استجاب الزميل محمد فاضل، مراسل وكالة الأنباء الفرنسية ومستشار صحيفة "الوقت" البحرينية ومسؤولي المباشر في العمل (يابختي!)، إلى حملة صاحب المداس، أيده الله بنصر من عنده، لتسجيل كلمة، وهي أضعف الإيمان، من أجل أطفال لبنان، وخصّنا بهذا المقال اللذيذ لنشره على المدوّنة. "مداس" يرحب بولد فاضل، ويقول له: بخٍ بخٍ لي بمسؤول مثلك، وهذه ليست رشوة عمل!.
خاص بمداس آية الله- محمد فاضل:
في 11 يوليو وقبل يوم واحد من قيام إسرائيل بعدوانها على لبنان، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية رسالة من والدة جندي تدعى أوريت أغمي إلى رئيس وزراء إسرائيل ايهود اولمرت قالت فيها: "أسدِ لي معروفا يا إيهود، إنسَ العمليات البطولية لاجتياح أعماق مناطق غير معروفة، والتي من المؤكد أنه سيُقتل فيها جنود آخرون، وربما يتم أسر جنود آخرين أحياء، ويبدأ كل شيء من جديد". (رسالة من والدة جندي الى ايهود اولمرت: دع الاستراتيجية للغد – (المستقبل) اللبنانية مترجما عن معاريف 12 يوليو).
هذا منطق إسرائيلية تفكر في اليوم، في اللحظة الراهنة وهي تناشد رئيس وزرائها بالعمل على إطلاق سراح الجندي الأسير في غزة جلعاد شليط. ومن المؤكد أنها لا تعبر عن نفسها وحيدة بل عن جزء كبير من الإسرائيليين أن لم نقل نصفهم. إنها لا توفر النصيحة أيضاً لاولمرت: "لو كنت مكانك لتحدثت مع الشيطان أيضا، ومن يعتقل هذا الشاب ليس الشيطان.. إنهم شباب آخرون في سن العشرين.
هم غاضبون (...) ناقمون، لكنهم أيضا شباب. لو كنت مكانك لدعوتهم إلى مكتبك، لكنت أصدرت نداء عالميا تفيد فيه أنك مستعد للتحدث مع كل واحد في أي وقت، وأن جندينا هو ابننا جميعا وأننا سنفعل كل ما في وسعنا لإعادته".
منطق اليوم واللحظة الراهنة هذا تقابله لدينا تلك الانتقادات التي وجهت إلى حزب الله حول توقيت عملية قتل 8 جنود إسرائيليين واسر اثنين وتكاليفها الباهظة التي لا تزال تترى. وإذ تتحدث والدة الجندي الإسرائيلي عما يتعين على اولمرت أن يفعله اليوم وينسى الإستراتيجية والتهديد، فإن إحصاء الخسائر المترتبة على عملية حزب الله ليس فيه إحالة للإستراتيجية، للغد بل لليوم، على سبيل الجدل والافتراضات النظرية، فإن هذا المنطق يمكن أن يكون صحيحا، لكن مشكلته انه يغفل أمراً جوهرياً: مع من نتعامل؟.
لكن قبل هذا، وفيما كانت إسرائيل تدك مدن غزة ومبانيها على رؤوس العائلات الفلسطينية في عملية "أمطار الصيف"، لم يكن هناك رد فعل يوازي الجرأة المعلنة في الموقف من عملية حزب الله، وكان رد الفعل هو نفسه المعتاد مع كل اجتياح إسرائيلي لغزة أو الضفة الغربية. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أياً كان الطرف الذي يخوضه فلسطينياً، غدا أمراً اعتيادياً تماماً بالنسبة للعرب.
تدمير لبنان بهذه الضراوة ليس اعتياديا، بل انتقاما استثنائيا ينم عن حقد يتجاوز الانتقام لكرامة الجيش الإسرائيلي الذي أهين مرتين في غزة وفي الحدود مع لبنان. لكن من جديد، مع من نتعامل لكي يبدو منطق إحصاء الخسائر المبكر مجانباً للصواب رغم صحته الظاهرية؟. إليكم الجواب من الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي: "في كل حي يوجد شخص كهذا، بلطجي يحظر التحرش به وإثارة غيظه، لكن ماذا لو تم إذلاله؟ في هذه الحالة سيُشهر سكينه".
وماذا إذا بصقت في وجهه؟ سيُشهر مسدسه ويطلق النار في كل الاتجاهات، ليس لأنه غير محق وهو الذي تعرض للإهانة، ولكن رده ليس طبيعيا. المسألة هي أن الجميع يخافونه، إلا أن أحداً لا يحترمه أو يُقدره. الاحترام الحقيقي مُوجَّه تحديدا للأقوياء الذين لا يسارعون إلى استخدام قوتهم فورا. لشدة الأسف، الجيش الإسرائيلي يظهر مرة أخرى مثل بلطجي الحارات: جندي يُختطف في غزة، فتدفع غزة كلها الثمن.
ثمانية جنود يُقتلون واثنان يُختطفان في لبنان فيدفع الثمن لبنان كله. لغة واحدة ووحيدة لدى إسرائيل: لغة القوة». (جدعون ليفي - حرب سلامة إسرائيل ـ (المستقبل) مترجما عن هآرتس ، 17 يوليو). المؤسف هنا أن المعنى الوحيد الباقي من الانتقادات الموجهة لتوقيت عملية أسر الجنديين هو: "لم يكن من الصواب إهانة البلطجي".
الصواب والخطأ حيال إسرائيل يبقى دوما أمرا نسبيا، السبب لا يعود لأي منطق يستخدمه أطراف الجدل، لكن لغياب الخيارات، ليس هناك سوى خيار واحد مفقود: "ماذا نفعل مع إسرائيل؟"، وطالما أن أصحاب كلا المنطقين متفقون أن إسرائيل هي "بلطجي" حارتنا، فإن الخلاف ليس على طبيعة البلطجي بل كيفية التعامل معه.
إن هذا العدوان سيتوقف لا محالة لأن "الحرب التي أعلناها على لبنان تكلفنا من الآن ـ وتكلف لبنان بالطبع ـ ثمنا باهظا" مثلما كتب جدعون ليفي في مقاله ذاك، لكن أحد الأسباب الوجيهة لتوقف الحرب هو الخسائر التي لحقت بإسرائيل نفسها لا بسبب صواريخ حزب الله فحسب بل لأنها فشلت وستفشل في تحقيق أي انجاز من وراء همجية البلطجية هذه.
على مدى عشرة أيام، لم أجد في الصحافة الإسرائيلية سوى هاجس وحيد: الخوف من تكرار سيناريو اجتياح العام 1982. وكان من النادر أن أقرأ مقالا يؤيد هذه الحرب التي تشنها إسرائيل، بل إنني لم أقرأ إطلاقاً شيئاً من هذا، فالإسرائيليون موجوعون ويخافون ويشعرون بالألم. وهذا بالضبط ما يتعين أن يشعر به البلطجي إذا ما تمادى في بلطجته.
أما على جبهتنا نحن، فلنؤجل الحديث عن مصير حزب الله بل الأحرى أن نتركه للبنانيين أنفسهم. وإذا كانت إيران مقلقة بعض الشيء، فعلى العرب أن يقدموا جوابا لا تذمرا فقط. عليهم الآن بتطويق نتائج هذا العدوان دون تردد أو انتظار: إنشاء صندوق لإعادة إعمار لبنان يمكن أن تسهم فيه فوائض أسعار النفط المرتفعة، تزويد لبنان بمنظومة دفاع جوي وتقوية الجيش اللبناني، وتطعيم اللغة الدبلوماسية العربية ببعض المفردات الدالة على الغضب الحقيقي.
المشكلة أن الجميع قد نسي أمراً واحداً: سيستمر الوضع هكذا بين حرب وهدنات قصيرة طالما لم تلتزم إسرائيل بدفع الاستحقاقات المتوجبة عليها، وستبقى هذه الدائرة تدور إلى أن تصل إلى نقطة البدء والمنتهى: فلسطين.
