نظراً لأهمية الحوار الجاري على خلفية مقال حازم صاغية (إلى الدولة در) ارتأيت أن أضع التعليقات التي شاركنا فيها جميعاً، نحن: الدكتور عبدالهادي خلف، عادل مرزوق الجمري، علي الجلاوي، عباس المرشد وطيب الذكر (أنا)، (وضعها) في موضوع منفصل على المدونة، وذلك بعد توظيبها ومنتجتها، خصوصاً لجهة سلامة اللغة.
وطبعاً، مسبوقاً كل ذلك بمقال صاغية الذي نال الجزء الأكبر من التعليقات، أو على الأقل، أطلق لها العنان، خصوصاً لجهة استثماره مقولة ماكس فيبر في الدولة "احتكار وسائل العنف"، وطرحها حلاً أمام ما هو جارٍ من عدوان على لبنان.
وأنهي هذه المقدمة، بالإشارة إلى مداخلة الصديق الجلاوي، التي تجدونها تعقب مقال صاغية مباشرة، والتي قد لا تكون منصبة في سياق التعليق على صاغية؛ لأن الإشارة إليه لم تأتِ إلا تالياً، إلا أنها في المجمل تخدم موضوعنا الأساس الذي فتّق كل هذا النقاش، وهو العدوان على لبنان، والسجال الدائر حوله.




إلى الدولة در (؟)
حازم صاغيّة
الحياة - 16/07/06
في موازاة جنون التدمير الذي تُنزله إسرائيل بلبنان، يُستحسن أن نموضع الحرب هذه، ولو اقتصر الأمر على واحد من ملامحها، في تاريخ الحروب مع الدولة العبريّة.
ففي 1948 خاضت المواجهة سبع دول وسبعة جيوش، وفي 1967 خاضتها ثلاث دول، وفي 1973 اقتصرت على دولتين ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وفي 1982 كان الفلسطينيّون واللبنانيّون وحدهم المعنيين بالمسألة. بعد ذاك، صارت تسير المواجهات اللبنانيّة - الاسرائيليّة (1982-2000) في خطّ، وفي خطّ آخر الانتفاضات الفلسطينيّة. أمّا الآن، فطرفا المعركة المباشران إسرائيل وجزء كبير من طائفة لبنانيّة كبرى.
ومسارٌ كهذا يعيدنا الى اللوحة الأشمل بعيداً من اللطم بالنسبة الى «التخلّي العربيّ»، والمفاجأة بـ «انعدام النخوة العربيّة». فـ «العرب» منذ أن صاروا دولاً ومجتمعات، تفرّعت همومهم واختلفت، وإن بقي شطر منها مشتركاً. حتّى الأطراف القوميّة والإسلاميّة والراديكاليّة في الدول تلك كثيراً ما توظّف موضوع الصراع مع إسرائيل لخدمة وصولها الى السلطة في بلدها، أو من أجل تحسين شروطها حيال سلطة البلد المذكور.
وقصارى القول إن لبنان يدفع، بمعنى ما، ثمن عجزه عن اللحاق بالحقيقة العربيّة هذه، وما ارتبط ويرتبط بذاك العجز من إضعاف لدولته. وقد يكون في كلام كهذا بعض الوعظ في ظرف ساخن، بيد أن ذلك لا يردع عن الإشارة الى أن أفق الدولة هو الوحيد الذي كان في وسعه ان يحول دون ما بلغنا اليه، بل عن التوكيد عليه مثنى وثلاثاً.
والدولة، بالمعنى هذا، هي الطرف الذي يحتكر وسائل العنف، والطرف الذي يصوغ السياسة الخارجيّة وقرارات الحروب والسلام. فليس كلّ من استأنس في نفسه بعض القوّة، أو عثر في موقفه على «الحقيقة» و «الموقف الصائب»، جاز له ان يباشر حرباً او سلاماً او علاقات دوليّة خاصّة.
وسنوات لبنان التي أنتجت ازدهاراً وتعليماً واستقراراً هي تلك التي كانت الدولة فيها تملك الامتيازات السياديّة تلك، قياساً بالخيارات المأسويّة التي رأيناها ونراها مع إضعاف الدولة وحملها على الاحتجاب. فهل لنا، وسط هذا البؤس الساطع اليوم، أن نراهن على إعادة انسحاب نحو الدولة وإعادة تسليم لها، أم أن الميل الطاغي الى الحال الحربيّة التي عافها العرب سيبقى الميل المتصدّر، وتبقى معه إسرائيل تُنزل بنا الموت والدمار؟
علي الجلاوي:
لست معنياً بالخطاب البحريني الهامشي بشأن لبنان، فهذه الخطابات تدرك هامشيتها قبل غيرها، لكني لا أراها على أنها "حشر مع الناس"، هي تنفيس عن حالة الاحتقان الشعبي، ولعبة سياسية للقادم أو المستقبل. إنما ما يعنيني أكثر هو تسابق الأحداث، سواء تلك المتعلقة بدعم الموقف اللبناني بمواقف دبلوماسية، أو بتجنب الوقوع في مأزق ماء الكرامة العربية.
إسرائيل تشن حربا أميركية بالوكالة، لعدة أسباب، منها تمكين السياسة الأمريكية في المنطقة، بإعادة فرز القوى والجبهات والتركيز على جبهات معينة، كما حدث مع العراق وأفغانستان، ومنها خلق خارطة قوى جديدة في لبنان، لا لجعل الجيش اللبناني الضعيف شاهد زور كما حدث في المرات السابقة، حين كان واقع في المنطقة النصف على الحدود، حين كانت تعبره "كاتيوشا" الحزب أو الطائرات الإسرائيلية، بل لكي يحمل بطاقة هوية لبنانية لحماية إسرائيل عبر الحدود اللبنانية.
ففي حال فرض سلطة الدولة في الجنوب سيقع جهاز الدولة اللبنانبة في فخ، عند قيام أي مقاومة في لبنان ضد إسرائيل، فالأخيرة ستعتبره اعتداء دولة ذات سيادة على إسرائيل، وهو نفس التبرير السوري، والرد الجاهز لسؤال: لماذا لا تحرك سوريا جبهة الجولان؟.
بعد توقف (الحوار الوطني اللبناني) عند نقطة سلاح حزب الله، وهو ما تطالب به بعض الجهات اللبنانية، وقبل ذلك، هو مطلب أميركي إسرائيلي، أصبح ضرب البنى التحتية وفتح لبنان كجبهة كاملة عاملاً لتمكين حكومة 14 آذار من تفعيل آلة الحوار بشأن نزع سلاح حزب الله من جديد، أقول بعد توقفه أمام قرار حزب الله رفضه نزع السلاح، وبعد تصاعد آلة القصف الإسرائيلي التي لم تدمر المواقع المستهدفة بالكامل، على ما شاهدنا جميعاً من تخريب للجسور والطرق، نجح الإسرائيليون، ليس في تقطيع طرق المواصلات فقط، إنما أيضاً في تقطيع جسد الوحدة الداخلية اللبنانية، وهذا ما نجده في خطاب أكثر الجهات المؤيدة لنزع سلاح حزب الله.
غير أن استغاثة أصحاب الفنادق والمنشآت السياحية لا يعني أبناء الضاحية الفقراء في شيء، وخطاب (الصيف المقدس) لا يعتقد به الفقراء وهم الكثرة، لذلك كان استهداف المنشآت الخدمية كمولدات الكهرباء، والاستمرار بقصف المدنيين لشل الحركة، ورقة جديدة تشعل حقد المدنيين على حزب الله، وتجريمه بمسؤولية التصعيد الحاصل من قبل إسرائيل، مما يجعل من المطالبة بنزع السلاح أمر "عقلائي".
فإسرائيل تعرف أن حارة حريك والمربع الأمني ساقط أمنياً، وقصفه لعبة عرض قوى ورسالة للعامة على تمكن إسرائيل من الوصول إلى حزب الله، وإخلاء الجنوب هو تحديد مناطق الصراع. فلا يمكن لفصيل يحارب بنظام حزب الله أن يخوض حربه في موقع جغرافي محدد، وهذا ما يدركه حزب الله وإسرائيل، لكن حزب الله لا يعد حزباً تنظيمياً فقط، حزب الله تحول إلى فكرة، تسللت إلى دول الخليج والعراق، وحتى الفصائل السنية في فلسطين وخارجها، أصبحت تقيس على نموذج حزب الله نظراً لكونه النموذج الأنجح في التعامل مع الصلف الإسرائيلي. وبذلك فالقضاء على حزب الله العسكري أو التنظيمي لايعني بالضرورة القضاء على حزب الله /الفكرة، وهذا ما يجعل مهمة إسرائيل مستحيلة.
ولعل حزب الله/ الفكرة لا يخضع لشروط الموقع الجغرافي، وهو ما دفع إسرائيل إلى خلق ضغط داخلي، لجعل حزب الله في مأزق، أي محاولة شحن الشارع ضد هذه المفاهيم التي سوّقها حزب الله لأكثر من أربعة وعشرين سنة. ومع وجود التعدد الغير المتجانس في لبنان يجعل باب الطرح القائل بخلق حرب أهلية داخلية كرد إسرائيلي ناجح مرجحا. لست متشائماً ولكني أحاول قراءة المعطيات الواقعية.
حسين مرهون:
لا أختلف مع الصديق علي الجلاوي في شيء، سوى في كون خطابه "خطاب تعبئة"، وهو ربما شيء مطلوب، خصوصاً في هذه الفترة التي يتعرض فيها لبنان وأهل لبنان إلى آلة الدمار الإسرائيلية.
المشكلة بنظري أعقد من "الفكرة الحزبللاهية" التي لا تخضع للشرط الجغرافي –كما يقول-، كما أنها أعقد من أن إسرائيل تشن حرباً أميركية بالوكالة.
هناك جدل محتدم في لبنان، أختصره في نقطتين، الأولى: ما يطلق عليه اللبنانيون "خيار الحرب والسلام" (لمن؟)، والثانية: تتعلق بفكرة "الدولة" نفسها، وليست بالفكرة "الحزبللاهية". وكلا الأمرين متعلقان ببعض.
ومن يقرأ مقال حازم صاغية يوم أمس (الأحد) في الحياة بعنوان "إلى الدولة در"، يجد أنه يقارب مسألة مهمة، تتعلق بما كان قد تحدث عنه ماكس فيبر عند تعريفه للدولة: "احتكار وسائل العنف". الأمر الذي ينعكس حتماً، على مسألة "خيار الحرب والسلام" (لمن؟). للدولة اللبنانية أم لحزب الله!؟ إن كان لحزب الله، فمعنى ذلك، هو "لاوجود لدولة ولايمكن أن يكون هناك وجود لدولة". وإن كان للدولة، فمعنى ذلك، وحسب ما تشي به تعقيدات الساحة اللبنانية، هو "لا وجود لمقاومة، ولا يمكن أن يكون هناك وجود لمقاومة". فكيف نخرج من هذا المعضل!؟ أرجو من الدكتور عبدالهادي خلف أن يفك لنا هذا المعضل بما يتوفر عليه من باع في علم الاجتماع.
عبدالهادي خلف:
لا باع لعلم الاجتماع في هذا المعضل. و لكن بعض أصحابنا، من أتباع ماكس ويبر بخاصة، يدّعون إنه لا بد للدولة الحديثة من احتكار العنف (الشرعي إن شئت). فبدون ذلك الاحتكار ستتوافر لكل شيخ أو أمير أو قبضاي (وتمديداً، لكل تعاضدية صـغُرت أم كبُرت) إمكانيات تدمير الدولة القائمة و إقامة الدولة خاصته(أي عودة إلى مسلسلات عصبية إبن خلدون).
إلا إن الموضوع اللبناني ليس بهذا التبسيط بحسب ما يطرح بعض من أعرف و أحترم (من غير السيد المعتبر حازم صاغية). أي إن الموضوع لا ينحصر في البساطة التحليلية التي تقرر ضرورة إقرار الأطراف (اقرأ حزب الله) بحق الدولة في احتكار العنف.
يقول القائل هنا إن من سيحتكر العنف، في حال لم يتم التوصل غلى إجماع وطني ، لن يكون "الدولة" بل هو طرف آخر. و هذا الطرف، في أحسن الأحوال، سيكون تعاضدية من التعاضديات أو تحالفاً بين بعضها. أما في أسوأ الأحوال فإن هذا الطرف هو إسرائيل من خلف ستار أو من أمامه.
أما خربطات حازم صاغية فلم أقرأها إلا إن من الواضح إنها لم تتحسن عما كانت عليه عام 1979 .
حسين مرهون:
رغم موقف أبو رسول من صاغية، إلا أنني، في المستوى النظري على الأقل ودون أن أسحب ذلك "مؤقتاً" على ما هو جارٍ حالياً في الساحة اللبنانية، أرى وجاهة من نوعٍ ما في كلامه. فمثلاً، والأمثال لا تعارض، من تابع منا قبل العدوان الأخير على لبنان مجريات الحوار الداخلي - اللبناني اللبناني، يجد، وهذه أولى بدهيات الحوار، أن الدولة (الدولة فيما هي جهاز بيروقراطي وعملية عقلانية) واقفة على كف عفريت بانتظار النتائج التي سيتوصل إليها "أمراء الطوائف"!! وهو ما يشي، كما لا يخفى، بتعاظم قوة المجتمع بتركيبته الأكثر بدائية (طوائف) على قوة الدولة.
ورغم أن جزءاً من المشكلة متأتٍ في الأساس من بنية الدولة اللبنانية نفسها القائمة على ما يمكن تسميته تجوّزاً "فيدرالية تعاضديات وطوائف"؛ إلا أن جزءاً من المشكلة، وهو ليس هيناً، متأتٍ من شيء آخر، وهو ما تحدثنا عنه مسبقاً وأشار إليه صاغية في تنويع على المقولة الفيبرية "عدم استكمال الدولة لاحتكار وسائل العنف". من هذه الزاوية يتم طرح مسألة سلاح حزب الله.
وبعيداً عن حسابات أطراف الصراع داخل لبنان، كما وبعيداً عن الحسابات الإقليمية، أو قل السياسية برمتها، إنني أطرح المسألة هكذا في العراء، أي في مستواها النظري، وأشدد على كلمة "نظري"، دون أي شيء آخر.
ودعني أسأل سؤالاً هنا، بمنأى عن لبنان أو غيره، ما هي إمكانية قيام دولة "قوية" في ظل وجود طرف ما محتفظاً بوسائل عنفه الخاصة، لكن مدعوماً بقضية عادلة؟.
إنني أسعى لتقرير المسألة من ناحية نظرية أولاً، ومن ثم العمل ثانياً على تنزيلها في التاريخ والجغرافيا، في السياسة، وهو شيء أعقد بكثير. ولكن لا بأس من المحاولة.
عبدالهادي خلف:
أقولُ، و الله أعلم، في جوابٍ على سؤالك "ما هي إمكانية قيام دولة "قوية" في ظل وجود طرف ما محتفظاً بوسائل عنفه الخاصة" سواء أكان مدعوماً بقضية عادلة أم لا ... إن الجواب هو لاشئ. أي لا توجد إمكانية لقيام هذه الدولة ســواء أكانت قوية أم ناعمة كما يقول أهل العلوم السياسية طالما لم تحتكر العنف المشروع.
و لكن هذا جوابٌ معلقٌ في الهواء أي إنه بمنأى عما ذكرتَه حول "حسابات أطراف الصراع داخل لبنان، كما وبعيداً عن الحسابات الإقليمية، أو قل السياسية برمتها، إنني أطرح المسألة هكذا في العراء، أي في مستواها النظري، وأشدد على كلمة "نظري"، دون أي شيء آخر".
ولكن الأمور لم تكن و ليست و لا تكون أبداً على المستوى النظري فقط أي معلقة في الهواء.
أيُ قارئ مبتدئ، و حصيف، لما كتبه ويبر (فيبر إن شئت) يعرف/تعرف إنه إنما يتحدث عن "نموذج مثالي" آيديال تايب.
وهذا النموذج المثالي الذي يحتوي على كل الخصائص المتوقع وجودها في الطاهرة، هو أداة منهجية...أي إنه لا يوجد ، كاملاً، في الواقع و لا يصح توقع وجوده، كاملاً، في الواقع.
النموذج المثالي للدولة ، عند ويبر ، هو مثل نموذجه المثالي عن البيروقراطية أو عن السلطة (السلطان) إلخ... "مجرد" أدوات منهجية لا أكثر و لكن لا أقل أيضاً، فعلى سبيل المثال، يتصف النموذج المثالي للبيروقراطية بعدة خصائص محددة. إلا إن هذه الخصائص لا تتوافر في كل بيروقراطية في الواقع. و لا نحتاج إلى فرض جميع هذه الخصائص و بالقوة على كل مؤسسة بيروقراطية لكي نشرفها بتسميتها بيروقراطية.
التحدي الذي يواجهه دارسو علم الاجتماع و علم السياسة حين ينطلقون من ويبر هو بالضبط تحديد الكيفيات التي يختلف فيه "كلُ واقعٍ" يدرسونه (بذاته و في إطاره التاريخي المحدد و باعتبار جميع الفاعلين الرئيسيين فيه) عن النموذج المثالي الذي يستندون إليه و ينطلقون منه .و هكذا هو الحال مع ما يتضمنه النموذج المثالي للدولة.
هذا التحدي، في نظري، هو أفضل ما يغري في منهج ويبر. أي تحديد كيفيات تَشّكُل (أو تَمَظْهُر) الظواهر الإحتماعية أو المؤسسات الني ندرسها.
و للعلم بالشئ فأنا لا أدعي إن كل ما قد يقوله صاغية خربطات!.
علي الجلاوي:
إذا فهمنا أن الدولة هي احتكار وسائل العنف، أي ليس العنف كمفهوم بل وسائله، فبذلك نحن نصادر العنف من الأفراد بقمع الحالة الدافعة للعنف، وبذلك هناك حكم مسبق بكون هذا الشعور إنساني، وهذا ما لم نتفق عليه. وبالرجوع للتعريف السابق نجده قاصراً، فوسائل العنف لا تقتصر على السلاح المادي، فالخطاب من وسائل العنف، والسلوك كذلك، وإذا تم الاتفاق مع التعريف السابق، يرد سؤال على ذلك، هل الدولة هي الكيان المنظم الكبير الذي يحتكر العنف، أم الكيان المنظم الصغير الذي يحتكر العنف، مثال: هل السلطة اللبنانية هي الدولة، أم أن حزب الله هو الدولة؟. وبصورة أخرى هل البحرين هي الدولة، أم أن أمريكا بصفتها المتصرف بأوضاع العالم والمحتكر للعنف هي الدولة؟. ما أراه أن هناك دولاً، لكن تتفاوت في مدى سلطتها، لذلك يصبح القول المتداول قول يحمل وجاهة، وهو كون حزب الله دولة داخل دولة.
وبالنسبة إلى مداخلة أبو رسول أقول بالاستناد إلى ردي السابق، بفرض كون مثال أمريكا لدولة تضم الأرض، لاحتكارها العنف، فإن ذلك لم ينف قيام دولة قوية في نفس الوقت، مثل الصين أو إيران، إلا أن الإشكال الوارد هنا مسألة الموقع الجغرافي الواحد، ففرض احتكار أميركا للعنف في مناطق جغرافية مختلفة عن المناطق التي ترفض فيها الصين مثلاً مجال سلطتها واحتكارها للعنف، وهذا الإشكال يصبح عامل تطابق لمثال احتكار حزب الله لمناطق معينة بشأن العنف، في حين تحتكر الدولة العنف في رقعة مختلفة، ولكن سيقع التقاطع في مفهوم الدولة كسيادة، وليس كاحتكار للعنف.
حسين مرهون:
بالنسبة إلى ما أشار إليه الجلاوي حول علاقة العنف بالأفراد وكونه شعوراً إنسانياً، أشير هنا سريعاً، إلى موقف "روسو"، وهو كما نعلم أقدم من فيبر أو "ويبر"، على ما يصر أبو رسول، وهو أيضاً من أوائل من أسسوا فكراً نظريا حول الدولة. وبالرغم من كثير من النقد الذي وجه لاحقاً إلى روسو، إلا أنني أستعين به، للدلالة على أن ما طرحه الجلاوي، في مسألة حق الأفراد في العنف، هو أمر مطروح أيضاً، كإشكالية، وتم الوقوف عندها منذ روسو. وأساس فكرة روسو في الدولة، هو تنازل الأفراد طوعاً عن جزء من حقهم الطبيعي في العنف لصالح دولة قوية. وكما نرى، أن العنف حق من حقوق الفرد في المجتمع، ولكن فكرة الدولة تقوم على التنازل عن جزء من هذا الحق، فيما تعمل الدولة على تصريف هذا العنف ضمن وسائل قنوات، تتأتى من فكرة أخرى هي"التعاقد" أو الدستور. وبناء على العقد الاجتماعي، يتم تصنيف العنف إلى درجات ودركات أولاً، وكيفية تصريفه ثانياً.
ورداً على سؤالك "هل الدولة هي الكيان المنظم الكبير الذي يحتكر العنف، أم الكيان المنظم الصغير الذي يحتكر العنف؟" أقول في الرد، دون كثير من الجزم: إن الدولة هي "الجهاز الأول والأكبر الذي يُنتظر منه أن يحتكر العنف".
أما فيما خص أميركا، فأعتقد يجب التفريق هنا، بين حديثنا عن الدولة، كما أشرت مسبقاً، عاريةً هكذا من أي ساتر، أي في الإطار النظري، وبين شيء آخر، هو "الدولة حين تصبح إمبراطورية" (الدولة/إمبراطورية)، وهنا نكون قد دخلنا إلى السياسة وشروط السياسة مباشرة. وهو ما قلنا إننا نرغب في تأجيل الكلام حوله "مؤقتاً"، ورغم ذلك، ليس هناك مانع من بدء الحديث عنه.
وفي الواقع، لا أدري إن كان يستهويكم الاسترسال في هذا النوع من النقاش، في الوقت الذي تتساقط فيه صواريخ المجرم أولمرت على الضاحية الجنوبية وكل لبنان أم لا!؟.
عبدالهادي خلف:
حقاً هي ضربة تحت الحزام يا ابن مرهون قولك : "لا أدري إن كان يستهويكم الاسترسال في هذا النوع من النقاش، في الوقت الذي تتساقط فيه صواريخ المجرم أولمرت على الضاحية الجنوبية وكل لبنان أم لا".
لا يستهويني الأمر بتاتاً و لكنك أنتَ طرحتَ سؤالاً "تجريدياً" و أردتَ إجابة عليه(وقتها أيضاً كانت صواريخ المجرم أولمرت تتساقط على الضاحية الجنوبية وكل لبنان).
لن أعيدها. أيكفي هذا بدل اعتذار على مشاركتي في إزعاجك؟.
عادل الجمري:
لابد أن حازم صاغية يعرف صديقي العزيز حسين مرهون جيداً، أفترض ذلك من منطلق أنه استخدم أزهى تعريفات الدولة لدى حسين، وهو ما يتعلق باحتكار العنف وتمثيل الدولة من هذا المنطلق والذي ينتصر له شقيقي مرهون في عامة منتوجه. المشكلة في نظري أن العنف واحتكاره من قبل الدولة اعتمادا على منتج "فيبر" البيروقراطي لا يمكن أن يكمل إغلاق الصورة، وعليه كان نموذج "الهيراركية" المرنة، ومن بعدها النظرية الحديثة التي أسقطت "بيروقراطية" فيبر، هما ما يمكن أن نعتمد عليه في تقرير ما إذا كان رأي حازم صاغية كان ذا وجاهة أم لا؟.
المسألة في الحقيقة لمستموها، فحسين ينتصر لحازم على مستوى النظرية وتوظيف حازم لها، وهذا أمر متوقع، واعتراضات "أبو رسول" هي معتبرة كذلك، إذا ما حاولنا تجاوز "بيروقراطية" فيبر المقدرة لدى مرهون.
وعليه، أعتقد أن حازم وظف النظرية عبر مقولتها الكبرى "الدولة تحتكر العنف" بشكل جيد، لكنه توظيف قصير الأمد وغير مكتمل، فليست "الدولة اللبنانية" التي تجاوزنا الحقيقة لنطلق عليها حقيقة "الدولة" في خطاباتنا هي تمثيل حقيقي للدولة لدى ماكس فيبر نفسه. وهذا ما نستطيع الرد به على "حبيبي" صاغية.. فضلا عن التطرق للهيراركية المرنة أو النظرية الحديثة التي نشأت في إنجلترا، والتي طورت أمريكيا في وقت لاحق.
حسين مرهون:
رداً على أبو رسول أقول: بل هو ضرب فوق الحزام!:-) سألت سؤالي ذاك لمعرفة إلى أي مدى نتشارك في أهمية طرق مثل هذا الموضوع، ولم أقصد به أي نوع من أنواع الضرب تحت الحزام. نعم، حين طرحت سؤالي "المجرد" بشأن الدولة كانت صواريخ أولمرت المجرم تهطل على بيروت، ولكن أيضاً، وهذا ما لا يجب أن نغفله، أن أحد الحلول المطروحة لهذه الحرب، هو العودة إلى "الدولة"، وأيضاً في عز هطول صواريخ أولمرت على بيروت. أجاء ذلك على لسان صاغية، وهو صحافي ومثقف، أو على لسان أمير حرب كميشال عون الذي أوكل موقفه إلى موقف "الحكومة".
ومهما اختلفنا مع هذا الطرف أو ذاك، وفي الحقيقة لا بد أن نختلف، أقول مكرراً "إنها وجهة نظر مطروحة"، وهدفي هنا، هو تثمير نوع من التفهمية حيال وجهات نظر نختلف معها؛ لأن البديل عن ذلك، كما أرى وأشاهد، في الأغلب الأعم، هو شعار "هل من ناصر حزب الله.. لبيك يا نصر الله". مع ضرورة التنبيه هنا، إلى أنني لا أقصد أياً من المعاني القدحية حيال رافعي هذا الشعار أو حيال الشعار نفسه، إنما فقط، وأشدد على كلمة "فقط"، محاولة السير في طريق آخر فرعي.
كنت أرمي، بعد سؤالي ذاك "المجرد والتشبيحي" عن الدولة، تقرير حقيقة نظرية، ومن ثم النزول بها إلى أرض الواقع، أي وضعها في التاريخ، والبدء في النقاش حول الدولة اللبنانية ومجاز الدولة اللبنانية والعدوان الجاري. وهنا، ما من شك، ستتضح جلية حقيقة ما تحدثت عنه في ردك بشأن النموذج المثالي "آيديال تايب".
إحدى أهم النقاط المطروحة هنا، هو ما أشار إليه عزمي بشارة في حوار أخير معه في سياق العدوان الحاصل على لبنان، وأصوغ إشارته في السؤال التالي: هل كانت الدولة موجودة وقوية قبل هذا العدوان، ليُصار إلى إيكال الأمر/ الحل إليها؟.
عباس المرشد:
مع تأييدي لكلام أبو رسول عن ماكس فيبر ونماذجه المثالية، فهناك منطقة طالما غفلت عنها الكتابات العربية وتنكرت لها، لما لها من اتصال وثيق بالواقع وسحب النموذج المثالي على أرضية عربية ذات إطار تاريخي وخصائص قومية متداخلة.
مشكلة العرب مع فيبر أنهم عزلوا فيبر عن سياقاته الأوروبية من جهة، ومارسوا معه عملا مخلا بالآداب (ليس ذا عقوبة جناية لسحب حق الترشيح منهم أبديا!) وقت ما اختزلت فكرة الدولة في احتكار العنف. احتكار العنف قد يكون للدولة وقد يكون للقبيلة أو أي طرف يمسك بالسلطة وإحكام القوة والقدرة على التصرف في توزيع الثرورة، أياً كان مسار ذلك التوزيع. لذا فلن يكون فيبر ملهما لحد هذه اللحظة. ما تجاوزه فيبر أنه أوقف احكتار العنف على الشرعية وبالتالي أصبحت المعادلة هكذا: العنف العائد للمجتمع والمتوزع على كافة الأطراف القوية وغير القوية يحتاج إلى بنية تنظيمية له من جهة، ومن جهة ثانية فالقانون المكتوب في جزء منه إكراه وعسف. فمن يحق له تطبيق هذا الجزء؟. هنا تأتي الشرعية المعطاة للدولة كشرط أساسي لاحتكارها وسائل تطبيق القانون الذي هو إكراه في جزء منه وتراضي في جزئه الآخر، أي رضا الناس عنه.
ما يمكن استخلاصه من نظرية فيبر أن القانون يجب أن يصاغ أولا برضا الناس ويوكل جزء الإكراه منه إلى الدولة، أما سائر الإكراهات الأخرى فلم ينظر إليها فيبر ولم يكن مهتما بها ومن ضمنها قرار الحرب والسلم. هذا ما يتعلق بفيبر ونظرية احتكار العنف الشرعي وأشدد على العنف الشرعي وليس أي عنف، كما أشدد أكثر على أن المقصود من العنف الشرعي هو جانب الإكراه في القانون.
عباس المرشد:
كان المطلوب من الفكر العربي وهو يناقش فيبر في مفهومه للعنف والدولة أن يعمد إلى مناقشة أساس نظرية فيبر، وهي الشرعية وذلك لأن الأنظمة العربية قائمة ومؤسسة على احتكار العنف أساسا، وبالتالي فإن الشق المفقود هو الشرعية، كيف هي وما هي دلالاتها في العمل السياسي .
لم يتوصل الفكر العربي حتى الآن لمعني متفق عليه أو مفهوم محدد للشرعية السياسية، وظل حبيس المعنى اللغوي لها أو المعنى المستخرج من الفقه؛ ولكن في الإطار السياسي تبقى الشرعية محل جدل وتطور دائم وفق تعبير هابرماس. فالمعنى المحدد لها يجب أن يكون موضع حوار عمومي يكون المجتمع قادراً على عقده من أجل الوصول إلى الوضع المحدد المحدد للشرعية، لكن عوضاً عن ذلك كله قام الفكر العربي أو الأصح، المثقف العربي بالالتفاف على ذلك وتناول وضع مختلف، هو المشروعية القائمة على الإنجاز الفعلي.
إشارة أخرى إلى تأثيرات فيبر في قلب المفاهيم السياسية؛ إذ منذ افلاطون إلى ميكافيلي كانت النظريات السياسية تقوم بعزل السلطة عن العنف وتؤسس مجالات منفصلة لكل مفهوم على حدة، غير أن ميكافيلي باغت الجميع عندما دمج العنف مع السلطة وأقام بناءه السياسي على أساس العنف واحتكار السلطة. وفي الواقع لقد استعاد فيبر تراث ميكافيلي في احتكاره العنف الشرعي على الدولة عبر وصفة صيدلانية يحدد فيها العنف المطلوب من الدولة، خلافاً لميكافيلي الذي لم يحدد كمية العنف المطلوب في السلطة من أجل الدولة .
مع كل هذا التحديد، فقد عجز فيبر ومن تبعه عن تأصيل الحق في تمرير العنف من خلال السلطة أو العكس ربما، لكون فيبر خلط خلطا غير مقنع بين القوة في القانون وبين العنف الذي هو شطط في استخدام القوة؛ لذا لم يكن عسيراً على النظام النازي استخدام المفهوم الفيبري عن السلطة وعن الدولة واحتكارها للعنف، وهو ماتفعله كثير من الأنظمة ذات الطابع الدكتاتوري حالياً.