اليوم الثامن عشر، التاسع عشر، العشرون، الواحد والعشرون... من الحرب الإسرائيلية المفتوحة، برّاً وبحراً وجوّاً، على لبنان. متى تنتهي الحرب؟. لا أحد يعرف. قالوا: إن كوندو، وما أدراك ما كوندو، سافرت ولن تعود إلا بعد شهر، شهرين، ثلاثة، ستة أشهر.
لم يعجبها ما قالوه لها في لبنان. وثمن أن يقال لكوندو ما لا يعجبها، غالٍ، غالٍ جداً. مزيداً من موسيقى اللحم البشري.. مزيداً من رائحة شواء الجلود الآدمية. ذهبت ولم تذهب. ذهبت رحمتها، التي أومأت للقذائف: قفي، ولهدير الطائرات: الزم حدّك، وحضرت قسوتها.
وقسوة كوندو تعني...!. لا، لا يحتاج أن تجهد نفسك كثيراً في معرفة ماذا تعني كوندو. ليس هذا درساً في التأويلية. مدّ ببصرك إلى النافذة من خلفك وشاهد الأمور على حقيقتها. ولكن احذر، إن كنت ضعيف القلب. كلنا لآدم وآدم من تراب. والحقيقة خلف النافذة أشبه بلحظة الخلق الأول، بل هي هي. الأشجار، العصافير، زجل الأطفال في المدارس، ريشة تاج العروس، عاشق في حضن عشيقته، طربوش عتيق، إلخ إلخ، كلها كلها في لحظة التخليق.
ما عاد بالإمكان التمييز بين رأس شجرة أرز مقطوعة ورأس طفلة في الثانية من العمر. الأشياء متشابهة حدّ التماهي. وحتى هذه اللحظة، الأمور منطقية تماماً. كوندو لا تلعب.
تقول وكالات الأنباء: إنها تصلي من أجل المدنيين اللبنانيين. هل يعقل ذلك؟. نعم و لا. نعم، لأن كل هذا الخسْف، لا يمكن أن يصدر عن إنسان بأذنين وعينين من دون أن يكون مرتبطاً مع موعدٍ في القدّاس أو جلسة دعاءٍ في المعمودية. ولا، لأن ساعة صلاة كافيةٌ لإذابة جبلٍ من حديدٍ وصوّان، بينما لم تبرهن كوندو، ولا مرة، أنها ذابت من شيء أو لأجل شيء. كوندو لديها خارطة طريق، والهدف أمامها واضحٌ واضح. وإلى أن تحقق هدفها، علينا أن ننصت جيداً إلى صوت دحرجة رؤوس الأطفال وطقطقة الأجساد المصهورة.
كيف لقلب امرأة أن يحمل كل هذا الكمّ من القسوة؟. وائل الخزاعي: لأنها تحلق شاربيها كل صباح. حسين خلف: لأنها لم تذق طعم مخاض الولادة. عبدالله المحرقي: لأن له وجهاً يشبه وجه البومة. وتقول عجوزٌ نازحة: لأنها قاسية فقط، من دون فلسفةٍ زائدة، وتدلف عائدة إلى الملجأ.
لكن خولة مطر، التي عايشت القصف أولاً بأول، وحاولت رصْد دقائق التفاصيل التي لا يكترث لها الصحافيون عادة، تتحدث عن شيء آخر. تقول: إن الناجين من القصف هربوا إلى "عين الحلوة"!. هل تقصد "عين الحلوة" تلك التي في صيدا؟. رشاد أبو داوود الفلسطيني حتى آخر قطرة دم: نعم، هي هي. لم أنت مستغرب؟. ذلك حديثٌ آخر.
الهاربون من القصف تواً، يلوذون بأخوتهم الهاربين من القصف منذ أمدٍ بعيد. لم تعد هناك فوارق جنسيات ولا حدود أوطان. وفي الموت، الهويات واحدة. قبل هذا الوقت، كان الداخل إلى "عين الحلوة" يحتاج إلى إذن دخول مُمضَى من الأمن اللبناني. وقبل هذا الوقت أيضاً، كان يحتاج إلى أن يمرّ على حاجزين، واحدٌ للجيش اللبناني، يتلوه مباشرة حاجزٌ آخرٌ للفصائل الفلسطينية. الأول ضدّ تهريب "الممنوعات!" إلى داخل المخيم، والثاني ضد عيون الجواسيس.
أما الآن، فلم تعد هناك حاجةٌ إلى كل ذلك. أصبحت الأمور سهلة. يكفي أن تكون مطارداً من طيّارٍ مغيرٍ أو من مظلّي متأهبٍ لإفراغ شحنة عيّارات في جسدك، لكي يستقبلك الناس الطيبون هنا. وهم مثلك نازحون حتى العظم، منذ خمسة عقود. وها أنت بينهم الآن، تأكل العيش والملح والسردين المعلّب. تذكّر هذه اللحظات جيداً.
وقبل هذا الوقت، كنت أنا نازحاً مثلك إلى هناك. الهدف؟. أن نلتقي منير المقدح مسؤول ميليشيا حركة فتح. استقبلنا شابٌ، وقادنا عبر أزقة التفافية ضيقةٍ، إلى أن وصلنا. هاهو المقدح مديراً ظهره إلى الباب، رفقة آخر طليق الذقن. استقبلَنا بحفاوة، ثم أخذنا إلى طابقٍ علويّ. سألته: لم الحاجز اللبناني؟. قال: إنهم يمنعون الممنوعات!. ماذا تقصد؟. حتى المسامير ممنوعة من الدخول إلى المخيم.. قال.
بعد دقائق، كان صوت الأذان ينسابُ بقوّة من النوافذ الجانبية. أسمع خشخشةً. كان الآخر، طليق اللحية، قد افترش سجادته، وأخذ يصلي. سألتُ المقدح مازحاً: هل تصلون؟. قال كلاماً كثيراً، حول فتح التي تضم إليها جميع التوجهات. وعن نفسه، قال إنه مؤمن بالله، وبقدره.
تتهمون بإيواء بعض عناصر القاعدة!. قلت له، فعلق موضحاً: كان هناك بائع "فلافل"، مصريّ الجنسية. جاءنا راغباً مساعدة أهل المخيم. تعلق به أطفال المخيم كثيراً. كان يوزع عليهم الحلوى في الأعياد. فجأة، قصفت محله طائرة أباتشي وطار في الدخان. وقيل ساعتها في وسائل الإعلام، إنه من تنظيم القاعدة. تلك هي الحالة الوحيدة التي رصدناها، ولم تكن بعلم منا.
هل يوجد بينكم تكفيرويون؟. سعت جماعة جند الشام إلى أن تخلق لها حضوراً في المخيم، ولكننا قاومناها. قال، وأضاف: نحن متسامحون ولن نقبل بأي توجه تكفيري يعيش بيننا. امتدّ الحديثُ طويلاً، نحو ساعتين أو أكثر. الأهم، ما قاله عن أن أرض المخيم، رغم مساحتها الصغيرة (حوالي كيلومتر) والكثافة السكانية العالية (حوالي 70000 نسمة)؛ إلا أن بإمكاننا التعرف على أيّ وجهٍ غريب!.










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية