُدْ إلى عملك. ألم أقل لك أن توفر الثرثرة!. إنني أحاول أن أفهم ما يجري ليس إلاّ. ليس لدينا وقتٌ يا صاح، علينا أن ننجز المهمّة والعودة بسرعة. لم أنت مستعجلٌ هكذا؟. بعد دقيقةٍ ينتهي كل شيء ونصبح "عاطلين" عن العمل. إذن، اضبطِ الحصّة على ملليمتر واحد!. 

 

 
 
[ نص: حسين مرهون & تصوير: حسين المحروس، ملليمتر حليب، صحيفة "الوقت"، العدد 171- الخميس 16 رجب 1427 هـ -10 أغسطس 2006].

سامحك الله يا وليد!.

        وليد الشيخ الثاني من الواقفين إلى اليمين

نشر الزميل والصديق وليد الشيخ من "الوطن" مقالاً قبل نحو أسبوع تحت عنوان طويل: "مشكاة... يعجبهم العجب.. والبدع في رجب.. عش رجباً ترى عجباً". وفيه توقف عند سلسلة، هي الأخرى، طويلة مما أسماها "البدع" التي قال عنها "إنها لا أصل لها من الدين". وهو الأمر الذي أزعجَ بعضاً من الشيعة؛ إذ وجدوا في الأمر غمزاً من طرف إلى طقوسهم ومعتقداتهم، خصوصاً في سياق "حملة" نبوية تخوضها صحيفة "الوطن" (شكر الله سعيها!.) منذ صدورها وحتى الساعة، ضداً على كل ما هو "بدعة"، شيعية خصوصاً، أكانت في السياسة أو في الدين.

وأنا في كل ذلك لا ناقة لي ولا جملاً، إنما يهمني الإشارة هنا إلى الكاتب نفسه، وهو وليد الشيخ. وهي إشارة لصالحه وليست ضده. إذ أزعم أنني على شيء من معرفة بالكاتب، وتجمعني به علاقة توثّقت أثناء رحلة جمعتنا، نحن الاثنين، العام الماضي إلى جمهورية مصر العربية في وفد عن كلية الإعلام بجامعة البحرين.

وطوال الرحلة، التي استمرت نحو أسبوعين، لم يظهر لي، بل أكاد أزعم؛  ولاحتى لأحد من الأخوة والأخوات في الوفد الذي كان خليطاً ومتنوعاً، من السنة والشيعة، ومن العلمانيين والمتدينين، (لم يظهر) أنه على شيء من التعصب.

ففي الوقت الذي كان واضحاً وغير مجاملٍ في إظهار هويته السلفية أمامنا، وهو ما جرى من جانبنا نحن أيضاً، من غير ذوي الحظ في التديّن، إلا أنه لم يكن يسعى لإملاء قناعاته على أحد. كنا نتشاكس أحياناً، بشأن الاستماع للأغاني في "الباص" الذي كان يقلنا جميعاً، حيث كان يرفضها هو، وكنا نطلبها نحن. لكنه كان يستجيب في النهاية لإرادة أغلبية الوفد.

بل، أستطيع أن أقول في حقه أكثر من ذلك، فقد كان يبدي من التسامح مع المختلفين معه من الطائفة الأخرى الشيء الكثير، وبرز ذلك في حفظه لكثير من "شيلات" العزاء لرواديد بحرينيين، وغالباً ما كان يرددها مع الإخوة في الوفد، وهم شيعة متدينون، ومثله يرفضون الاستماع إلى أغاني الطرب.

كما أنه لم يبدِ غلظةً من أيّ نوع، في المسائل المتعلقة بالاختلاط مع المرأة، وهو الشيء الذي نعرف جميعاً أن المتدينين يحتاطون منه عادةً. وكل ذلك جعلني أطلق عليه من قبيل المزحة "السلفيّ المتنوّر".

حين قرأت المقال الأخير لوليد، أصبتُ بالصدمة، لا لأن مضمون ما كتبه مفاجيء، فمن يمتلك أدنى فهم بالظاهرة السلفيّة لا يجب أن يتفاجأ، إنما لأنه شوّه تلك الصورة الجميلة والمتسامحة التي شكلتها في ذهني عنه. كنت أعول على وليد وأمثاله في أن يخرجوا من الشرنقة الكبيرة التي يقع فيها للأسف، الكثير من الشباب من الطائفتين الكريمتين، فيبدأوا في تفعيل مستوى من التفهمية حيال الآخر، حتى ولو أبدع في دينه أو مذهبه أو طائفته أو تزندق أو أشرك أو كفر؛ ولكن يبدو أن ظهور مثل هذا التوجه دونه طريق طويل طويل. سامحك الله يا وليد!.

* في الصورة لقطة جماعية لوفد كلية الإعلام أمام المتحف المصري ويظهر وليد الشيخ من الواقفين الثاني على اليمين (صاحب الفانيلة الحمراء).

 

الحرب.. أصنام وتماثيل

 

الموت للحرب

 

خاص بمداس آية الله - محمد المبارك:

ملف - أطفال للحب.. ليسوا للحرب: 

 

الموت في الحرب

الموت لأصنام الحرب

الموت في أطفال الحرب

و أطفال الحرب استحالوا إلى تماثيل شاخصة

حين انهال عليهم الموت والتراب

أمام الأعين، و تحت الكاميرات

أما رأيت التراب يعلوهم، و هم محمولون على أذرع منهكة؟.

أتأملت في أجسادهم؟ في تفاصيل وجوههم؟.

أما رأيتهم كالتماثيل التي تصرخ فيك و هي صامتة؟.

وتزلزلك وهي ساكنة؟.

العالم يثرثر عن وقف إطلاق النار

و النار لا تقف

النار تحرق و تهدم

لتحيل أطفال الحرب إلى تماثيل  يابسة

و أصنام الحرب إلى أجساد لها خوار

....

الحياة بعيدة جداً

و الأحياء لا يفعلون شيئاً، سوى كتابة ذكريات مريرة!.

 
الحياة بعيدة جداً
 

حكماء العرب "الجدد": إذا أفتوا في لبنان

عقلانية ليبرالية أم عقلانية سحرية؟.

 

       ... حتى نتخلّص من أكبر إعاقةٍ تواصليّة بين الليبراليين من ذوي صفة "الجُدُد" وإخوتهم الليبراليين من غير ذوي الصفة، نقول بدايةً: أيُّها الليبراليون العرب "الجدد".. لستُم عملاء ولستُم قَبَضَة ولستُم خَوَنة ولستُم كَفَرَة. هذه عتبة أولى، ونقطة على السطر.

       وحتىّ نتخلّص من إعاقةٍ ثانية، أخفّ وطأةً إنما ذات مضمونٍ ذي قيمة في الموضوع الذي نحن بصدده، نقولُ أيضاً: مثلكم نحن، وهنا أتكلم بضمير الجمع عن ذاتيَ المركّبة وليس عن أحد، وهو، كما لا يخفى تقليد عربي أصيل من صيَغ الكلام، (نحن) ندافع عن قيم الحداثة والعلمانية وحقوق الإنسان والديمقراطية وتحرير المرأة والحريات ما خصّ منها وعمّ، إنما مضافاً إليها، وهنا موضع اختلافنا: التحرُّر. هذه عتبة ثانية، وانتهينا.

          ماذا بقي إذن؟. بقي أن نقف على التفاصيل. والشيطان، كما يُقالُ دائماً، يكمن في التفاصيل. وأبدأ في التفصيل، ممّا كتب شاكر النابلسي قبل أسبوع، وهو، لمن لا يعرف، ثالثُ ثلاثة ممن صاغوا بيان الليبراليين العرب "الجدد" في أكتوبر/ تشرين الأول 2004 الموجه إلى الأمم المتحدة، (كتب) مُطالباً العرب قراءة مشروع كوندي، الشرق الأوسط "الجديد"، قبل الحكم عليه [1]. وذلك صحيح، إنما ليس في المطلق. ذلك أنه، من غير الصحيح، إهمال السياق الخطابي الذي أُلقي فيه بهذا المصطلح. وهو شيء ضروريّ لتأمين مستوىً من الفهْم، خصوصاً في ظل اعتراف صاحبنا، بأنه ما من شيء يُقرأ حتى الآن عن هذا المشروع، سوى قلقلةِ شدقٍ زَلَقلت من لسان الساحرة كوندي وأعيد تأكيدها تالياً. وكوندي هذه، وهذا سببٌ كافٍ لقلق الكثيرين من أمثالي، بومة مشئومة، على ما خطّت ريشة رسّامنا الكبير عبدالله المحرّقي.

          وفي مسألة السياق هذا، أشير سريعاً هنا، إلى حقيقةٍ يتمّ تدارسُها في أركيولوجيا (حفريات) الخطاب، وهي مسألةٌ أرى لازماً تذكير النابلسي بها، كونه ناقداً أدبياً "سابقاً" (لكيلا نقول فاشلاً!)، مفادُها أنه: لدراسة ملفوظةٍ ما ينبغي النظر إلى قوانين ظهورها، وأيضاً شروط تملكها، واستثمارها (وهو ما نصطلح عليه بالسياق). وهو سياق طويل ومعقد يتوجب الكشف عن طبقاته واحدة واحدة. لماذا أتت هذه الملفوظة دون غيرها؟. لماذا في هذا الوقت وليس في وقت سابق أو لا حق؟. ما الذي قطعت معه وما الذي أبقت منه؟. ما التشكيلة الخطابية أو منظومة الخطاب الكبرى المسئولة عن ظهور هذا النوع من الملفوظات؟.

          وتنويعاً على موضوعنا الرئيس، يُسأل هنا: في أي سياق أتى مصطلح الشرق الأوسط "الجديد" لأول مرة؟. لماذا هذا المصطلح وليس غيره؟. لماذا في هذا الوقت تحديداً وليس في أي وقت آخر سابق أو لاحق؟. ما الذي قطعه مع مصطلح/ مصطلحات آخر/ أخرى سابق/ سابقة له، الشرق الأوسط الكبير مثلاً، وما الذي أبقى منه؟. ما الأفق الخطابي الأكبر والأعم المسئول عن ظهور مصطلح الشرق الأوسط "الجديد"؟.

          وهي أسئلة محيّرة كما نعلم، إنما محالٌ الوصول إلى إجابة عليها، من خلال تلفيقية حجاجية يُستعارُ لها قولة من هنا وأخرى من هناك. مثلاً، حين يُقال، إن ذات الكلام الذي قيل عام 2004 عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، (ذاته) يقال هنا عن الشرق الأوسط "الجديد". أو، حين يُقال إن فلاناً نائب الأمين العام للجامعة العربية قال: "محتوى مشروع الشرق الأوسط الكبير هو الديمقراطية والاقتصاد الحر وتعليم الفتيات ومحاربة الفقر". لأننا، وأمام خطاب فقير مثل هذا، لا يسعنا إلا أن نطلق زفرة شفقة على داعية العقل هذا، الذي يحجب بالوجدان الصوفيّ ما يفضحه العقل نفسه، بالحسابات الرياضية البسيطة (مقدمتان ونتيجة!).

          إنْ لم يسمع النابلسي، ومحالٌ يكون ذلك، فليسمعْ: يأتي مشروع الشرق الأوسط "الجديد" في سياق لحظة مشهديّة حيوانيّة، حصيلتها حتى الآن 900 قتيل مدني لبناني و3000 جريح ونحو مليون نازح. ويأتي مشروع الشرق الأوسط "الجديد" في سياق جموح آلة الجيوش، وغريزة إمبريالية (أميركية، إسرائيلية) متصادية معها، متضادّة مع إرادة تخفيف مشهديّتها.  ويأتي مشروع الشرق الأوسط الجديد في سياق حروب أهلية عربيّة/ عربيّة، أطلقت وحشَها مشاريع من هذا النوع... ما أتى منها وما سوف يأتي.

          وليست هذه بلاغة زائدة. كما ليست ضرباً من الخطابة يسوقه من لا يقرأ وإذا قرأ لا يفهم، كما يحلو للنابلسي أن يرى إلى المختلفين معه من وراء النظارة. فمثل هذا الكلام غدا يُقال "على المكشوف": شرق أوسط "جديد"، يتم استيلادُه بعد استنفاذ كورس القنابل، الذكي منها والغبي. هذا هو السياق الذي يتظافر فيه الحديث الآن عن شرق أوسط "جديد". ومن غير فلسفة زائدة.

          والحال، إذا كان يصحُّ القولُ إن الفهم سابقٌ الحكم، أو هذا ما يجب أن يكون على الأقل، يصح القول أيضاً، نكتةٌ تلك أو أكبر بكثير، أن يُقال، إن الشرق الأوسط "الجديد" يعني "الاقتصاد الحر وتعليم الفتيات ومحاربة الفقر". لا، لأن مدى القنابل الساقطة على لبنان، يصل إلى أبعد من ذلك بسنوات ضوئية. أو، أن يقال في "روشتةٍ" إلى السحر أقرب، إن دخول الأردن في حلف بغداد 1955، لو حدث، لكان وفر عليه اقتطاع الضفة الغربية... "ولكان تلافي العراق بالتالي ثورة 14 تموز 1958 التي قضت على الملكية. ثم لتلافي حكم حزب البعث في العام 1963. ولما ظهر صدام حسين ولما قامت الحرب العراقية – الإيرانية، وحرب الخليج. ولتلافى العراق حروب ما بعد حرب الخليج الثانية أيضاً. وربّما لما قامت حرب 1967 أصلاً، ولكان عبد الناصر أكثر عقلانية وواقعية سياسية" [2]. ولا... ثانيةً هنا، لأن ذلك كلام غير تاريخي، وهو إلى "العقل السحري" أقرب، منه إلى "العقل العلمي" أو "النقدي"، الذي شارط به النابلسي خصومه الإسلاميين في بيانه الشهير "مسودة أولى لمانيفستو الليبراليين الجدد" [3].

          وكائناً ما كان المعنى الكامن في الشرق الأوسط "الجديد"، ما فُهم من السياق، أو ما سيُفهم  تالياً من الأوراق، ثمة وجاهة، بل... ومشروعية، في كل الهواجس المتوجسة منه خيفةً. ذلك أن الهواجس هذه نابعة عن تكوينات اجتماعية لها جذورها كما وأنظمة مصالحها، ويصعب كما ينبغي على "العاقل" استخلاصه من الحريق العراقي، استئصال هذه التكوينات بوجدانية ظافرية ترى إلى الشرق الأوسط الجديد "تعليماً للفتيات ومحاربة للفقر". وأي إهمال لهذه الخلاصة، كفيلٌ بتمديد الهيولى العراقية إلى حدود لبنان. حينذاك فقط، سنعرف، والُعتبى على من يقرأون ويفهمون، أي شرق أوسط  "جديد" ذاك الذي أرادته كوندي!.
 
على ذمة مجلة القوات المسلحة الأميركية: الشرق الأوسط "قبل"
 
على ذمة مجلة القوات المسلحة الأميركية: الشرق الأوسط "بعد"________________________

 

[1]  شاكر النابلسي، الشرق الأوسط الجديد: من قرأ ومن فهم؟، جريدة إيلاف الإلكترونية، 1 أغسطس/آب 2006.

[2]  المصدر السابق.

[2]  شاكر النابلسي، من هم الليبراليون العرب الجدد وما هو خطابهم؟، شفاف الشرق الأوسط، 22 يونيو/ حزيران 2004.

 

[حسين مرهون،  حكماء العرب "الجدد": إذا أفتوا في لبنان & عقلانية ليبرالية أم عقلانية سحرية؟  صحيفة "الوقت"، ع 168، ت 7 أغسطس/ آب 2006].

أطفال لبنان: عذراً مرة أخرى

خاص بمداس آية الله- حصة الجنيد:

ملف - أطفال للحب.. ليسوا للحرب: 

 
لقد خذلناكم مرة أخرى

اعذروا جبننا، اعذروا خيبتكم فينا

اعذرونا لتمتعنا بالهواء النقي والأمان

بتوفر الطعام،

اعذروا صمتنا سابقا ولاحقا

اعذروا خوفنا على أنفسنا

اعذرونا  

 

كابوس طفل لبناني

 

استيقظت على صوت فظيع. لم أعرف ماهو؟.  رأيت أمي مستلقية على الأرض، ظننتها نائمة، اقتربت منها، كانت مبللة ، ناديتها: أمي ..أمي لم ترد علي!. وضعت يدي على وجهها، أحسست بحرارة في يدي. قربت يدي من الضوء، كان اللون أحمر. صرخت، ناديت بابا.. بابا.. بابا، أمي فيها دم، ولكن لا من مجيب. رحت أتلمس طريقي في الظلام، تعثرت بجسم وقعت على الأرض. صدر صوت انكسار زجاج لمسته: إنها نظارة بابا.. أين بابا؟.

نظرت إلى الخلف، تلمست الجسم الذي وقعت عليه، كان رطبا مثل جسم ماما . آه هذا بابا !

يا إلهي ما ذا سوف يكون مصيري؟.

 

يا إلهي ما ذا سوف يكون مصيري؟ 

أطفال الماء

خاص بمداس آية الله - علي الديري:
ملف - أطفال للحب.. ليسوا للحرب:
 

يكتب أطفالُ القنابلِ أطفالُ إسرائيل الموتَ على رؤوس قذائفهم، ويرسلونها إلى رؤوس أطفالِ القراءة أطفالِ لبنان، لأنهم يثقون أن:

أطفال لبنان الصغار يستطيعون أن يقرؤوا.

أطفال لبنان الصغار يستمتعون بأن يقرئوا.

أطفال لبنان الصغار يموتون دون أن يقرأوا.

قال الشاعر بعد أن وصلت رسالة أطفال القنابل، أطفال إسرائيل:

"قرأ الأطفالُ كتابَ الحاضر ، - قالوا :

هذا زمنٌ

يتفتّح في رحم الأشلاء ،-

كتبوا :

هذا زمنٌ شاهدنا فيه

كيف يُربي الموتُ الأرض

وكيف يخونُ الماءُ الماءْ" أدونيس ، ديوان المطابقات والأوائل

 

ليس أكثر من رؤوس الأطفال قدرة على قراءة رؤوس القذائف، القذيفة لا تكون شاهدا من غير رأس طفل، فهذا الرأس الطري وحده يجعلها قابلةً للقراءة بل والكتابة، تقرأ رؤوسُ الأطفال تربيةَ الموت للأرض وخيانةَ الماء للماء. تكتب هذه الرؤوس بطراوتها كتبَ الخيانة، وكتبَ تربية الموت.

 من يخون الماءَ الذي هو أصل الأشياء يخون كل الأشياء. الأطفال هم الأكثر قرباً من الماء والأكثر تحسسا لنقاوته والأكثر وفاء وأمانة لحياده. هم يستطيعون قراءته ويستمتعون بقراءته ويموتون دونه.

من يستطيع أن يقرأ الماء، يستطيع أن يقرأ كتاب الحاضر، ويستطيع أن يكون شاهدا عليه، ويستطيع أن يرينا وجه الأرض الحاضر.

حين يكتب الأطفالُ قذيفةً إلى رؤوس أطفال يحبون القراءة، حينها يخون الماءُ الماءَ. وحين يرسلُ الأطفالُ حروفَ الموت إلى رؤوس أطفال يموتون دون الحرف، حينها يُربي الموتُ الأرضَ، وحين يخط الأطفالُ قذائفَ الموت على قلائد أطفال يستمتعون بالحرف، حينها ينفتحُ رحمُ الأشلاء في كتاب الحاضر.

القراءة هي ما تنجزه رؤوسُ الأطفال، وهم لا يملكون شيئاً غير أن يقرؤوا، لقد قرأنا كتابَ الحرب من خلال رؤوسهم، وقرأنا كتابَ الخيانة من خلال رؤوسهم، وقرأنا كتابَ رحم الأشلاء من خلال رؤوسهم، وقرأنا تربيةَ الموت من خلال رؤوسهم.

 الحاضر كلُّه رؤوسُ أطفال معلقةً في زمن يخون فيه الإنسانُ الإنسانَ.
 
 
حين يكتب الأطفالُ قذيفةً إلى رؤوس أطفال يحبون القراءة 
  
حين يرسلُ الأطفالُ حروفَ الموت إلى رؤوس أطفال يموتون دون الحرف 
  

إلى أهدابها تلوذ الحمائم

خاص بمداس آية الله - خالدر الرويعي: 
ملف - أطفال للحب.. ليسوا للحرب:

 

خالد الرويعيقلتِ لي وأنت في جيوش الخوف تنامين أميرة:

اليوم سقط درعي

واحتضنتني حربة لم أكن أتوقعها

اليوم سقط نصفي

وراعتني وجوه لم أكن آلفها

أهديته للتراب وغصة لا تفارقني:

كيف نهدي التراب أحباءنا بهذه السهولة،

قلتِ لي وأنت في هزيع المغادرة تقفين أسيرة.

***

وأنتِ تعبرين النهر استوقفتك.. وحدثتكِ عن كراس الدم.. لكن سردك كان موجعاً وأنتِ ترين ما لا أرى.. وكنت تصفين لي الدرب:

تحاملت.. قلتِ لي ذلك وأنتِ تتحاملين على جراحك

ونحت من شجر البلوط رجلين لي

لكنني ما إن عبرت النهر

حتى غدرت بي الأشجار

واحتمت برماح من صلبها

وكنت طرية

كحبات ندى واقفة على أطراف الثمار

وكنت طرية

حتى رمقني ذلك الرمح

تهاوت قدماي

تحاملت على الريح

لكنني كنت أهوي.

 

كان يقول:

لماذا سقط الذين تألقوا؟

 
كيف نهدي التراب أحباءنا بهذه السهولة
 
 

أطفال للحب.. ليسوا للحرب

أطفال للحب.. ليسوا للحرب!

"ملف"

 

الجنرالات

العقداء

العمداء

الألوية

النقباء

الملازمون

الرقباء

المشيرون

الروّاد

المجندون

المحققون

البحرية

سلاح الجوّ

رؤساء الأركان

قادة الجيوش

وزارات الحرب

... تعالوا نتفق: أن نبعد الأطفال عن معاركنا. لنكن أخلاقيين مرّةً واحدة. غير ذلك، لنذهبْ نحن وإياكم إلى الجحيم!.

 
أوقف الحرب على الأطفال
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

"قانا"... ولا شيء بعد!

عن "عقلية" الجيوش و"مغامرة" الكائن

 
... من وُلِدُوا بعد قانا الأولى، صار عمرُهم الآن عشرَ سنوات. وعشرُ السنواتِ هذه، أقصى حدّ يمُكن أن تبلغه رحمةُ الجيوش. لذلك تنفتح شهيّتها على قانا ثانية وثالثة ورابعة والبقية تأتي. ويجب ألا نُصدَم لذلك. لماذا؟. لأن وظيفة الجيوش، آلة القوة الجهنمية في الدُّوَل الحديثة، هي إحرازُ مزيدٍ من الاستحواذ على الجسد الآدمي. تطويعُه وإبقاؤه في علبة سردين اسمُها "نظام". ودون فضيلة النظام هذه لا تنعمُ الجيوشُ بالرّاحة. يقلقُها أنَّ ثمة موجوداً آخر غيرها. يقلقها ألاّ يكون هناك غياب. يقلقها أن الحياة هناك، كلّ الحياة، قابعةٌ ضدّاً على حتمية الموت في ملجأ.

يهرب المدنيُّون، لا خوفاً من الموت المُرسَل عبر الطائرات المغيرة، إنما لتمديد فرصة الحياة. الأطفال: من أجل أن يكبروا، والشيوخ: من أجل أن يعودُوا أطفالاً يلاحقون سرّ الأعاصير. ولا شيءَ عدميّاً. لكن على العكس من ذلك، تهرب الجيوش أو، تتقدم لا فرق، من أجل تمديد فرصة الموت. من أجل تجذيرها ومُكاثرتها. يتدرّبُ الجندي على الموت أكثر مما يتدرّب على تذكّر اسم حبيبته أو طفلته. يتدرّب على حب رفيقه الجنديّ في الكتيبة أكثر مما يتدرّب على حب والدته التي تنتظره في البيت. لاشيءَ إنسانياً في حياة الجنود. ولا شيء أخلاقياً.

 هل سأل أحدكم نفسه يوماً ما: ماذا يقول الجنرالات لجنودهم في محطات الاستراحة؟. أو، هل سأل: كيف أن هذا الذي يضغط زراً يذهب ضحيته عشرات القتلى، (كيف) أن له قلباً مثلاً؟. كيف أن له أذنين وعينين ولساناً وشفتين؟. إنها أسئلتنا نحن، هنا في مدن البراءة الأولى، لكن الجيوش أسئلتها مختلفة!. الجيوش أولاً لا تسأل. إن إرادة الانضباط التي تنبني عليها الجيوش تتقوّم على عنصر الطاعة لاعنصر السؤال. والجيوش ثانياً، حين تسأل؛ فذلك من أجل تحقيق هدف يتعلق بالعدوّ أولاً وأخيراً. والعدوّ، وهذا تنبيه لكي لا نخطيء الخطأ كله، ليس ما يراه الجنديّ، إنما ما يراه الجنرال.

ليست هناك فردية، ألبتة، في حياة الجنود. تحضر الفردية مرةً واحدة. حين تكون مسافة الموت إليه (الجندي) أقصر من مسافة الرجوع إلى قائد الكتيبة. هنا، فقط، عليه أن يتصرّف بوحيٍ من الحلّ الفرديّ. تسقط الحلول الجماعية، ويحضر الفرد. لكن، أي فرد!؟.

***

تكمنُ حنكةُ الجيوش في القدرة على الإماتة. في تنويع أشكال الموت. في تكثيفه وجعله ملحمياً. الموت الذي لايصبح علامةً أو شارة طريق، ذلك ليس من شغل الجيوش. الموت الذي لا يترك ندبةً في التاريخ، ذلك من شغل الهواة والفوضويين. لذا تُُستثنى من وظائف الجيوش، الموتات الرحيمة وسكتات القلب وجلطات الدم والسرطانات الحميدة. تعمل الجيوش على منح موتها لمسةً خاصة. على مفاقمة هيولاه. على جعله عبرةَ المُعتبِر. الجيوشُ لا تلعب.

من أجل ذلك، تحضر الأشياء الكبيرة عادةً. يبدأ الحديث براجمات الصواريخ والطائرات العمودية والبوارج الحربية والقنابل الذكية التي زنتُها كذا طن والمسيّرة إلكترونياً. في الحروب، قلّما تسمع عن بندقيات الصيد والمُسدّسات الكاتمة. فالأخيرة تعطي موتاً من غير صفة؛ بينما الأولى تعطي موتاً مشهدياً. وهذا ما تتطلّعُ إليه الجيوش. أن يكونَ موتُها المُرسَل مشهداً. أن يكون حَدَثاً يُروى وسيرةُ تُتَناقل. وهو ما لا يوفّره الموتُ الآتي من بندقيّات الهواة!.

***

في مقابل ذلك، تكمن حكمةُ المدنيين في الاحتيال على الموت. في تأجيل مشهديته، حَدّ جعْلها مُحالة. وهنا تبرز تقنيات الاختباء والستر والمراوغة. يأتي الملجأ ليطيل من عُمُر الكائن، ليمدّده حتى حدوده القصوى. يتشبّثُ المدنيُّون بحياتهم؛ ليس خوفاً من الموت إنما لبشاعته. لكن أقسى ما في الملاجيء أن الحياة فيها قَدَريةٌ تماماً. في الحياة الطبيعية، الموتُ هو القَدَريّ، لكن في حياة الملاجيء، الحياة نفسها هي القَدَريّة. وحين يحدّقُ الجنديُّ من نافدةِ الطائرة تبدُو الأشياءُ متشابهةً في الأسفل: مدنٌ تحسِبُ أنفاسها. ماذا يفعل؟. لا يسأل الجنديُّ نفسه سؤالاًُ مثل هذا في هذه اللحظات. إن لديه مهمة. والطاعة أمُّ مهامِّ الجنديّ.

لكن في الأسفل، هناك مليون سؤال مثل هذا، يلقيه الأطفال على أمهاتهم عن الطيار الذي "فوق". لماذا هو مستعجل؟. هل قبّل زوجته قبل المجيء إلى هنا؟. هل تحممّ جيداً؟ هل حَلَقَ ذقنه؟. هل استبدل بزّته التي يرتديها منذ أسبوعين؟. ألم تأتِ على باله مأساةُ أجدادِه في غرف الغاز؟. حوارٌ غير متكافيء بين وجوديْن. بين زمنيْن. رغم أنّ أحداً لا يسمعُ أحداً. لايسمع الطيّارُ وشوشات ضحاياهُ عادةً. يراها في التلفاز أو، ربما لا يراها إلا في الأفلام الوثائقية حين يتقاعد. أقسى ما في شخصيّة الجنديّ عماه. وأقسى من ذلك أن هناك محرقةً في الأسفل. انظر!.
 
ليس للحرب.. ذاهبون للحب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[ حسين مرهون، قانا ولا شيء بعد & عن حكمة الجيوش وحنكة الكائن، صحيفة "الوقت"، العدد 164- الخميس 9 رجب 1427 هـ -3 أغسطس 2006].
 

قنابل تسيّل الدموع

خاص بمداس آية الله - منهل السراج:
ملف - أطفال للحب.. ليسوا للحرب:
 

بين طاسات صقيعية وأخرى نارية، تأتيك الأخبار، واعدة تارة وقاتلة تارة أخرى، ومنفرة في أغلب الأحيان.

طالت الحرب ويقولون ستطول، والعلم يقول إن شدة الألم تبلد الشعور، فلماذا لم يتبلد شعور الطيبين ممن يتألمون بينما تبلدت ضمائر أصحاب القرارات؟.

تتمعن في صور وجوه أصحاب القرار، محاولاً قراءة ما سيحدث من ملامح الصورة التي التقطت لهم أثناء أداء مهامهم الجليلة. 

حين تراقب وجه المسؤول الأمريكي أو الإسرائيلي، ستمتلئ بالغضب وفوران الدم، فتقرر أن تتركها لتقرأ وجوه أصحاب القرار ممن يقربونك، أوشكت أن أقول: ممن يقبرونك، تجد أن القصة زادت في إبهامها، وأن نهاية الصراع في علم الغيب.

تترك الأخبار المنفرة، وتأتي إلى الحكايات، التي تستدعي الخيال الدافئ والحنون والرغبة في الاحتضان، تلخصها صور صغيرة ومتناثرة على طول الصفحة وعرضها. حكاياتنا نحن المساكين.

وجه طفلة مخدرة وليست نائمة، كانت تنهمر دموعها عطشاً أو خوفاً حين أصابتها القنبلة. جفت الدموع بنثار القنابل، وتركت مكانها الحروق.

ابن شهرين استيقظ على سرعة الأم ولهفتها وهي تضعه في السيارة المغادرة للهرب.

صاحب البيت الذي ينقذ بعض أثاثه المتواضع من تحت الركام، وسادة مثقبة بتأثير الرصاص، وحقيبة مدرسية ممتلئة بتراب الحائط المقصوف. 

ونتساءل: ترى هل أذن الطفلة التي ذكرت على هامش أخبار البارحة شفيت أم مازال العثور على الدواء متعذراً؟

وتلك الأم التي انهدم بيتها وهرب أهله إلى الملجأ، ظلت واقفة ذاهلة تتمتم:

ـ منذ دقائق، نظفته ورتبته.

وضعتْ كتب الولد على الرف، وصحن سجاير الأب على الطاولة، مسدتْ ثوب البنت وجلستْ تقطّع حبات الكوسا، حين بدأ القصف.

انهدم البيت وهربوا إلى الملجأ. أخذوا ينادونها: ماما هيا هيا. هرعت إليهم ولكن راحتي كفيها اتجهتا إلى السماء بدعوات محرقة.

صور تحكي وتروي والأسى يزيد ويفيض.

ولكن خبر هذه الانهيارات لا يشبه أبداً خبر انهيارات أخرى.

فحكاية زوليكا ريفيرا ميندوزا، ملكة جمال بويرتوريكو، والتي وقعت مغشياً عليها، بعد 40 دقيقة من فوزها بلقب ملكة لجمال الكون ليل الأحد 23/7،  كانت واضحة ولا تستدعي الرغبة في التخيل، ذلك لأن الخبر مع صورة الفتاة ذات الجمال الفائق والتاج الشاهق، أخذا الحيز الأكبر.

كذلك خبر انهيار شائعة خطبة الفنانة فلانة على المطرب علان، لا تحتاج خيالاً دافئاً، لأن ابتسامة الفنانة من القلب السعيد أو من مهارة طبيب التجميل، لا فرق. المهم أن هذه الابتسامة سطحية وواضحة وتطمئنك أنها بصحة جيدة.

من حق المراهقة أن تفرح بفشل خطبة فنانها المفضل، ومن حقها أن تتأمل صورة ملكة الجمال وتحلم بتاجها، تقول أمي نسبح باسمه على جمال خلقه. ومن حق الجميع أن يمتنعوا عن متابعة الأخبار، لأن الرصاص الذي يحرق وجوه الأطفال سيئ أيضاً على أعصاب الكبار. أنا أول من يدير وجهه أمام مشاهد القتل والدمار.

ولكن ألستم معي بأن لبعض البوح الحق ولو بمساحة صغيرة من صفحات الجرائد؟ عشر مساحة صورة ملكة الجمال، أوخمس صورة كونداليزا رايس. أو مكان جزء صغير من جاكيتة بوش الساخرة. يكتبون في هذه المساحة شهادات من القلب، لهؤلاء الذين انهدمت بيوتهم وشردوا هنا وهناك، في الحدائق والملاجئ، والمدارس التي من المفترض أنها في إجازة. شهادة لمن يبيتون في المستشفيات بين جريح وقريب، ولماذا لايختمون عدد كل يوم بشهادة ممن فقد ابنه فدية للكرامة الوطنية التي صرعوه بها، مواطن مستلب ما فتئ كل يوم يرفع راية الاستسلام لحاكمه تارة ولعدو بلاده تارة أخرى، يستحلفونه بربه ونبيه أن يقول الصدق، هل يصفح عن موت ابنه إذا أُسر الجيش الاسرائيلي كله؟ فنحن لم نفهم بعد أيهما أعلى: روح طفل، أم كرامة الوطن التي تزهق أيضاً مع روح الطفل؟

أفكر أنه ربما بقدرة قادر تتحول كلمات هذا الأب في هذه الزاوية المفترضة، إلى قنابل مسيلة للدموع، تسيل دموع كل العالم، وتجعل أصحاب القرار شديدي الانشغال بأمور السياسة ووقتهم أضيق من أن يسرعوا إلى البلاد التي تتهدم فوق أهاليها، تجعلهم يهرعون بورقة ما تشبه ورقة العفو التي يصدرها قاض في فيلم عربي فيمنع الإعدام في آخر لحظة لهؤلاء الأبرياء.

أقوال وأقوال، والحلم بائد. والكلمات التي كانت حبراً أسود صارت أقل من هذا بكثير حتى لم تعد تشحر اليد التي تحمل الجريدة، ذلك أن جسم الكلمة صار الكتروناً لا يرى بالعين المجردة ونادراً ما يحسون به.
 
 منذ دقائق، نظفته ورتبته
 

من مواطن مصري إلى رئيس جمهوريته

خاص بمداس آية الله - لويس جرجس:
ملف - أطفال للحب.. ليسوا للحرب:
 
السيد محمد حسني مبارك

       رئيس جمهورية مصر العربية

 

اليوم وبعد أن أقدمت حكومة أولمرت الصهيونية - الحاكمة فيما يسمى تجاوزا "دولة" اسرائيل والتي أبرمت الحكومة المصرية معها اتفاق سلام منفرد مايزال مرفوضا شعبيا في مصر - على اقتراف مجزرة قانا الثانية، فإن الامر يستوجب وقفة حازمة من الحكومة المصرية.    

السيد الرئيس؛

أناشدك باسم كل الأطفال الذين استشهدوا تحت القصف الصهيوني الوحشي، وباسم الأمهات الثكالى والشيوخ الذين لم ترحمهم الغارات على قوافلهم أثناء نزوحهم من قراهم ومدنهم، أن تتخذ القرار الذي يعيد مصر إلى عروبتها ويعيد العروبة الى مصر.

الرئيس حسني مبارك؛

أكتب إليك خطابي هذا من حيث أعمل في البحرين، وحيث تصلني مشاعر وأحاسيس المواطن العربي الذي يشعر بالقهر الذي تعيشه الشعوب العربية من المحيط الى الخليج، نتيجة العجز الواضح الذي تبديه الحكومات العربية -وأيضا جامعتها الرسمية-  في مواجهة الوحشية التي يتعرض لها إخوتنا في فلسطين ولبنان.

أخاطبك أيها الرئيس، وحيث نشاهد جميعا على شاشات التليفزيون جثث عشرات الأطفال الذين استشهدوا في مجزرة قانا، والتي تأتي استكمالاً لمسلسل المجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني (ترى.. هل مازلت تذكر صورة استشهاد محمد الدرة برصاص الاحتلال وهو في أحضان والده؟.)، وهو المسلسل الذي يشجعه على الاستمرار فيه، ذلك الضعف الشديد لرد الفعل العربي الرسمي، والذي لا يتعدى بيانات الشجب والإدانة والاستنكار الشديد والأسى إلى أقصى مدى، وهو رد فعل لا يتعدى ردود الفعل الصادرة من كل حكومات العالم، كلها تستنكر وتدين وتشجب وتطالب إسرائيل بالكف عن هذه الافعال.

فكيف يستوي -أيها الرئيس- رد الفعل العربي "الرسمي" مع ردود أفعال باقي دول العالم؟.

أخاطبك أيها الرئيس، مناشداًً باتخاذ القرار المنتظر من مصر الرسمية بعد أن اتخذته مصر الشعبية منذ أن بدأ ما يسمى بالتطبيع الذي قابله الشعب ومازال بالرفض الطبيعي.

أخاطبك، مذكراً بأن السلام لا يستقيم إذا كان من جانب واحد، بينما الطرف الآخر لا يعرف المعنى الحقيقي للسلام، وبأن الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" لا بد أن تقابل بموقف حازم يجبرها على الامتثال للإرادة الدولية وللأعراف الإنسانية الأساسية.

أخاطبك من أجل هذا الموقف الحازم الذي تتهرب منه الحكومة المصرية بحجج واهية لا تقنع رجل الشارع المصري أو العربي، رغم أنه يعتبر الحد الادنى لما ينتظره الشارع العربي من الحكومات العربية في مواجهة هذه الهمجية الصهيونية المدعومة أميركياًً.

        أخاطبك، مذكراً بأن مصر لم تستفد شيئا من التطبيع مع هذا العدو الذي يعشق الدم والقتل والدمار، وبأن "إسرائيل" هي وحدها من استفاد، وحيث يوفر لها هذا التطبيع - مع وجود سفير لها في قلب القاهرة - غطاء عالميا يمكنها من إقناع العالم بأن ما تقوم به لا اعتراض عليه من جانب العرب؛ إلا بالقدر الذي تبديه جميع حكومات العالم التي تعرب عن أسفها لقتل الأطفال.

أخاطبك، منتظراً أن يسمع العالم صوت مصر عالياً وهي تحتج عملياً -لا شفوياً- على هذه الهمجية، فلم يعد الموقف يحتمل وجود سفير لهذه العصابة القاتلة في قلب القاهرة.

 عليكم أن تخاطبونهم باللغة التي يفهمونها، لغة القوة، ولا أقصد هنا إعلان الحرب؛ فذلك شأن آخر ومجال استعدادات أخرى، ولكن أعني الحد الأدنى الذي تطلبه الشعوب العربية الآن، وهو أن نقول لهم "ألا مكان لكم في وسطنا مادمتم لا تقيمون للحياة الإنسانية أي اعتبار". إنه الموقف الوحيد القادر على سحب غطاء "الشرعية العربية والرسمية" التي تسمح للعدو بتبييض وجهه أمام العالم. فهل يطول انتظاري إلى أن يقول التاريخ كلمته الحاسمة التي لا ترحم ولا تجامل؟.  

                                          لويس جرجس
                                          مواطن مصري يشعر بالعار
                                          لوجود سفير صهيوني في القاهرة
 

هي آخر الصرخات: لا

    

  

     

        

 

 
 
 
 
 


<<الصفحة الرئيسية
لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com