مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

أطفالٌ.. للحب ليسوا للحرب

دعوة

"أعينونا.. أعانكم الله"

 

       ...الشُّعراء، السرّاد، المثقفون، الفنّانون، الصحافيون، الرسّامون، الحفّارون، الخطّاطون، المصوّرون، المجانين، السُّفهاء، سيّئُو الخلق، الحمقَى، المتطيّرون، الممسوسون، المعتوُهون، المجذُومون، المُفسدون في الأرض، المخرّبون، الخوارج، شذّاذ الآفاق، مُزدوجُو الجِنس، الزنج، الغول، اللَّجَاجُ، القرامطَة، أَخِفَّاء الهَام، سخفاءُ الأَحلام إلخ إلخ أنتم مدعوون جميعاً من دون استثناء، للمساهمة في ملف صاحب المداس من أجل أطفال لبنان وفلسطين.

        الملف سيُنشر على المدوّنة تباعاً، حسبما يتوفّر من مواد، بدءاً من يوم غدٍ الثلاثاء الموافق 1 أغسطس/ آب لغاية آخر رصاصة إسرائيلية تُطلق على لبنان، وسيكون تحت عنوان "أطفالٌ.. للحب ليسوا للحرب".  

        أما الشروط، فلا شيء.. لاشيء، سوى ألاّ تكون المساهمات طويلة.

 

ملحوظة: تُرسل جميع المساهمات على العنوان البريدي التالي:

 

هلع

مدونتنا في ضيافة "الشايجي"

       نشر الزميل راشد غايب من "الأيام" اليوم (الاثنين) تقريراً عن "مدونات شباب البحرين". وأشار من ضمن ما أشار، إلى مقال الزميل حسين خلف (برود القتلة) الذي نشره في مدونتنا، أطال الله في عمرها، وبلّغها إلى سديد مراميها. واختار صورة من المدونة "Screenshot" لتتوسط تقريره وتحلّ عليه خيراً وبركة.
 
شاهد التقرير مصوراً
 

... لو صمت الظواهري!

هيولى الجهاديين: إلى لبنان درْ
 
       الظواهري يُهدّد بأنه لن يقفَ مكتوف اليدين أمام ما يجري من عدوان إسرائيلي على لبنان. هل لبنان ناقص؟. الظواهري، لا يسأل عن الناقص. الظواهري يملأ فقط، وحسبما تفضّل به في إطلالته الأخيرة: إنه يعتبر كل الكؤوس فارغة. وعلى ذلك، فإن العالم، كل العالم ساحة مفتوحة. هكذا قال. وهذا كافٍ لتنشط الخلايا، النائمة منها والصّاحية. وإلى لبنان در!. أين وكيف ومتى وما إذا كان هناك أو كان من المناسب إلخ إلخ، كل تلك الأسئلة ليست أمراً بذي بال عند الرّحّالة "البدويّ" الجديد. الظواهري يفكر في الرّحلة. والرحلة عند البدويّ أغلى من البداوة نفسها. أما العالم، فليس أكثر من ساحة رحلة. قل سيحُوا في الأرض. ويا خيول الله هذا أوانكِ فاركبي!.

الظواهري متوعداًهل يصبح لبنان الجميل؛ حتى بخرابه، ساحة رحلة؟. هل يصبح حاضنة البداوة الجديدة؟. لا أحد يدري، ولكنه في كل الأحوال: ساحة. كان ساحة، وهو ما يزال حتى الآن ساحة، على ما يقول حازم صاغية. وفي الساحة تنوءُ الدولة، وتحضر المعركة. وطوال تاريخ لبنان، منذ استقلاله، مروراًً بحروبه الأهلية؛ وحتى قيامته الرّاهنة، كان ساحة معركة. لكن أن يكون ساحةً للبدو الرّحّل وللباحثين عن غزواتٍ من العهد النبويّ، فهذا ما لم يخبرْه. وبوسع أحدنا، أن يتصور كارثيّة المشهد، في أن يضاف إلى أحمال هذا البلد، وهي كثيرة، حِمْل أن يكون ساحة رحلة. ولكم في سوح الرحّالة السابقين عبرةً. مخيفٌ هذا!.

        مخيفٌ الظواهري. مخيفٌ ما يقول. مخيفٌ لو فَعَل. مخيفٌ أن يتحوّل لبنان إلى ساحة رحلة. مخيفٌ أن تُختصر المشروعيات في هذا البلد المُركّب الهوية، إلى مشروعية واحدة مُستقاة من "فقه الغزوة". وبما أن وجهة الغزوة عند الرحّالة البدو مسألة متعلقة بالماء والكلأ، أكثر من أي شيء آخر، فإنه، وحسب الروشتة الجهادية التي تكفر ثلاثة أرباع العالم (المسيح، اليهود، البُوَذَة، المجوس، الشيعة، السنة غير الجهاديين)، (فإنه) كلّ صاحب "طربوشٍ" في لبنان معرّضٌ إلى أن يكون وجهة غزوة. وليس فقط "الصهاينة والصليبيين" على ما أشار في حديثه المتلفز.

        يقول عبدالباري عطوان إلى إذاعة الـ"بي بي سي": إن خطاب الظواهري جاء بمثابة دعوة للمسلمين: سنةً وشيعة، وللمستضعفين: مسيحاً وملاحدةً،  للوقوف حلفاً واحداً أمام العدوان "الصهيوني المسيحي". لا أعرف كيف استلّ عطوان من خطاب الظواهري هذه "القاعدة"، ولكن بفرض صحتها، لتجرّب القاعدة هذه "القاعدة" في مكان آخر غير لبنان. لتجرّبها في الساحات المفتوحة، ساحات الرّحلة السابقات، وهي كثيرة. فطوال مسيرة القاعدة، وهي مسيرة حافلة ما من شك، كان جندُها "جُندَ الله في المعركة الغلط" على ما يقول عنوان كتاب لفهمي هويدي، لماذا هذه المرة تحديداً سيكونون "جندَ الله في المعركة الصح؟.".

        الظواهري تحدث عن "إمارة" إسلامية من العراق إلى فلسطين، ونأى بها عن لبنان. هل نسى ذلك؟. لا، أجّلها فقط. يبدأُ خيالُ البدويّ بتحديد وجهة الرّحلة، ويجمحُ في تعيين قطافها، وتنتهي بإعلان الإمارة. إمارة على من؟. لا تسأل عن المأمور، اسأل عن الآمر. ففي "الدايالوغ" الجهادي، يحضر الآمر، أمير المؤمنين، أكثر مما يحضر المأمور. يحضر التقديس ممُثّلاً في شخص "الشيخ" أكثر مما تحضر الدنيا. تحضرُ الجماعةُ في فرد، أكثر مما يحضر الفرد في الجماعة، أو الفرد في الفرد. تحضر الكاريزما المُفَدّاة بالشهادة أكثر مما تحضر الذات المُخلّقة بالقانون. وبرغم كلّ ذلك، يقول بوش: إنه غير متفاجيء من الظواهري. لماذا يتفاجأ؟. هل ذهبنا بعيداً؟. إن هذا الشيخ "الصليبي" من ذاك الشيخ "الجهاديّ". ويا لبنان، ذُقْ حكمةَ الشيوخ!.

        وفي الأصْل، انطلقت البداوة الجديدة، بداوة الساحات المفتوحة، من حيث انطلقت بداوة أخرى أسبق وأعمّ، هي العولمة. وكما لا يخفى، أن الأخيرة، في جموحها الإمبريالي، تتقوّم على اعتبار العالم، كل العالم ساحةَ رحلة. بدءاً من رحلة الشركات عابرة القارّات إلى رحلة البوارج الحربيّة. وكما لا يخفى أيضاً، أن البداوة الجديدة، بداوة الظواهري تتقوّم على الشيء نفسه؛ إنما باختلاف الوسائل، جنود الله الرّحّالين عابري القارّات وساحات النصرة المفتوحة. وفي الاثنتين، يقعُ تأمينُ الحكمةِ على الشيوخ، من آلِ بوش وآلِ الظواهري.

        مرّةً أخرى، هل لبنان ناقص؟. ناقصٌ أو زائدٌ، ليس تلك هي المسألة. لا يسألُ الظواهريّ هذا السؤال عادةً كما أسلفنا. المسألة أن هناك ساحة الآن، وهناك الظواهري بخياله البرّيّ المتمدِّد؛ حتى آخر نقطةٍ في الدنيا. لتنطلقْ خيولُ الله!.
 

[ حسين مرهون، هيولى الجهاديين: إلى لبنان در & لو صمت الظواهري!، صحيفة "الوقت"، العدد 160- الأحد 5 رجب1427 هـ -30 يوليو 2006].

 

إهانة البلطجي

استجاب الزميل محمد فاضل، مراسل وكالة الأنباء الفرنسية ومستشار صحيفة "الوقت" البحرينية ومسؤولي المباشر في العمل (يابختي!)، إلى حملة صاحب المداس، أيده الله بنصر من عنده، لتسجيل كلمة، وهي أضعف الإيمان، من أجل أطفال لبنان، وخصّنا بهذا المقال اللذيذ لنشره على المدوّنة. "مداس" يرحب بولد فاضل، ويقول له: بخٍ بخٍ لي بمسؤول مثلك، وهذه ليست رشوة عمل!.

  

خاص بمداس آية الله- محمد فاضل: 

محمد فاضلفي 11 يوليو وقبل يوم واحد من قيام إسرائيل بعدوانها على لبنان، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية رسالة من والدة جندي تدعى أوريت أغمي إلى رئيس وزراء إسرائيل ايهود اولمرت قالت فيها: "أسدِ لي معروفا يا إيهود، إنسَ العمليات البطولية لاجتياح أعماق مناطق غير معروفة، والتي من المؤكد أنه سيُقتل فيها جنود آخرون، وربما يتم أسر جنود آخرين أحياء، ويبدأ كل شيء من جديد". (رسالة من والدة جندي الى ايهود اولمرت: دع الاستراتيجية للغد – (المستقبل) اللبنانية مترجما عن معاريف 12 يوليو).

        هذا منطق إسرائيلية تفكر في اليوم، في اللحظة الراهنة وهي تناشد رئيس وزرائها بالعمل على إطلاق سراح الجندي الأسير في غزة جلعاد شليط. ومن المؤكد أنها لا تعبر عن نفسها وحيدة بل عن جزء كبير من الإسرائيليين أن لم نقل نصفهم. إنها لا توفر النصيحة أيضاً لاولمرت: "لو كنت مكانك لتحدثت مع الشيطان أيضا، ومن يعتقل هذا الشاب ليس الشيطان.. إنهم شباب آخرون في سن العشرين.

        هم غاضبون (...) ناقمون، لكنهم أيضا شباب. لو كنت مكانك لدعوتهم إلى مكتبك، لكنت أصدرت نداء عالميا تفيد فيه أنك مستعد للتحدث مع كل واحد في أي وقت، وأن جندينا هو ابننا جميعا وأننا سنفعل كل ما في وسعنا لإعادته".

        منطق اليوم واللحظة الراهنة هذا تقابله لدينا تلك الانتقادات التي وجهت إلى حزب الله حول توقيت عملية قتل 8 جنود إسرائيليين واسر اثنين وتكاليفها الباهظة التي لا تزال تترى. وإذ تتحدث والدة الجندي الإسرائيلي عما يتعين على اولمرت أن يفعله اليوم وينسى الإستراتيجية والتهديد، فإن إحصاء الخسائر المترتبة على عملية حزب الله ليس فيه إحالة للإستراتيجية، للغد بل لليوم، على سبيل الجدل والافتراضات النظرية، فإن هذا المنطق يمكن أن يكون صحيحا، لكن مشكلته انه يغفل أمراً جوهرياً: مع من نتعامل؟.

        لكن قبل هذا، وفيما كانت إسرائيل تدك مدن غزة ومبانيها على رؤوس العائلات الفلسطينية في عملية "أمطار الصيف"، لم يكن هناك رد فعل يوازي الجرأة المعلنة في الموقف من عملية حزب الله، وكان رد الفعل هو نفسه المعتاد مع كل اجتياح إسرائيلي لغزة أو الضفة الغربية. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أياً كان الطرف الذي يخوضه فلسطينياً، غدا أمراً اعتيادياً تماماً بالنسبة للعرب.

        تدمير لبنان بهذه الضراوة ليس اعتياديا، بل انتقاما استثنائيا ينم عن حقد يتجاوز الانتقام لكرامة الجيش الإسرائيلي الذي أهين مرتين في غزة وفي الحدود مع لبنان. لكن من جديد، مع من نتعامل لكي يبدو منطق إحصاء الخسائر المبكر مجانباً للصواب رغم صحته الظاهرية؟. إليكم الجواب من الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي: "في كل حي يوجد شخص كهذا، بلطجي يحظر التحرش به وإثارة غيظه، لكن ماذا لو تم إذلاله؟ في هذه الحالة سيُشهر سكينه".

        وماذا إذا بصقت في وجهه؟ سيُشهر مسدسه ويطلق النار في كل الاتجاهات، ليس لأنه غير محق وهو الذي تعرض للإهانة، ولكن رده ليس طبيعيا. المسألة هي أن الجميع يخافونه، إلا أن أحداً لا يحترمه أو يُقدره. الاحترام الحقيقي مُوجَّه تحديدا للأقوياء الذين لا يسارعون إلى استخدام قوتهم فورا. لشدة الأسف، الجيش الإسرائيلي يظهر مرة أخرى مثل بلطجي الحارات: جندي يُختطف في غزة، فتدفع غزة كلها الثمن.

ثمانية جنود يُقتلون واثنان يُختطفان في لبنان فيدفع الثمن لبنان كله. لغة واحدة ووحيدة لدى إسرائيل: لغة القوة». (جدعون ليفي - حرب سلامة إسرائيل ـ (المستقبل) مترجما عن هآرتس ، 17 يوليو). المؤسف هنا أن المعنى الوحيد الباقي من الانتقادات الموجهة لتوقيت عملية أسر الجنديين هو: "لم يكن من الصواب إهانة البلطجي".

        الصواب والخطأ حيال إسرائيل يبقى دوما أمرا نسبيا، السبب لا يعود لأي منطق يستخدمه أطراف الجدل، لكن لغياب الخيارات، ليس هناك سوى خيار واحد مفقود: "ماذا نفعل مع إسرائيل؟"، وطالما أن أصحاب كلا المنطقين متفقون أن إسرائيل هي "بلطجي" حارتنا، فإن الخلاف ليس على طبيعة البلطجي بل كيفية التعامل معه.

        إن هذا العدوان سيتوقف لا محالة لأن "الحرب التي أعلناها على لبنان تكلفنا من الآن ـ وتكلف لبنان بالطبع ـ ثمنا باهظا" مثلما كتب جدعون ليفي في مقاله ذاك، لكن أحد الأسباب الوجيهة لتوقف الحرب هو الخسائر التي لحقت بإسرائيل نفسها لا بسبب صواريخ حزب الله فحسب بل لأنها فشلت وستفشل في تحقيق أي انجاز من وراء همجية البلطجية هذه.

        على مدى عشرة أيام، لم أجد في الصحافة الإسرائيلية سوى هاجس وحيد: الخوف من تكرار سيناريو اجتياح العام 1982. وكان من النادر أن أقرأ مقالا يؤيد هذه الحرب التي تشنها إسرائيل، بل إنني لم أقرأ إطلاقاً شيئاً من هذا، فالإسرائيليون موجوعون ويخافون ويشعرون بالألم. وهذا بالضبط ما يتعين أن يشعر به البلطجي إذا ما تمادى في بلطجته.

        أما على جبهتنا نحن، فلنؤجل الحديث عن مصير حزب الله بل الأحرى أن نتركه للبنانيين أنفسهم. وإذا كانت إيران مقلقة بعض الشيء، فعلى العرب أن يقدموا جوابا لا تذمرا فقط. عليهم الآن بتطويق نتائج هذا العدوان دون تردد أو انتظار: إنشاء صندوق لإعادة إعمار لبنان يمكن أن تسهم فيه فوائض أسعار النفط المرتفعة، تزويد لبنان بمنظومة دفاع جوي وتقوية الجيش اللبناني، وتطعيم اللغة الدبلوماسية العربية ببعض المفردات الدالة على الغضب الحقيقي.

        المشكلة أن الجميع قد نسي أمراً واحداً: سيستمر الوضع هكذا بين حرب وهدنات قصيرة طالما لم تلتزم إسرائيل بدفع الاستحقاقات المتوجبة عليها، وستبقى هذه الدائرة تدور إلى أن تصل إلى نقطة البدء والمنتهى: فلسطين.

 

متى نلعب؟

... ثمة مكان ما في أرض المخيم مايزال شاغراً

        اليوم الثامن عشر، التاسع عشر، العشرون، الواحد والعشرون... من الحرب الإسرائيلية المفتوحة، برّاً وبحراً وجوّاً، على لبنان. متى تنتهي الحرب؟. لا أحد يعرف. قالوا: إن كوندو، وما أدراك ما كوندو، سافرت ولن تعود إلا بعد شهر، شهرين، ثلاثة، ستة أشهر.

        لم يعجبها ما قالوه لها في لبنان. وثمن أن يقال لكوندو ما لا يعجبها، غالٍ، غالٍ جداً. مزيداً من موسيقى اللحم البشري.. مزيداً من رائحة شواء الجلود الآدمية. ذهبت ولم تذهب. ذهبت رحمتها، التي أومأت للقذائف: قفي، ولهدير الطائرات: الزم حدّك، وحضرت قسوتها.

        وقسوة كوندو تعني...!. لا، لا يحتاج أن تجهد نفسك كثيراً في معرفة ماذا تعني كوندو. ليس هذا درساً في التأويلية. مدّ ببصرك إلى النافذة من خلفك وشاهد الأمور على حقيقتها. ولكن احذر، إن كنت ضعيف القلب. كلنا لآدم وآدم من تراب. والحقيقة خلف النافذة أشبه بلحظة الخلق الأول، بل هي هي. الأشجار، العصافير، زجل الأطفال في المدارس، ريشة تاج العروس، عاشق في حضن عشيقته، طربوش عتيق، إلخ إلخ، كلها كلها في لحظة التخليق.مدخل عين الحلوة

ما عاد بالإمكان التمييز بين رأس شجرة أرز مقطوعة ورأس طفلة في الثانية من العمر. الأشياء متشابهة حدّ التماهي. وحتى هذه اللحظة، الأمور منطقية تماماً. كوندو لا تلعب.

تقول وكالات الأنباء: إنها تصلي من أجل المدنيين اللبنانيين. هل يعقل ذلك؟. نعم و لا. نعم، لأن كل هذا الخسْف، لا يمكن أن يصدر عن إنسان بأذنين وعينين من دون أن يكون مرتبطاً مع موعدٍ في القدّاس أو جلسة دعاءٍ في المعمودية. ولا، لأن ساعة صلاة كافيةٌ لإذابة جبلٍ من حديدٍ وصوّان، بينما لم تبرهن كوندو، ولا مرة، أنها ذابت من شيء أو لأجل شيء. كوندو لديها خارطة طريق، والهدف أمامها واضحٌ واضح. وإلى أن تحقق هدفها، علينا أن ننصت جيداً إلى صوت دحرجة رؤوس الأطفال وطقطقة الأجساد المصهورة.

        كيف لقلب امرأة أن يحمل كل هذا الكمّ من القسوة؟. وائل الخزاعي: لأنها تحلق شاربيها كل صباح. حسين خلف: لأنها لم تذق طعم مخاض الولادة. عبدالله المحرقي: لأن له وجهاً يشبه وجه البومة. وتقول عجوزٌ نازحة: لأنها قاسية فقط، من دون فلسفةٍ زائدة، وتدلف عائدة إلى الملجأ.

        لكن خولة مطر، التي عايشت القصف أولاً بأول، وحاولت رصْد دقائق التفاصيل التي لا يكترث لها الصحافيون عادة، تتحدث عن شيء آخر. تقول: إن الناجين من القصف هربوا إلى "عين الحلوة"!. هل تقصد "عين الحلوة" تلك التي في صيدا؟. رشاد أبو داوود الفلسطيني حتى آخر قطرة دم: نعم، هي هي. لم أنت مستغرب؟. ذلك حديثٌ آخر.

        الهاربون من القصف تواً، يلوذون بأخوتهم الهاربين من القصف منذ أمدٍ بعيد. لم تعد هناك فوارق جنسيات ولا حدود أوطان. وفي الموت، الهويات واحدة. قبل هذا الوقت، كان الداخل إلى "عين الحلوة" يحتاج إلى إذن دخول مُمضَى من الأمن اللبناني. وقبل هذا الوقت أيضاً، كان يحتاج إلى أن يمرّ على حاجزين، واحدٌ للجيش اللبناني، يتلوه مباشرة حاجزٌ آخرٌ للفصائل الفلسطينية. الأول ضدّ تهريب "الممنوعات!" إلى داخل المخيم، والثاني ضد عيون الجواسيس.

        أما الآن، فلم تعد هناك حاجةٌ إلى كل ذلك. أصبحت الأمور سهلة. يكفي أن تكون مطارداً من طيّارٍ مغيرٍ أو من مظلّي متأهبٍ لإفراغ شحنة عيّارات في جسدك، لكي يستقبلك الناس الطيبون هنا. وهم مثلك نازحون حتى العظم، منذ خمسة عقود. وها أنت بينهم الآن، تأكل العيش والملح والسردين المعلّب. تذكّر هذه اللحظات جيداً.

        وقبل هذا الوقت، كنت أنا نازحاً مثلك إلى هناك. الهدف؟. أن نلتقي منير المقدح مسؤول ميليشيا حركة فتح. استقبلنا شابٌ، وقادنا عبر أزقة التفافية ضيقةٍ، إلى أن وصلنا. هاهو المقدح مديراً ظهره إلى الباب، رفقة آخر طليق الذقن. استقبلَنا بحفاوة، ثم أخذنا إلى طابقٍ علويّ. سألته: لم الحاجز اللبناني؟. قال: إنهم يمنعون الممنوعات!. ماذا تقصد؟. حتى المسامير ممنوعة من الدخول إلى المخيم.. قال.

        بعد دقائق، كان صوت الأذان ينسابُ بقوّة من النوافذ الجانبية. أسمع خشخشةً. كان الآخر، طليق اللحية، قد افترش سجادته، وأخذ يصلي. سألتُ المقدح مازحاً: هل تصلون؟. قال كلاماً كثيراً، حول فتح التي تضم إليها جميع التوجهات. وعن نفسه، قال إنه مؤمن بالله، وبقدره.

        تتهمون بإيواء بعض عناصر القاعدة!. قلت له، فعلق موضحاً: كان هناك بائع "فلافل"، مصريّ الجنسية. جاءنا راغباً مساعدة أهل المخيم. تعلق به أطفال المخيم كثيراً. كان يوزع عليهم الحلوى في الأعياد. فجأة، قصفت محله طائرة أباتشي وطار في الدخان. وقيل ساعتها في وسائل الإعلام، إنه من تنظيم القاعدة. تلك هي الحالة الوحيدة التي رصدناها، ولم تكن بعلم منا.

        هل يوجد بينكم تكفيرويون؟. سعت جماعة جند الشام إلى أن تخلق لها حضوراً في المخيم، ولكننا قاومناها. قال، وأضاف: نحن متسامحون ولن نقبل بأي توجه تكفيري يعيش بيننا. امتدّ الحديثُ طويلاً، نحو ساعتين أو أكثر. الأهم، ما قاله عن أن أرض المخيم، رغم مساحتها الصغيرة (حوالي كيلومتر) والكثافة السكانية العالية (حوالي 70000 نسمة)؛ إلا أن بإمكاننا التعرف على أيّ وجهٍ غريب!.

        يعرف منير المقدح كلّ الوجوه الغريبة. ماذا أيضاً؟. يعرف أن أرض المخيم لا تتسع أزقتها؛ حتى لقامة تابوت يُسجّى عليه الحيُّ إذا مات. وماذا؟. يعرف حتى عن المسمار الذي لا يُسمح لأرض المخيم بأن تتسعَ له!. متى سيعرف أن أرض المخيم صارت كبيرةً كبيرة؟.أسرع، ثمة نازحون على الباب، وثمة الطائرات المغيرة.
 
قلقون على المستقبل

برود القتلة

خَصَّ الزميل الصحافي حسين خلف من "الوقت" مداسنا الشريف، بهذا المقال، مختاراً غريمتنا "كوندوم" ليزا رايس –خسفها الله وقلب عاليها سافلها-، ليصبّ عليها جام غضبه، وذلك لما أطلق عليه "برودتها القاتلة" التي توازي بنظرنا برودتها "الجنسية"، إزاء كرنفال القتل الوحشي الجاري على أهلنا وأحبتنا في لبنان. "مداس" يرحب بابن خلف، ويقول له، شرفت خيمتنا.

  

خاص بمداس آية الله - حسين خلف:

كوندوم ليزا رايس"برود القتلة". كان هذا، هو أكثر ما يميز حركات وسكنات وبسمات وقسمات وثنيات وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس، التي تحدثت عن اللحم الآدمي المشوي في لبنان وصرخات النساء الثواكل والأطفال اليتامي، باعتبار كل ذلك "آلام مخاض" لازمة لولادة شرق أوسط جديد.

الشرق الأوسط الجديد هذا، اختارت سفاكة الدماء أن تكون قابلته القانونية، على حسب وصف صحيفة السفير اللبنانية، زادها الله شرفاً.

         الأحقر في كل ذلك، أن كوندليزا لا تخفي ابتسامتها إذا ما سألها صحافي أو صحافية هنا أو هناك عن آلام بني البشر في لبنان، ترى لماذا لا تخفي ابتسامتها؟.

         تذكرت وأنا أرى تلك الابتسامة المظلمة الباهتة، ابتسامات مماثلة لجلادي التسعينات، العقد المر؛ كلما شكا إنسان يتعذب تحت أيديهم من الآلام التي يعانيها، يبتسمون لأنهم يتيقنون حينها أنهم: نجحوا!.

أيضاً، ربما ابتسمت لأنها تذكرت أنها لم تلقَ مصير مواطناتها من ذوي البشرة السمراء، التي يكتفى باستعمالهن للرقص بالمايوهات في كليبات أغاني البوب لأن "مؤخراتهن كبيرة"، حسبما نقلت النجمة التفلزيونية "أوبرا" في إحدى حلقات برنامجها الشهير.

كوندليزا التي اقتربت من سن اليأس ولم تعرف، بعد، ألما للمخاض، ربما ابتسمت لأنها ربما كانت تعتقد، أنها أوجعت قلب صديقها الإيراني السابق الذي أوجع فراقه لها قلبها، الذي لم يجعلها تعرف معنى المخاض؛ إذ "ربما" كان "عاقراً"، أو ربما كانت هي كذلك، لا فرق عندنا.

مرت فترة طويلة "حاولنا" فيها تفهم الأميركيين، لكننا الآن لا نتفهمهم، بل بتنا "نخاف" من برود القتلة الذي يعلو سحنات مسئوليهم، ونخاف من "صرخات الأطفال" من بين أظافر كوندليزا وأمثالها، كما بتنا لا نتفهم"النيوليبرال"، ولا "النيو سلف"، ولا "النيو بعث"، وبتنا نثق في "المقاومة" وصدقها وإخلاصها حتى النهاية.

طوبى لمداسنا

 
طوبى لمداسنا الشريف. لقد وردت إشارة إليه في "صحيفة الوسط" لهذا اليوم.
 
اتبع الوصلة لمشاهدة المقال 
 

تشي جيفارا "كومماندانت"

... ربما شيء من روح "تشي" ومن إباء "تشي" وإنسانية "تشي" ينقذ أرواحنا من حضارة اليأس التي تجتاحنا في هذه اللحظات العصيبة.
 
تشي غيفارا 
 

Aprendimos a quererte
Desde la histَrica altura
Donde el sol de tu bravura
le puso un cerco a la muerte.

Aqu? se queda la clara
la entraٌable transparencia
De tu querida presencia
Comandante Che Guevara.

Vienes quemando la brisa
Con soles de primavera
Para plantar la bandera
Con la luz de tu sonrisa.

Aqu? se queda la clara
la entraٌable transparencia
De tu querida presencia
Comandante Che Guevara.

Tu amor revolucionario
Te conduce a nueva empresa
Donde espera la firmeza
De tu razَn libertario

Aqu? se queda la clara
la entraٌable transparencia
De tu querida presencia
Comandante Che Guevara

Seguiremos adelante
Como junto a ti seguimos
Y confidente decimos
Hasta siempre Comandante

 

تعلّمنا حبّك
من ارتفاعات التاريخ
عند الشّروق لشجاعتك
ضربت الحصار حتّى الموت

يا محبوبنا،

شفافيّة وجودك
أصبحت واضحةً هنا
تشي جيفارا "كومماندانت" (رائد أنت)

يدك القويّة و العظيمة
تشعل الحرائق في التّاريخ
الكل في العالم
يوقظ لرؤيتك

تجيء تحرق الرّياح
بشموس الرّبيع
لغرس علمك
بضوء ابتسامتك

حبّك الثّوريّ
أنت للألواح الرّصاصيّة مهمّة جديدة
حيث ينتظرون الحزم
لذراعك المحرّر

سنواصل
كما فعلنا معك
و مع "فيدل"، نقول إليك:
حتّى دائمًا،"كومماندانت" (رائد أنت).

"كالسونات" بمقاسات مختلفة: نيو-ليبرال، نيو-بعث ونيو-سلف

كالسونات بكل المقاساتيستفزني بعض الكَتَبَة "المغاوير"، من الدمغتين النيو-ليبرال و النيو–بعث معاً، مضافاً إليهما النيو-سلف، وهي دمغة للتو أفصحت عن نفسها لأول مرة اليوم، في تعليقاتهم "النيو-ساكسية" على المشهد اللبناني.
إذ يبدو، أن موضة "كالسونات" عاملات الجنس، تحظى بقدرة فائقة على الإقناع، لما تتوفر عليه من جاذبية "إيروسية" جهنمية، وإذا ما أخذنا بالحسبان حرّ الصيف اللاّهب ولهيب القصف المجنون المتساقط على أهلنا في لبنان مطراً غزيراً، يصبح الموقف من هذه الموضة إلى التفهم أقرب.

        والحاصل أنه، ومادامت الحال هذه، ليس علينا إلا التماس العذر والأخذ على سبعين محملاً، كل من رأى، أن عملية المقاومة اللبنانية "المغامرة وغير المحسوبة" جلبت كل هذا الخراب إلى لبنان، كائناً من كان، حليق ذقن أو طليق لحية.

        ذلك أن هذا النوع من"الكالسونات"؛ إنما صنع لمثل هذه الأوضاع تحديداً، الاستعاضة عن الجهد البشري والمبتكر في الترغيب الإيروسي، بالجهد الجاهز الذي توفره شركات "الكالسونات" ومن لفّ لفّها.

        وأمام مشهد حزب إرهابي طائفي صفوي رافضي مغامر، فليس هناك ما هو أسهل لرؤية المشهد كاملاً، من تلك الفتحات الواسعة التي تمنحها "كالسونات" عاملات الجنس، التي سبق وأن قلنا في توصيفها، إنها تستر من العورة الجزء الأشد إيروسية، فيما تترك الأجزاء الباقية نهْب عين الناظر.

        وفي جميع الأحوال، ليس هذا ما وددت أن أتوقف عنده؛ لأنني إذا ما أردت مجاراة ذينك الكتبة الحَسَبة، فعليّ أن أتحول من صاحب مداس، إلى صاحب "كالسون"، ولا يرغب في أن يكون الأخير إلا فاجر أو داعر. وهو ما أربأ بنفسي أن أكونه!.

        لذا أترك هذا الموضوع، وأنتقل إلى موضوع آخر ذي صلة، لكنه من ناحية المضمون يرد على آراء النيو-ليبرال والنيو-بعث والنيو-سلف آنفة الذكر، وتحديداً أنتقل إلى شركة صناعة "الكالسونات" الأم، رأس الأفعى، أعني أميركا.

        فأميركا، وعلى لسان وزيرة خارجيتها "كوندوم" ليسا رايس كانت قد صرحت (أمس) برفضها للنداءات الداعية إلى وقف فوري للحرب الإسرائيلية على لبنان، معتبرة أن"وقف إطلاق النار سيكون بمثابة وعد كاذب إذا أعادنا إلى الوضع السابق".

        وقالت "إن مثل هذه الخطوة ستسمح للإرهابيين بشن هجمات في الوقت والظروف التي يختارونها، وبتهديد حياة الأبرياء من عرب وإسرائيليين في المنطقة".

       ووصفت "كوندوم" العدوان الإسرائيلي على لبنان بأنه "آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد".

       الفرنسيون من جهتهم، أكدوا للبنانيين على لسان وزير خارجيتهم فيليب دوست بلازي، ما قالته مدام "كوندوم" أن "الولايات المتحدة رفضت أي قرار بوقف النار، وأن هذا الأمر لن ينضج قبل عشرة أيام، أو أسبوعين على اعتبار أن وقف النار يجب أن يكون مربوطا بحل واضح متكامل من قبل المجتمع الدولي".

        ولم تكد تطير في الهواء كلمات الوزير الفرنسي؛ حتى خرج رئيس الشركة نفسه "الغلام" جوجو بوش اليوم قائلاً إن مسوقة "الكالسونات" وزيرة خارجيته "كوندوم" ستتوجه "إلى المنطقة لبحث أفضل السبل لتسوية الأزمة مع قادتها"، مؤكداً أن الأخيرة "ستؤكد بوضوح أن تسوية هذه الأزمة تقتضي مواجهة المجموعة الإرهابية التي شنت الهجمات والدول التي تدعمها".

       أما الأهم من كل ذلك، والذي يأتي ترجمة فعلية لهذه التصريحات، فهو ما كشفت عنه صحيفة "نيويورك تايمز" اليوم (السبت) عن أن "الولايات المتحدة ستسرع من إرسال قنابل موجهة دقيقة إلى إسرائيل التي طلبت تسريع الشحنة الأسبوع الماضي بعد بدء عملياتها العسكرية في لبنان".

  ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين في الشركة لم تكشف أسماءهم أن "قرار تسريع إرسال الأسلحة إلى إسرائيل اتخذ بعد نقاش قصير داخل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش".

        وحسبما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) من تفاصيل حول الموضوع، فإن "صفقة الشراء تخول إسرائيل شراء نحو مائة قنبلة جي بي يو-28  من الولايات المتحدة وهي قنابل موجهة بالليزر تزن 2268 كلغم ومصممة لتدمير التحصينات. كما تنص الصفقة على شراء إسرائيل ذخيرة موجهة بالأقمار الصناعية".

       ونقلت عن مصادر قريبة لم تكشف هوياتهم قولهم "إن طلب إسرائيل بتسريع إرسال القنابل الموجهة بالأقمار الصناعية والليزر، غير عادي ويدل على أن إسرائيل لديها قائمة طويلة بالأهداف التي تنوي ضربها في لبنان".

       قلت، قبل أن آتي على سرد هذه المعلومات، بأن الموضوع الذي أنا بصدده يشكل جزءاً من الرد على أصحاب "كالسونات" عاملات الجنس من النيو-ليبرال والنيو-بعث والنيو-سلف (عليهم لعنة الله وملائكته أجمعين)، ولا يتبقى إلا أن نسأل صاحب كلّ عقيرة، المنكوبين على صيف لبنان ويتامى قحاب الليل:  أبعد هذا، ما زلتم مصدقين أن أسر جنديين، هو سبب إطلاق كل هذا الخراب على لبنان؟.

البحرين تدخل على خط المواجهة

 حقويه!؟
أمريكا توافق على صفقة صواريخ للبحرين قيمتها 42 مليون دولار
 
صورة أرشيفية لوزير الدفاع البحريني نائب القائد العام مجتمعاً مع نائب قائد المشاة البحرية الأميركي الفريق مايكل هايج بمعية السفير الأميركي مونروواشنطن 22 يوليو/ تموز – رويترز:  قالت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون إنها وافقت على أن تبيع 180 صاروخا طراز جافلين من إنتاج مشروع مشترك بين شركتي لوكهيد مارتن كورب وريثيون إلى البحرين في صفقة تصل قيمتها إلى 42 مليون دولار.

    وقالت وكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة للبنتاجون في إشعار إلزامي إلى الكونجرس أن "البحرين طلبت شراء الصواريخ و60 وحدة إطلاق وأجهزة محاكاة ومعدات أخرى في إطار جهد متواصل لتحديث قواتها المسلحة".

    وأمام الكونجرس 30 يوما لعرقلة الصفقة رغم أن هذا أمر نادر الحدوث.

    وقالت الوكالة الأمريكية "إن صواريخ جافلين ستوفر لقوات البحرين البرية دفاعات مضادة للمدرعات يعتمد عليها وتساعد في تحسين قدرة القوات الأمريكية والبحرينية على القتال معا".

عن جغرافيا الخراب في "الضاحية الجنوبية"

* إلى زينب شوربة، باسم حديب والشيخ فضل مخدّر.

 

... وفي اليوم الثاني عشر من القصف الجوي والبحري والبرّي، وهذه لازمة اعتمدتها صحيفة السفير اللبنانية في إطلالتها اليومية على مشهد الدمار العميم الذي ضرب لبنان، أقف بدايةً عند ما غمز لي فيه الزميل حسام أبو إصبع، فيما يتعلق بجغرافيا الضاحية التي تحدثت عنها في مقالي الأخير "الطريق إلى الضاحية الجنوبية" وكيف أنها، كما كتب، بعد سُوَيْعات قليلة من نشر المقال، غدت تاريخ جغرافيا.

ولا شيء عندي أرد به عليه، غير إضافة بسيطة أزيد بها على ما قال، بأن بنايتين سكنيتين على الأقل، من تلك التي أقمت فيها في ساعةٍ من يوم من سنة، شاهدتهما من على شاشة التلفاز رماداً. وواحدة منهما في "برج البراجنة" التي قالت وكالات الأنباء، قبل أربعة أيام فقط، بأنها استقبلت لوحدها ما زنتُه 23 طناً من قذائف الطائرات المغيرة (برافو أولمرت!).
 وليس هذا هو المهم، المهم هو أنني وغيري، وفيما نحيا على ذكرى طللٍ تركناه خلفنا هنا أو هناك، يحيا سكان الضاحية على طللٍ من نوعٍ آخر، ذكرى أحبةٍ قَضَوا في الجحيم الكوني، أو تحت الأنقاض، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً. وأبلغ ما قرأته في هذا الشأن رسالة نشرتها "بلوغر" لبنانية على مدوّنتها على الإنترنت في غفلةٍ من الطائرات المغيرة: "المسألة قَدَرِيّة. القذائف تصل الأطفال في الملاجيء... وهكذا يشعر الإنسان أنّ بقاءه حيٌّ محض صدفة. إذا جاءت القذيفة جاءت، وإن لم تأتِ فذلك مجرد صدفة". (ولا تعليق!).
أكتب مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة عن الضاحية الجنوبية، لأن جميع من كتبوا ويكتبون وسيكتبون عن جغرافيا الخراب، كتبوا ويكتبون وسيكتبون عن بيروت: بيروت السوليدير، بيروت مونو، بيروت الحمراء، بيروت الرملة البيضاء، وقِسْ على ذلك. وليس عندي أدنى شك، أن ربيع جابر الذي كتب ثلاثة أجزاء عن "بيروت مدينة العالم" لن تنتهي هذه الحرب؛ إلا وأضاف إليها جزءاً رابعاً. كما أن ريشار مييّه الذي كتب "مدينة كان اسمها بيروت" وترجمه عبده وازن، ما يزال أمامه وقتٌ كثيرٌ ليكتب ويُترجَمُ له، عن كفّ بيروت الذي تُقرأُ فيه كل الأقدار.
لكنّ أحداً لن يكتب عن بيروت الضاحية، ولا عن أهل الضاحية الطيّبين والفقراء حتى الموت مللاً. أما صيف لبنان "الذي ضاع"، واستُدِرّت لأجله الدموعُ غزيرةً من عيون الكتبة والندّابين والحَسَبَة، فلا يطال ولن يطال خيرُه الضاحية ولا أهل الضاحية من قريب أو بعيد، كما أشار إلى ذلك قبل أيام الزميل عباس المرشد. وهو ما يعني أن تظلّ عقارب الساعة في بئر عبد والمشرفية وبئر حسن والرويس وبرج البراجنة والأوزاعي والليلكي وحي السُّلم وشارع جاموس، قبل الحرب وبعدها، هي هي، قبل عشرين عاماً إلى الوراء أو أبعد، كما وعد بذلك وأوفى رئيس الأركان (جيش الدفاع) المجرم حالوتس. 
ثم أنني حتى الآن، وهذا لعله الأهم من بين عديد الدوافع التي تستحثني على الكتابة عن الضاحية وأهل الضاحية، مازلت غير قادر على وضْع أدنى تصور عمّا يمكن أن تكون قد انتهت إليه خارطة هذا المكان الأكثر بؤساً وحرماناً، بعد كل هذا الكم من القصف وهذا الكم من الحديد المغلي الذي صُبّ ببرود أعصاب على رؤوس سكّانها. 
علي الأمين، من صحيفة "النهار" اللبنانية المصنفة ضمن مصفوفة 14 آذار، أشار قبل أيام في مقالٍ له، إلى أن تركيز الطائرات المغيرة على استهداف الضاحية، راجعٌ إلى مكانتها الرمزية عند محازبي المقاومة اللبنانية. وهو لم يستبعد أن يقوم جيش الدفاع بإجراء إنزال رمزي في مستوى رمزية المكان، لالتقاط بعض الصور التذكارية، ذكرى "جميلة" لإيقاعه أبلغ الأذى بالمكان الأكثر استعصاءً، قبل اجتياح بيروت 1982 وبعده.

وإلى أن يتمكن جيش الدفاع من التقاط بعض الصور التذكارية "الجميلة"، فإن على سكان الضاحية أن يدرّبوا أعينهم جيداً على مشاهدة مزيدٍ من موسيقى اللحم البشري ورائحة شواء الجلود الآدمية المتطايرة غدراً، براً وجواً وبحراً، على مرأى ومسمع من العالم "الحر". (يا للكوميديا الإلهية!).

أما العالم "غير الحر" الذي ما يزال يتحدث عن "مغامرات" فلا لوم ولا تثريب عليه، لأنه إذا ما أُريد له لوماً، فيجب أن يبدأ من "المغامرة" الأكبر، من حيث لم يُنجِز لشعوبه الحد الأدنى من "المواطنة" بعد عقود الاستقلال من الهيمنة الأجنبية، مستعيضاً عن ذلك بتعميق الفوارق والتعاضديات الإثنية والطائفية. فتلك هي المغامرة، وتلك هي المخاطرة، والأنكى في كل ذلك: "إنها محسوبة ومدروسة".

روبرت فيسك، الصحافي البريطاني المرموق، كتب مؤخراً في "الإندبندنت" من الميدان عن قائمة أهداف "إرهابية" شاهدها مدمرة في الضاحية وأطرافها: "مبنى سكني قرب كنيسة، جسور مكسورة وطرقات مليئة بالحفر، محطة توليد الكهرباء"، جميعها كما قال ساخراً أهداف "إرهابية". ومع ذلك، يضيف "عندما توجهت بسيارتي إلى مقر قيادة حزب الله، وهو مبنى مرتفع في حارة حريك، كان سليماً تماماً".

 والحاصل، إنني أخشى أن تخذل الجغرافيا فيسك، كما خذلت كاتب هذه السطور في الإسبوع الماضي، حينما اطمأننت "مؤقتاً" إلى أن الخراب لم يطل سوى "المربع الأمني"، فإذا بالتالي من الأيام يقول لي "لخولة أطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ". وهو مايدعوني إلى أن أنبه فيسك لئلاّ يطمئن كثيراً إلى أن ما شاهده قبل أيام سليما، هو هو نفسه ما سيشاهده لو ذهب اليوم أو غداً. وإلا فليسأل حسام أبو إصبع!.
 

جزع نبوي

 

ماذا تستمعين؟ العالم أبكم

  

مَن يكسر عين مَن؟

تصوير: حسين المحروس
 
تصوير: حسين المحروس
 

§        جانب من مسيرة جرت في البحرين اليوم 21/7/2006 أمام السفارة الأميركية، احتجاجاً على الموقف الأميركي من الحرب على لبنان.

"كالسونات" مبدئية

       نشرت إحدى الزميلات من حَمَلة الألوية البعثية بياناً اليوم (الخميس) في صحيفة "أخبار الخليج" أقلّ ما يُمكنُ قوله عنه: إنه أشبه بـ"الكالسونات" التي ترتديها عاملات الجنس "القحاب". تستر من العورة الجزء الأشد إيروسية، فيما تترك الأجزاء الباقية نهْب عين الناواحد من الكالسونات المبدئيةظر. عسى أن يرغب فيبادر بنفسه إلى كشْف الجزء المستور، وكلُّ شيءٍ بثمنه.

         وفي هذا البيان "الساكسي" العتيد أعادت الكاتبة ترداد المعزوفة النيو/ ليبرالية، التي درجت منذ أسر القوات الأميركية لطويل الذكر –بكسر وتشديد الذال أو بفتحها!- المهيب الركن صدام، على التسفيه بها ومقارعتها: "توقيت عمليتي حماس وحزب الله، موسم الصيف الجميل، أجندة إيران "الصفوية"، ميزان القوى غير المتكافئ".

        وهي في كل هذا العزْف، الآتي برسْم قومي قوموي  قومجي... اختر ما شئت، لم تنسَ أن تغرغر بيانها، كما جرت عادتها دائماً في المواقف الأشد مبدئيّة، بنُتَفِ شهادات من هنا وهناك، غير أن إحداها هذه المرة مستقاة من صحيفة إسرائيلية (هآرتس). ربّ حكمةٍ أسداها إليك عدوك! عشنا ويا ما حنشوف!

هل قصد قاسم حداد حسن نصر الله؟

قاسم حداد(...)
اسمعْ،

يا أكثر من شخص

وأقل قليلا من شعب

إلى أين تأخذك هذه الجنة الضائعة

لا أحد يصغي إلى نحيبك

ولا أحد يحرك الحجر المعلق على كبدك مثل مقصلة.

اسمعْ،

تحضن شهية الناس

والطغاة يعبثون بك مثل الفجيعة

حشرات غامضة تغدر بأجمل كائناتك

كعشيقة تتفلت في نار الفتنة،

لم يعد لهذه المدينة صوتٌ يكرز لها سواك

يا جسداً مفتوناً بدمه

 

لماذا تصاب بوحشة الفقد

وتسلم قيادك لفروة الغراب

ها أنت في الأرجوحة

بين ضباع مشغوفة بلحمك

وثعالب تسوس غزلانك لئلا تخطئ الفخاخ،

 

فاسمعْ

 

(...)

ما من عاصمة إلا وسمعتْ هذا الدم الفاتن

ما من عاصمة إلا واحتقنت بغصة الثاكل

ما من عاصمة إلا واكتظت بفرائس الغدر

ما من عاصمة إلا وسهرت في ضلالة قنديلك

ما من عاصمة إلا وجدلت حبلا لزينة المشنقة

ما من عاصمة إلا واتصلت بوليمة الشراك

ما من عاصمة إلا وأنضجت طحينها في تنور قلبك

ما من عاصمة إلا وصقلت حديدها على كاحلك

ما من عاصمة إلا وخالجتها ضغينة الفقد

فما من أمل

وما من يأس.
 
الشاعر قاسم حداد

... ويا حرب أكرهك!

 

هذا هو الليل التاسع، ولا أمل حتى الآن في تقلص آلة الخراب. نيويورك تايمز، أشارت اليوم إلى أن هذا الخراب قد يستمر لأسبوع آخر، بمباركة رب البيت الأميركي (يا ساتر يا رب!).

ومن بين كل الأفرقاء اللبنانيين، كان ميشال عون وحده الأكثر اتساقاً في تصريحاته، بل والأكثر شجاعة. أحدس بأنه في قرارة نفسه لا يؤمن بالكثير مما قاله، ولكنه تصرف بمسؤولية كبيرة. صرت أحبه، ولا أدري ما إذا كان سيفعل شيئاً في المستقبل يجعلني أكرهه عليه.

وليد بيك؟. قيل كلامٌ كثيرٌ، ومن اللبنانيين أنفسهم، عنه وعن مزاجيته، وليس لديّ شيءٌ أضيفه على ما قيل، لكنني أكتفي، والحال منهارة، بالسؤال التالي: "لماذا لايضع له شعراً اصطناعياً، فصلعته مزعجة؟.".

أما جعجع، فقد بدا مشغولاً في لقائه الأخير بالبيان الوزاري، وما إذا كان قد حوى تفويضاً للمقاومة أو لا، أكثر من انشغاله بـ"الزرازير" الذين يُسحلون يومياً، منذ بدء الحصار، في جنوب لبنان. ليست لديه مشكلة، فما دامت "مدام ستريدا" قد احتفظت له بكل هذا الجمال؛ حتى بعد السنين الطويلة التي قضاها بعيداً عنها في "أبو زعبل"، فإنه في حلٍّ الآن من أن يهتم أو يقلق راحته بأي شيء آخر، عداها طبعاً. عاشت مدام ستريدا للحكيم، ولا بأس لو ذهبت بعد ذلك؛ حتى "الأشرفية" (وهو مكان يعرفه جيداً) إلى الجحيم.

أما بالنسبة إلى الدول العربية، فكان موقف السعودية، هو الأكثر "قحوبية" من بين عديد المواقف الصادرة، ولا أملك أمام ذلك إلا أن أقول مع طلال سلمان "لو أجلت المملكة عتابها"، مضافاً عليه من عندي "لو" (؟). وعلى منوال السعودية جاءت تصريحات سعد الحريري، وليس عندي تعليق عليه، لأنه لا يستطيع أن يقول غير ما قاله.

جلالة مملكتنا، تركت الأقوال، وبدأت بالأفعال، بالإعلان عن صندوق لدعم إعمار لبنان، وهو شيء طيب، ولكن وزير خارجيتنا "الدب" (لماذا لا يعمل ريجيم أتكنز!؟) أعاد اليوم تكرار المعزوفة العنترية التي جرت على لسان مليكه الشيخ حمد، فيما خص "العمليات غير المحسوبة وغير المدروسة". ومع عبدالهادي خلف أقول، بشرفي، ليعطنا ثلاثة خيارات لعمليات محسوبة ومدروسة؛ حتى نوصلها (وأبو رسول تكفل بذلك) لأهلنا في لبنان وفلسطين.

وأختم كلامي، بعد أن اطمأننت على كل أصدقائي اللبنانيين، في الضاحية خصوصاً، الذين استطعت أخيراً ربط خط اتصال معهم، بالصلاة لهم، أن يحفظهم الله، يحفظ لبنان، شعب لبنان، كل لبنان. ويا حرب أكرهك!.
 

أحن إلى خبز أمي

يا يسوع: لبنان موجوع.. يا محمد: لبنان مُهدّد

 

... سيمتدُّ هذا الحصارُ

إلى أن يحسّ المُحاصِرُ

مثل المُحاصَر

بأنّ الضجرْ

صفةٌ من صفاتِ البشرْ!.

 

من ديوان (حالة حصار)

للشاعر الفلسطيني محمود درويش
 

ذهول

 

عناق

 
 

حوارات على هامش سيل الدم

       نظراً لأهمية الحوار الجاري على خلفية مقال حازم صاغية (إلى الدولة در) ارتأيت أن أضع التعليقات التي شاركنا فيها جميعاً، نحن: الدكتور عبدالهادي خلف، عادل مرزوق الجمري، علي الجلاوي، عباس المرشد وطيب الذكر (أنا)، (وضعها) في موضوع منفصل على المدونة، وذلك بعد توظيبها ومنتجتها، خصوصاً لجهة سلامة اللغة.
      وطبعاً، مسبوقاً كل ذلك بمقال صاغية الذي نال الجزء الأكبر من التعليقات، أو على الأقل، أطلق لها العنان، خصوصاً لجهة استثماره مقولة ماكس فيبر في الدولة "احتكار وسائل العنف"، وطرحها حلاً أمام ما هو جارٍ من عدوان على لبنان.
      وأنهي هذه المقدمة، بالإشارة إلى مداخلة الصديق الجلاوي، التي تجدونها تعقب مقال صاغية مباشرة، والتي قد لا تكون منصبة في سياق التعليق على صاغية؛ لأن الإشارة إليه لم تأتِ إلا تالياً، إلا أنها في المجمل تخدم موضوعنا الأساس الذي فتّق كل هذا النقاش، وهو العدوان على لبنان، والسجال الدائر حوله.
 

عباس المرشد

علي الجلاوي

عادل الجمري

عبدالهادي خلف

 
 
 
 
 
 
 
 
إلى الدولة در (؟)

حازم صاغيّة  

   الحياة     - 16/07/06
في موازاة جنون التدمير الذي تُنزله إسرائيل بلبنان، يُستحسن أن نموضع الحرب هذه، ولو اقتصر الأمر على واحد من ملامحها، في تاريخ الحروب مع الدولة العبريّة.

ففي 1948 خاضت المواجهة سبع دول وسبعة جيوش، وفي 1967 خاضتها ثلاث دول، وفي 1973 اقتصرت على دولتين ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وفي 1982 كان الفلسطينيّون واللبنانيّون وحدهم المعنيين بالمسألة. بعد ذاك، صارت تسير المواجهات اللبنانيّة - الاسرائيليّة (1982-2000) في خطّ، وفي خطّ آخر الانتفاضات الفلسطينيّة. أمّا الآن، فطرفا المعركة المباشران إسرائيل وجزء كبير من طائفة لبنانيّة كبرى.

ومسارٌ كهذا يعيدنا الى اللوحة الأشمل بعيداً من اللطم بالنسبة الى «التخلّي العربيّ»، والمفاجأة بـ «انعدام النخوة العربيّة». فـ «العرب» منذ أن صاروا دولاً ومجتمعات، تفرّعت همومهم واختلفت، وإن بقي شطر منها مشتركاً. حتّى الأطراف القوميّة والإسلاميّة والراديكاليّة في الدول تلك كثيراً ما توظّف موضوع الصراع مع إسرائيل لخدمة وصولها الى السلطة في بلدها، أو من أجل تحسين شروطها حيال سلطة البلد المذكور.

وقصارى القول إن لبنان يدفع، بمعنى ما، ثمن عجزه عن اللحاق بالحقيقة العربيّة هذه، وما ارتبط ويرتبط بذاك العجز من إضعاف لدولته. وقد يكون في كلام كهذا بعض الوعظ في ظرف ساخن، بيد أن ذلك لا يردع عن الإشارة الى أن أفق الدولة هو الوحيد الذي كان في وسعه ان يحول دون ما بلغنا اليه، بل عن التوكيد عليه مثنى وثلاثاً.

والدولة، بالمعنى هذا، هي الطرف الذي يحتكر وسائل العنف، والطرف الذي يصوغ السياسة الخارجيّة وقرارات الحروب والسلام. فليس كلّ من استأنس في نفسه بعض القوّة، أو عثر في موقفه على «الحقيقة» و «الموقف الصائب»، جاز له ان يباشر حرباً او سلاماً او علاقات دوليّة خاصّة.

وسنوات لبنان التي أنتجت ازدهاراً وتعليماً واستقراراً هي تلك التي كانت الدولة فيها تملك الامتيازات السياديّة تلك، قياساً بالخيارات المأسويّة التي رأيناها ونراها مع إضعاف الدولة وحملها على الاحتجاب. فهل لنا، وسط هذا البؤس الساطع اليوم، أن نراهن على إعادة انسحاب نحو الدولة وإعادة تسليم لها، أم أن الميل الطاغي الى الحال الحربيّة التي عافها العرب سيبقى الميل المتصدّر، وتبقى معه إسرائيل تُنزل بنا الموت والدمار؟

علي الجلاوي:
       لست معنياً بالخطاب البحريني الهامشي بشأن لبنان، فهذه الخطابات تدرك هامشيتها قبل غيرها، لكني لا أراها على أنها "حشر مع الناس"، هي تنفيس عن حالة الاحتقان الشعبي، ولعبة سياسية للقادم أو المستقبل. إنما ما يعنيني أكثر هو تسابق الأحداث، سواء تلك المتعلقة بدعم الموقف اللبناني بمواقف دبلوماسية، أو بتجنب الوقوع في مأزق ماء الكرامة العربية.

        إسرائيل تشن حربا أميركية بالوكالة، لعدة أسباب، منها تمكين السياسة الأمريكية في المنطقة، بإعادة فرز القوى والجبهات والتركيز على جبهات معينة، كما حدث مع العراق وأفغانستان، ومنها خلق خارطة قوى جديدة في لبنان، لا لجعل الجيش اللبناني الضعيف شاهد زور كما حدث في المرات السابقة، حين كان واقع في المنطقة النصف على الحدود، حين كانت تعبره "كاتيوشا" الحزب أو الطائرات الإسرائيلية، بل لكي يحمل بطاقة هوية لبنانية لحماية إسرائيل عبر الحدود اللبنانية.

        ففي حال فرض سلطة الدولة في الجنوب سيقع جهاز الدولة اللبنانبة في فخ، عند قيام أي مقاومة في لبنان ضد إسرائيل، فالأخيرة ستعتبره اعتداء دولة ذات سيادة على إسرائيل، وهو نفس التبرير السوري، والرد الجاهز لسؤال: لماذا لا تحرك سوريا جبهة الجولان؟.

        بعد توقف (الحوار الوطني اللبناني) عند نقطة سلاح حزب الله، وهو ما تطالب به بعض الجهات اللبنانية، وقبل ذلك، هو مطلب أميركي إسرائيلي، أصبح ضرب البنى التحتية وفتح لبنان كجبهة كاملة عاملاً لتمكين حكومة 14 آذار من تفعيل آلة الحوار بشأن نزع سلاح حزب الله من جديد، أقول بعد توقفه أمام قرار حزب الله رفضه نزع السلاح، وبعد تصاعد آلة القصف الإسرائيلي التي لم تدمر المواقع المستهدفة بالكامل، على ما شاهدنا جميعاً من تخريب للجسور والطرق، نجح الإسرائيليون، ليس في تقطيع طرق المواصلات فقط، إنما أيضاً في تقطيع جسد الوحدة الداخلية اللبنانية، وهذا ما نجده في خطاب أكثر الجهات المؤيدة لنزع سلاح حزب الله.

        غير أن استغاثة أصحاب الفنادق والمنشآت السياحية لا يعني أبناء الضاحية الفقراء في شيء، وخطاب (الصيف المقدس) لا يعتقد به الفقراء وهم الكثرة، لذلك كان استهداف المنشآت الخدمية كمولدات الكهرباء، والاستمرار بقصف المدنيين لشل الحركة، ورقة جديدة تشعل حقد المدنيين على حزب الله، وتجريمه بمسؤولية التصعيد الحاصل من قبل إسرائيل، مما يجعل من المطالبة بنزع السلاح أمر "عقلائي".

        فإسرائيل تعرف أن حارة حريك والمربع الأمني ساقط أمنياً، وقصفه لعبة عرض قوى ورسالة للعامة على تمكن إسرائيل من الوصول إلى حزب الله، وإخلاء الجنوب هو تحديد مناطق الصراع. فلا يمكن لفصيل يحارب بنظام حزب الله أن يخوض حربه في موقع جغرافي محدد، وهذا ما يدركه حزب الله وإسرائيل، لكن حزب الله لا يعد حزباً تنظيمياً فقط، حزب الله تحول إلى فكرة، تسللت إلى دول الخليج والعراق، وحتى الفصائل السنية في فلسطين وخارجها، أصبحت تقيس على نموذج حزب الله نظراً لكونه النموذج الأنجح في التعامل مع الصلف الإسرائيلي. وبذلك فالقضاء على حزب الله العسكري أو التنظيمي لايعني بالضرورة القضاء على حزب الله /الفكرة، وهذا ما يجعل مهمة إسرائيل مستحيلة.

        ولعل حزب الله/ الفكرة لا يخضع لشروط الموقع الجغرافي، وهو ما دفع إسرائيل إلى خلق ضغط داخلي، لجعل حزب الله في مأزق، أي محاولة شحن الشارع ضد هذه المفاهيم التي سوّقها حزب الله لأكثر من أربعة وعشرين سنة. ومع وجود التعدد الغير المتجانس في لبنان يجعل باب الطرح القائل بخلق حرب أهلية داخلية كرد إسرائيلي ناجح مرجحا. لست متشائماً ولكني أحاول قراءة المعطيات الواقعية.

 

حسين مرهون:

لا أختلف مع الصديق علي الجلاوي في شيء، سوى في كون خطابه "خطاب تعبئة"، وهو ربما شيء مطلوب، خصوصاً في هذه الفترة التي يتعرض فيها لبنان وأهل لبنان إلى آلة الدمار الإسرائيلية.

        المشكلة بنظري أعقد من "الفكرة الحزبللاهية" التي لا تخضع للشرط الجغرافي –كما يقول-، كما أنها أعقد من أن إسرائيل تشن حرباً أميركية بالوكالة.

        هناك جدل محتدم في لبنان، أختصره في نقطتين، الأولى: ما يطلق عليه اللبنانيون "خيار الحرب والسلام" (لمن؟)، والثانية: تتعلق بفكرة "الدولة" نفسها، وليست بالفكرة "الحزبللاهية". وكلا الأمرين متعلقان ببعض.

        ومن يقرأ مقال حازم صاغية يوم أمس (الأحد) في الحياة بعنوان "إلى الدولة در"، يجد أنه يقارب مسألة مهمة، تتعلق بما كان قد تحدث عنه ماكس فيبر عند تعريفه للدولة: "احتكار وسائل العنف". الأمر الذي ينعكس حتماً، على مسألة "خيار الحرب والسلام" (لمن؟). للدولة اللبنانية أم لحزب الله!؟ إن كان لحزب الله، فمعنى ذلك، هو "لاوجود لدولة ولايمكن أن يكون هناك وجود لدولة". وإن كان للدولة، فمعنى ذلك، وحسب ما تشي به تعقيدات الساحة اللبنانية، هو "لا وجود لمقاومة، ولا يمكن أن يكون هناك وجود لمقاومة". فكيف نخرج من هذا المعضل!؟ أرجو من الدكتور عبدالهادي خلف أن يفك لنا هذا المعضل بما يتوفر عليه من باع في علم الاجتماع.

 

عبدالهادي خلف:

        لا باع لعلم الاجتماع في هذا المعضل. و لكن بعض أصحابنا، من أتباع ماكس ويبر بخاصة، يدّعون إنه لا بد للدولة الحديثة من احتكار العنف (الشرعي إن شئت). فبدون ذلك الاحتكار ستتوافر لكل شيخ أو أمير أو قبضاي (وتمديداً، لكل تعاضدية صـغُرت أم كبُرت) إمكانيات تدمير الدولة القائمة و إقامة الدولة خاصته(أي عودة إلى مسلسلات عصبية إبن خلدون).

        إلا إن الموضوع اللبناني ليس بهذا التبسيط بحسب ما يطرح بعض من أعرف و أحترم (من غير السيد المعتبر حازم صاغية). أي إن الموضوع لا ينحصر في البساطة التحليلية التي تقرر ضرورة إقرار الأطراف (اقرأ حزب الله) بحق الدولة في احتكار العنف.

        يقول القائل هنا إن من سيحتكر العنف، في حال لم يتم التوصل غلى إجماع وطني ، لن يكون "الدولة" بل هو طرف آخر. و هذا الطرف، في أحسن الأحوال، سيكون تعاضدية من التعاضديات أو تحالفاً بين بعضها. أما في أسوأ الأحوال فإن هذا الطرف هو إسرائيل من خلف ستار أو من أمامه.

        أما خربطات حازم صاغية فلم أقرأها إلا إن من الواضح إنها لم تتحسن عما كانت عليه عام 1979 .

 

حسين مرهون:

        رغم موقف أبو رسول من صاغية، إلا أنني، في المستوى النظري على الأقل ودون أن أسحب ذلك "مؤقتاً" على ما هو جارٍ حالياً في الساحة اللبنانية، أرى وجاهة من نوعٍ ما في كلامه. فمثلاً، والأمثال لا تعارض، من تابع منا قبل العدوان الأخير على لبنان مجريات الحوار الداخلي - اللبناني اللبناني، يجد، وهذه أولى بدهيات الحوار، أن الدولة (الدولة فيما هي جهاز بيروقراطي وعملية عقلانية) واقفة على كف عفريت بانتظار النتائج التي سيتوصل إليها "أمراء الطوائف"!! وهو ما يشي، كما لا يخفى، بتعاظم قوة المجتمع بتركيبته الأكثر بدائية (طوائف) على قوة الدولة.

        ورغم أن جزءاً من المشكلة متأتٍ في الأساس من بنية الدولة اللبنانية نفسها القائمة على ما يمكن تسميته تجوّزاً "فيدرالية تعاضديات وطوائف"؛ إلا أن جزءاً من المشكلة، وهو ليس هيناً، متأتٍ من شيء آخر، وهو ما تحدثنا عنه مسبقاً وأشار إليه صاغية في تنويع على المقولة الفيبرية "عدم استكمال الدولة لاحتكار وسائل العنف". من هذه الزاوية يتم طرح مسألة سلاح حزب الله.

        وبعيداً عن حسابات أطراف الصراع داخل لبنان، كما وبعيداً عن الحسابات الإقليمية، أو قل السياسية برمتها، إنني أطرح المسألة هكذا في العراء، أي في مستواها النظري، وأشدد على كلمة "نظري"، دون أي شيء آخر.

        ودعني أسأل سؤالاً هنا، بمنأى عن لبنان أو غيره، ما هي إمكانية قيام دولة "قوية" في ظل وجود طرف ما محتفظاً بوسائل عنفه الخاصة، لكن مدعوماً بقضية عادلة؟.

        إنني أسعى لتقرير المسألة من ناحية نظرية أولاً، ومن ثم العمل ثانياً على تنزيلها في التاريخ والجغرافيا، في السياسة، وهو شيء أعقد بكثير. ولكن لا بأس من المحاولة.

 

عبدالهادي خلف:

        أقولُ، و الله أعلم، في جوابٍ على سؤالك "ما هي إمكانية قيام دولة "قوية" في ظل وجود طرف ما محتفظاً بوسائل عنفه الخاصة" سواء أكان مدعوماً بقضية عادلة أم لا ... إن الجواب هو لاشئ. أي لا توجد إمكانية لقيام هذه الدولة ســواء أكانت قوية أم ناعمة كما يقول أهل العلوم السياسية طالما لم تحتكر العنف المشروع.

        و لكن هذا جوابٌ معلقٌ في الهواء أي إنه بمنأى عما ذكرتَه حول "حسابات أطراف الصراع داخل لبنان، كما وبعيداً عن الحسابات الإقليمية، أو قل السياسية برمتها، إنني أطرح المسألة هكذا في العراء، أي في مستواها النظري، وأشدد على كلمة "نظري"، دون أي شيء آخر".

        ولكن الأمور لم تكن و ليست و لا تكون أبداً على المستوى النظري فقط أي معلقة في الهواء.

        أيُ قارئ مبتدئ، و حصيف، لما كتبه ويبر (فيبر إن شئت) يعرف/تعرف إنه إنما يتحدث عن "نموذج مثالي" آيديال تايب.

        وهذا النموذج المثالي الذي يحتوي على كل الخصائص المتوقع وجودها في الطاهرة، هو أداة منهجية...أي إنه لا يوجد ، كاملاً، في الواقع و لا يصح توقع وجوده، كاملاً، في الواقع.

        النموذج المثالي للدولة ، عند ويبر ، هو مثل نموذجه المثالي عن البيروقراطية أو عن السلطة (السلطان) إلخ... "مجرد" أدوات منهجية لا أكثر و لكن لا أقل أيضاً، فعلى سبيل المثال، يتصف النموذج المثالي للبيروقراطية بعدة خصائص محددة. إلا إن هذه الخصائص لا تتوافر في كل بيروقراطية في الواقع. و لا نحتاج إلى فرض جميع هذه الخصائص و بالقوة على كل مؤسسة بيروقراطية لكي نشرفها بتسميتها بيروقراطية.

        التحدي الذي يواجهه دارسو علم الاجتماع و علم السياسة حين ينطلقون من ويبر هو بالضبط تحديد الكيفيات التي يختلف فيه "كلُ واقعٍ" يدرسونه (بذاته و في إطاره التاريخي المحدد و باعتبار جميع الفاعلين الرئيسيين فيه) عن النموذج المثالي الذي يستندون إليه و ينطلقون منه .و هكذا هو الحال مع ما يتضمنه النموذج المثالي للدولة.

        هذا التحدي، في نظري، هو أفضل ما يغري في منهج ويبر. أي تحديد كيفيات تَشّكُل (أو تَمَظْهُر) الظواهر الإحتماعية أو المؤسسات الني ندرسها.

        و للعلم بالشئ فأنا لا أدعي إن كل ما قد يقوله صاغية خربطات!.

 

علي الجلاوي:

        إذا فهمنا أن الدولة هي احتكار وسائل العنف، أي ليس العنف كمفهوم بل وسائله، فبذلك نحن نصادر العنف من الأفراد بقمع الحالة الدافعة للعنف، وبذلك هناك حكم مسبق بكون هذا الشعور إنساني، وهذا ما لم نتفق عليه. وبالرجوع للتعريف السابق نجده قاصراً، فوسائل العنف لا تقتصر على السلاح المادي، فالخطاب من وسائل العنف، والسلوك كذلك، وإذا تم الاتفاق مع التعريف السابق، يرد سؤال على ذلك، هل الدولة هي الكيان المنظم الكبير الذي يحتكر العنف، أم الكيان المنظم الصغير الذي يحتكر العنف، مثال: هل السلطة اللبنانية هي الدولة، أم أن حزب الله هو الدولة؟. وبصورة أخرى هل البحرين هي الدولة، أم أن أمريكا بصفتها المتصرف بأوضاع العالم والمحتكر للعنف هي الدولة؟. ما أراه أن هناك دولاً، لكن تتفاوت في مدى سلطتها، لذلك يصبح القول المتداول قول يحمل وجاهة، وهو كون حزب الله دولة داخل دولة.

        وبالنسبة إلى مداخلة أبو رسول أقول بالاستناد إلى ردي السابق، بفرض كون مثال أمريكا لدولة تضم الأرض، لاحتكارها العنف، فإن ذلك لم ينف قيام دولة قوية في نفس الوقت، مثل الصين أو إيران، إلا أن الإشكال الوارد هنا مسألة الموقع الجغرافي الواحد، ففرض احتكار أميركا للعنف في مناطق جغرافية مختلفة عن المناطق التي ترفض فيها الصين مثلاً مجال سلطتها واحتكارها للعنف، وهذا الإشكال يصبح عامل تطابق لمثال احتكار حزب الله لمناطق معينة بشأن العنف، في حين تحتكر الدولة العنف في رقعة مختلفة، ولكن سيقع التقاطع في مفهوم الدولة كسيادة، وليس كاحتكار للعنف.

 

حسين مرهون:

        بالنسبة إلى ما أشار إليه الجلاوي حول علاقة العنف بالأفراد وكونه شعوراً إنسانياً، أشير هنا سريعاً، إلى موقف "روسو"، وهو كما نعلم أقدم من فيبر أو "ويبر"، على ما يصر أبو رسول، وهو أيضاً من أوائل من أسسوا فكراً نظريا حول الدولة. وبالرغم من كثير من النقد الذي وجه لاحقاً إلى روسو، إلا أنني أستعين به، للدلالة على أن ما طرحه الجلاوي، في مسألة حق الأفراد في العنف، هو أمر مطروح أيضاً، كإشكالية، وتم الوقوف عندها منذ روسو. وأساس فكرة روسو في الدولة، هو تنازل الأفراد طوعاً عن جزء من حقهم الطبيعي في العنف لصالح دولة قوية. وكما نرى، أن العنف حق من حقوق الفرد في المجتمع، ولكن فكرة الدولة تقوم على التنازل عن جزء من هذا الحق، فيما تعمل الدولة على تصريف هذا العنف ضمن وسائل قنوات، تتأتى من فكرة أخرى هي"التعاقد" أو الدستور. وبناء على العقد الاجتماعي، يتم تصنيف العنف إلى درجات ودركات أولاً، وكيفية تصريفه ثانياً.

        ورداً على سؤالك "هل الدولة هي الكيان المنظم الكبير الذي يحتكر العنف، أم الكيان المنظم الصغير الذي يحتكر العنف؟" أقول في الرد، دون كثير من الجزم: إن الدولة هي "الجهاز الأول والأكبر الذي يُنتظر منه أن يحتكر العنف".

        أما فيما خص أميركا، فأعتقد يجب التفريق هنا، بين حديثنا عن الدولة، كما أشرت مسبقاً، عاريةً هكذا من أي ساتر، أي في الإطار النظري، وبين شيء آخر، هو "الدولة حين تصبح إمبراطورية" (الدولة/إمبراطورية)، وهنا نكون قد دخلنا إلى السياسة وشروط السياسة مباشرة. وهو ما قلنا إننا نرغب في تأجيل الكلام حوله "مؤقتاً"، ورغم ذلك، ليس هناك مانع من بدء الحديث عنه.

        وفي الواقع، لا أدري إن كان يستهويكم الاسترسال في هذا النوع من النقاش، في الوقت الذي تتساقط فيه صواريخ المجرم أولمرت على الضاحية الجنوبية وكل لبنان أم لا!؟.

 

عبدالهادي خلف:

        حقاً هي ضربة تحت الحزام يا ابن مرهون قولك : "لا أدري إن كان يستهويكم الاسترسال في هذا النوع من النقاش، في الوقت الذي تتساقط فيه صواريخ المجرم أولمرت على الضاحية الجنوبية وكل لبنان أم لا".

        لا يستهويني الأمر بتاتاً و لكنك أنتَ طرحتَ سؤالاً "تجريدياً" و أردتَ إجابة عليه(وقتها أيضاً كانت صواريخ المجرم أولمرت تتساقط على الضاحية الجنوبية وكل لبنان).

        لن أعيدها. أيكفي هذا بدل اعتذار على مشاركتي في إزعاجك؟.

 

عادل الجمري:

        لابد أن حازم صاغية يعرف صديقي العزيز حسين مرهون جيداً، أفترض ذلك من منطلق أنه استخدم أزهى تعريفات الدولة لدى حسين، وهو ما يتعلق باحتكار العنف وتمثيل الدولة من هذا المنطلق والذي ينتصر له شقيقي مرهون في عامة منتوجه. المشكلة في نظري أن العنف واحتكاره من قبل الدولة اعتمادا على منتج "فيبر" البيروقراطي لا يمكن أن يكمل إغلاق الصورة، وعليه كان نموذج "الهيراركية" المرنة، ومن بعدها النظرية الحديثة التي أسقطت "بيروقراطية" فيبر، هما ما يمكن أن نعتمد عليه في تقرير ما إذا كان رأي حازم صاغية كان ذا وجاهة أم لا؟.

        المسألة في الحقيقة لمستموها، فحسين ينتصر لحازم على مستوى النظرية وتوظيف حازم لها، وهذا أمر متوقع، واعتراضات "أبو رسول" هي معتبرة كذلك، إذا ما حاولنا تجاوز "بيروقراطية" فيبر المقدرة لدى مرهون.

        وعليه، أعتقد أن حازم وظف النظرية عبر مقولتها الكبرى "الدولة تحتكر العنف" بشكل جيد، لكنه توظيف قصير الأمد وغير مكتمل، فليست "الدولة اللبنانية" التي تجاوزنا الحقيقة لنطلق عليها حقيقة "الدولة" في خطاباتنا هي تمثيل حقيقي للدولة لدى ماكس فيبر نفسه. وهذا ما نستطيع الرد به على "حبيبي" صاغية.. فضلا عن التطرق للهيراركية المرنة أو النظرية الحديثة التي نشأت في إنجلترا، والتي طورت أمريكيا في وقت لاحق.

 

حسين مرهون:

        رداً على أبو رسول أقول:  بل هو ضرب فوق الحزام!:-) سألت سؤالي ذاك لمعرفة إلى أي مدى نتشارك في أهمية طرق مثل هذا الموضوع، ولم أقصد به أي نوع من أنواع الضرب تحت الحزام. نعم، حين طرحت سؤالي "المجرد" بشأن الدولة كانت صواريخ أولمرت المجرم تهطل على بيروت، ولكن أيضاً، وهذا ما لا يجب أن نغفله، أن أحد الحلول المطروحة لهذه الحرب، هو العودة إلى "الدولة"، وأيضاً في عز هطول صواريخ أولمرت على بيروت. أجاء ذلك على لسان صاغية، وهو صحافي ومثقف، أو على لسان أمير حرب كميشال عون الذي أوكل موقفه إلى موقف "الحكومة".

        ومهما اختلفنا مع هذا الطرف أو ذاك، وفي الحقيقة لا بد أن نختلف، أقول مكرراً "إنها وجهة نظر مطروحة"، وهدفي هنا، هو تثمير نوع من التفهمية حيال وجهات نظر نختلف معها؛ لأن البديل عن ذلك، كما أرى وأشاهد، في الأغلب الأعم، هو شعار "هل من ناصر حزب الله.. لبيك يا نصر الله". مع ضرورة التنبيه هنا، إلى أنني لا أقصد أياً من المعاني القدحية حيال رافعي هذا الشعار أو حيال الشعار نفسه، إنما فقط، وأشدد على كلمة "فقط"، محاولة السير في طريق آخر فرعي.

        كنت أرمي، بعد سؤالي ذاك "المجرد والتشبيحي" عن الدولة، تقرير حقيقة نظرية، ومن ثم النزول بها إلى أرض الواقع، أي وضعها في التاريخ، والبدء في النقاش حول الدولة اللبنانية ومجاز الدولة اللبنانية والعدوان الجاري. وهنا، ما من شك، ستتضح جلية حقيقة ما تحدثت عنه في ردك بشأن النموذج المثالي "آيديال تايب".

        إحدى أهم النقاط المطروحة هنا، هو ما أشار إليه عزمي بشارة في حوار أخير معه في سياق العدوان الحاصل على لبنان، وأصوغ إشارته في السؤال التالي: هل كانت الدولة موجودة وقوية قبل هذا العدوان، ليُصار إلى إيكال الأمر/ الحل إليها؟.

 

عباس المرشد:        

مع تأييدي لكلام أبو رسول عن ماكس فيبر ونماذجه المثالية، فهناك منطقة طالما غفلت عنها الكتابات العربية وتنكرت لها، لما لها من اتصال وثيق بالواقع وسحب النموذج المثالي على أرضية عربية ذات إطار تاريخي وخصائص قومية متداخلة.
        مشكلة العرب مع فيبر أنهم عزلوا فيبر عن سياقاته الأوروبية من جهة، ومارسوا معه عملا مخلا بالآداب (ليس ذا عقوبة جناية لسحب حق الترشيح منهم أبديا!) وقت ما اختزلت فكرة الدولة في احتكار العنف. احتكار العنف قد يكون للدولة وقد يكون للقبيلة أو أي طرف يمسك بالسلطة وإحكام القوة والقدرة على التصرف في توزيع الثرورة، أياً كان مسار ذلك التوزيع. لذا فلن يكون فيبر ملهما لحد هذه اللحظة. ما تجاوزه فيبر أنه أوقف احكتار العنف على الشرعية وبالتالي أصبحت المعادلة هكذا: العنف العائد للمجتمع والمتوزع على كافة الأطراف القوية وغير القوية يحتاج إلى بنية تنظيمية له من جهة، ومن جهة ثانية فالقانون المكتوب في جزء منه إكراه وعسف. فمن يحق له تطبيق هذا الجزء؟. هنا تأتي الشرعية المعطاة للدولة كشرط أساسي لاحتكارها وسائل تطبيق القانون الذي هو إكراه في جزء منه وتراضي في جزئه الآخر، أي رضا الناس عنه.
        ما يمكن استخلاصه من نظرية فيبر أن القانون يجب أن يصاغ أولا برضا الناس ويوكل جزء الإكراه منه إلى الدولة، أما سائر الإكراهات الأخرى فلم ينظر إليها فيبر ولم يكن مهتما بها ومن ضمنها قرار الحرب والسلم. هذا ما يتعلق بفيبر ونظرية احتكار العنف الشرعي وأشدد على العنف الشرعي وليس أي عنف، كما أشدد أكثر على أن المقصود من العنف الشرعي هو جانب الإكراه في القانون.
 
عباس المرشد:

 

كان المطلوب من الفكر العربي وهو يناقش فيبر في مفهومه للعنف والدولة أن يعمد إلى مناقشة أساس نظرية فيبر، وهي الشرعية وذلك لأن الأنظمة العربية قائمة ومؤسسة على احتكار العنف أساسا، وبالتالي فإن الشق المفقود هو الشرعية، كيف هي وما هي دلالاتها في العمل السياسي .

لم يتوصل الفكر العربي حتى الآن لمعني متفق عليه أو مفهوم محدد للشرعية السياسية، وظل حبيس المعنى اللغوي لها أو المعنى المستخرج من الفقه؛ ولكن في الإطار السياسي تبقى الشرعية محل جدل وتطور دائم وفق تعبير هابرماس. فالمعنى المحدد لها يجب أن يكون موضع حوار عمومي يكون المجتمع قادراً على عقده من أجل الوصول إلى الوضع المحدد المحدد للشرعية، لكن عوضاً عن ذلك كله قام الفكر العربي أو الأصح، المثقف العربي  بالالتفاف على ذلك وتناول وضع مختلف، هو المشروعية القائمة على الإنجاز الفعلي.

إشارة  أخرى إلى تأثيرات فيبر في قلب المفاهيم السياسية؛ إذ منذ افلاطون إلى ميكافيلي كانت النظريات السياسية تقوم بعزل السلطة عن العنف وتؤسس مجالات منفصلة لكل مفهوم على حدة، غير أن ميكافيلي باغت الجميع عندما دمج العنف مع السلطة وأقام بناءه السياسي على أساس العنف واحتكار السلطة. وفي الواقع لقد استعاد فيبر تراث ميكافيلي في احتكاره العنف الشرعي على الدولة عبر وصفة صيدلانية يحدد فيها العنف المطلوب من الدولة، خلافاً لميكافيلي الذي لم يحدد  كمية العنف  المطلوب في السلطة من أجل الدولة .

مع كل هذا التحديد، فقد عجز فيبر ومن تبعه عن تأصيل الحق في تمرير  العنف من خلال السلطة أو العكس ربما، لكون فيبر خلط خلطا غير مقنع بين القوة في القانون وبين العنف الذي هو شطط في استخدام القوة؛ لذا لم يكن عسيراً على النظام النازي استخدام المفهوم الفيبري عن السلطة وعن الدولة واحتكارها للعنف، وهو ماتفعله  كثير من الأنظمة ذات الطابع الدكتاتوري حالياً.

أخيراً.. اتفقنا

  في الاتفاق قوة    

        كنا قد تحدثنا هنا من على منبر "مداس" –طيب الله أرضاً وطأها و خيلاً امتطاها- عن "الوزير الشاعر"، السيد ولد السادة، وكيف أنه أول من أدخل الشعر (وهذا يحسب له ما من شك!) في خطة الحكومة الرامية إلى القضاء على البطالة. وكل ذلك تحت شعار "شعرنة القطاع الخاص".

        وها هو الزميل هشام الزياني من "الوطن" يطرق اليوم الباب نفسه، وبالعناوين نفسها، مضافاً إليها قليلاً من "الاضطغان" مأتاهُ أن الوزير الشاعر صاحب "خلفية" معارضة (لماذا لا يغفرون له!؟).

        ورغم أنه، أي الزياني، من ذوي "الولاء الخالص" –وهذه بالمناسبة ليست سُبّة-، على عكسنا نحن، ذوي "العمالات الخالصة" – وهذه كما لا يخفى السُّبّة كلها-؛ إلا أنه أجاد رسْم اللوحة وتزييتها. ولست أدري إن كان قد مرّ على "مداسنا"، طيب الذكر، أم أن الأمر متعلق بإلهام خالص. على أي حال ليس هذا هو المهم، المهم، هو بلوغنا إلى اتفاق، ولو مرة، مع ذوي الولاء والطاعة. وهذه حسنة!.  

 

مليكنا ما عنده سالفة!

       مليكنا غاضب. محروق ومتأهب. ويطالب بإيقاف فوري –ركزوا على فوري!- "للعمليات العسكرية في لبنان وغزة". خير إن شاء الله!.

       قال شو قال بدو "دبلوماسية"!. ما قلنا لك روح نام يا عمي. ليش حارق أعصابك انته أصلاً؟.

ملك البحرين يشدد على ضرورة إيقاف العمليات العسكرية في لبنان

تحذيرات مليكنا "الأجل" فيما لا ناقة له فيه ولا جمل

مليكنا ما عنده سالفة

      في أول تعليق لها على العدوان الإسرائيلي على لبنان، حذّرت السعودية من "مغامرات بعض العناصر في لبنان غير المحسوبة". ومثلها، حذّرت مصر، ببلاغة مختلفة من "انجراف المنطقة إلى مغامرات لا تخدم المصالح العربية". أما الأردن، فقد حذت حذو الأخيرة، النعل بالنعل والقذّة بالقذّة.  

      ... وكل ذلك مفهوم، فالأولى، أي السعودية، صاحبة "يد بيضاء" على لبنان وكل الخير في لبنان. والثانية، أي مصر، صاحبة مركز تاريخي وجغرافي، يجعل منها طرفاً، وهي لا يمكن أن تكون إلا طرفاً، في كل عملية "حل" و"ربط" تجري في الشرق الأوسط. أما الأخيرة، أي الأردن، فهي صاحبة جوار جغرافي، يمكن القول عنه على سبيل الاستعارة، إن الرصاصة في جنوب لبنان يمكن أن يُسمع صداها في عمّان.
       قلنا، إن كل ذلك مفهوم ونزيد عليه من عندنا: معقول (وكل شيء معقول في هذا الزمن!)، لكن الذي ليس مفهوماً ولا معقولاً ولا حتى "مبلوعاً"، هو مانقلته وكالة أنباء البحرين (بنا) أمس (السبت) عن مليكنا (أيده الله بنصر من عنده!) قوله "نقف ضد كل ما من شأنه تعريض لبنان وسيادته إلى مخاطر غير محسوبة”. وهي بلاغة جديدة، كما لا يخفى، تختلف عن تلك السعودية والمصرية والأردنية. فمليكنا (لا فض له فاه ولا مست أناه) تحدث عن "مخاطر"، أما من قبله فقد تحدثوا عن "مغامرات". (وبين "مخاطر" و"مغامرات"، كما يعرف حتماً أولو اللغة وطويلو اللسان، فرق واحد، فالأولى جمع تكسير ممنوع من الصرف، والثانية جمع مؤنث سالم).
       العتب على مليكنا، ونعرف أن له من الصدر بحراً، ما يتسع لهذا النقد الطفيف الآتي من لدن مواطن وطني "نظيف" (أي وطنية يا حلو؟. وين نصرفها؟.)، "العتب" لأنه اختار لنفسه تعبيراً "متعتعاً، مكسوراً" لا سوق "نصرفه" فيها، ولا حتى في دكانة "حجي علي”.

    - روح نام يا عمي.. "حِلْ عنّا" على قولة اللبنانيين.    

 

الطريق إلى "الضاحية الجنوبية"

صورة جوية إلى بيروت

الطائرات الإسرائيلية تحلق بكثافة في سماء بيروت. متى ذلك؟. أمس، أول من أمس، اليوم، غداً، لكن ادعُ الله ألاّ يستمر ذلك إلى بعد غدٍ. ماذا تفعل؟. تغير على الضاحية الجنوبية. كل الضاحية الجنوبية؟. لا، حارة حريك فقط أو، تحديداً "المربع الأمني". ماذا عن برج البراجنة؟. الأوزاعي؟. مركز الأيتام؟. مطعم الساحة؟. حيّ السُّلُّم؟. المشرفية؟. بئر حسن؟. لا، كلها بخير، لكن لا أحد يدري ما إذا كان الحال سيدوم على ذلك أم لا. كل شيء جائز.

يقول حالوتس إنه سيعيد عقارب الساعة في لبنان عشرين عاماً إلى الوراء!. ها ها ها. لماذا تضحك؟. أضحك لأن حالوتس على ما يبدو يستخدم النسخة المجانية من برنامج "غوغل إيرث" Google earth. ماذا تقصد؟. منذ متى لم يكن لبنان قبل عشرين عاماً إلى الوراء؟. أو، دعني أسأل السؤال نفسه بطريقة أخرى: منذ متى كان لبنان بعد عشرين عاماً إلى الأمام؟. لكن له العذر، إن كان مايزال ينظر إليها بعين سائح خليجي. يتبضع نهاراً في "جونية"، دون أن ينسى طبعاً المرور على "معاملتين" لشرب العصير الطبيعي. يقضي مساءه في ساحة الشهداء أو "السوليدير" مقرقراً من العنب الفاخر أفخرَ "الشّيَش" وأعذبها. فيما يختتم يومه بسهرةٍ "معتبرة" في الأشرفية أو "مونو"!.

هل تمزح؟. لا، طبعاً. ليس هذا وقت للمزاح. هناك خمسون قتيلاً في الجنوب وحده. مئات الجرحى. سبعة عشر جسراً أو يزيد مهدماً. خزانات الوقود في المطار مشتعلة. الطريق إلى دمشق مقطوعة. ووزير السياحة يحذر من أن مؤونة الدولة (أية دولة يعني؟.) من المواد الغذائية لن تدوم لأكثر من شهرين؛ فيما إسرائيل تتوعد بعدوان لأسابيع. إنني أتحدث عن نصف الكأس "اليتيم" الذي لا تظهره النسخ المجانية من "غوغل إيرث".

 دعني أوضح أكثر. قبل عام، في مثل هذا الوقت تقريباً، التقيت صدفة بصديق بحريني يزور لبنان لأول مرة. حسدته لأنه يقيم في الجان دارك وسط الحمراء، وتحديداً في فندق الماي فلاور My Flower (يا للروعة!). ورغم أنه لم يَحطّ على لبنان سائحاً؛ حيث كان مدعواً للمشاركة في مؤتمر علماء الاجتماع العرب "الشباب" الذي ينظمه المركز العربي للترجمة سنوياً، إلا أنه، وحسب الفجوات الزمنية التي سنحت له للتفلُّت من المؤتمر، تمكن من إلقاء نظرة سريعة على لبنان شبيهة بتلك النظرة التي يطل منها رئيس الأركان (أو جيش الدفاع) حالوتس من برنامج "غوغل إيرث" ( التبضع في جونية، قرقرة الشيشة في السوليدير، السهر في الأشرفية).

والحال، دعوتُه راجياً صحبتي إلى جنوب بيروت (الضاحية الجنوبية) عصر اليوم التالي. ليس بعيداً، الطريق من الحمراء أو حتى من وسط بيروت إلى الضاحية. عشر دقائق فقط، لكن رغم ذلك، لست بغنى عن إجراء "مفاصلة" بسيطة مع سائقي"السرفيس" حول أجرة التوصيل، ألفين ليرة أو ألف ليرة. لا يحبذ "سرافسة" الحمراء الذهاب إلى الضاحية كثيراً. ربما لأنّ شوارعها مكتظة، وهو شيء طبيعي، نظراً لكثافتها السكانية العالية، فيما عشر الدقائق، الوقت المعقول الذي يمكن أن تستغرقه في الوصول إليها، قد تطول إلى نصف ساعة. ثم، وهذا هو الأهم، أن سائقي "السرفيس" قد لا يعثرون لهم على ما يكفي من "الصيد" عند العودة ثانية، وذلك على العكس، مما لو كان الأمر مع مونو أو ساحة الشهداء (مثل المنشار.. طالع ماكل، راجع ماكل!).

 قلت، إن الطريق من الحمراء إلى الضاحية، لايستغرق أكثر من عشر دقائق، لكن عشر الدقائق هذه كافيةٌ لتبديد وهم حالوتس و"غوغل إيرث" عندك عن لبنان. زمنان بالتمام والكمال، يفصلان أحياء الضاحية الجنوبية عن شرقها ووسطها: الطرق الواسعة والمعبدة، البنايات الشاهقة، المقاهي الفخيمة (يازمان "ستار بوكس"!)، الأناقة المفرطة، الأضواء الفوسفورية التي تستقبلك في ساحة الشهداء، ليالي "الأنس" في مونو، كلها، يقابلها هنا، في الضاحية الجنوبية؛ حيث الطائرات العمودية لمّا تغرْ بعدُ (نتحدث عن مثل هذا الوقت من العام الماضي)، "يقابلها" البنايات القديمة المتراصّة التي لايخلو بعضها من آثار الدمار الشاهدة على الحرب الأهلية، بائعو الخضار المتجولون، الانفجار السكاني، الشوارع الضيقة وكثير منها غير معبّد، صور الشهداء، الحسينيات المنذورة للندب والأحزان الكربلائية، الذقون غير الحليقة، الاحترازات الأمنية التي لا يمكن مشاهدتها بوضوح، خلا في "المربع الأمني".

ومادمنا نتحدث عن الاحتراز، يجب الاحتراز هنا، فحين نتحدث عن "المربع الأمني" (الذي طالته قذائف الطائرات المغيرة يوم أول من أمس)، فنحن لانتحدث عن أرتال جنود ومارشالات وثكنات عسكرية، إنما عن أحياء سكنية مأهولة، يقطنها أفراد عاديون، بسطاء، وطيبون جداً، وليس فيها استثناءات، سوى وجود رمزيّ لبعض الحواجز الأمنية التي يقف عليها مجندون من "حزب الله" ببزاتهم العسكرية السوداء.

وعودة على تصريح المجرم حالوتس بإرجاع عقارب الساعة عشرين عاماً إلى الوراء، أقول لا يحتاج الناس في الضاحية الجنوبية أو في لبنان، أن يعودوا إلى ما قبل عشرين عاماً إلى الوراء، لأن الروزنامة لم تتبدل، بعدُ، منذ عشرين عاماً، وهو وغيره من المجرمين سببٌ في ذلك. ما يحتاجونه هو، أن يقوم بإبدال نسخته الرديئة من برنامج "غوغل إيرث".
 

عن الحياة

غياب زعيم شيوعيي البحرين: كي يستمر الذوّادي لاعباً

أحمد العبيدلي     الحياة     - 16/07/06

أحمد الذواديرحل أحمد الذوادي، الزعيم التاريخي لشيوعيي البحرين، بعد صراع بطولي مع المرض. التقيته بعد العودة إلى البحرين مرتين: مرة بعد خروجنا من مجلس عام كنا نغشاه في كراون بلازا بالمنامة. توقفنا قليلاً بعد انتهاء المجلس وبدأ في الحديث عن الواقعية في السياسة حسبما يراها، وكيف يود أن يجسدها بعد عودته إلى البحرين وبعد أن انقسمت قوى المعارضة البحرينية إلى معسكرين إزاء الدعوة للإنتخابات عام 2002، بين مؤيد ومقاطع. حينها قال لي: المهم أن يستمر المرء في اللعب، وأن يعتبر من اللاعبين والباقي تفاصيل. بذلك توقف الحديث وافترقنا. والتقيته ثانية حين قدم مستمعاً إلى محاضرة في المنتدى، وهو جمعية الليبراليين في البحرين.

وكان رحل قبل سنتين أيضاً إبراهيم محمد حسن فخرو آخر زعماء الثورة الديموقراطية الواسعة في البحرين. كان فخرو قد اعتقل عام 1956 مع قادة الهيئة الوطنية العليا الذين حكم عليهم بالسجن والنفي. وشكل ذلك نهاية الحركة الديموقراطية العلنية في البحرين. في آخر سنوات الحركة بدأت قطاعات ناشطة تصل إلى قناعة بأن الحركة العلنية المطلقة قد استنفدت، وأن الطريق الوحيد لمقاومة الدولة في اعتماد السرية في العمل. وتضافر عاملان معاً لجعل تلك القناعة السلوك الوحيد الممكن: من ناحية تطرفت القيادات الوطنية حينها وربطت بين نضالات البحرين والنضالات القومية المتأججة آنذاك. وتم الربط بشكل غير واقعي من ناحية، وبما لا تتحمله إمكانيات الحركة الوطنية المحلية من جهة أخرى. وعلى الضفة الأخرى لجأت الحكومة وبريطانيا حينذاك إلى استخدام القمع التام. فأُسكِتت الهيئة، وفتح الباب على مصراعية للحركات السرية. في تلك الأوقات العصيبة ولدت الحركات السياسية التي ستقود العمل السياسي المعارض لعقود خمسة قادمة، ومن بينها جبهة التحرير الوطني أو الحزب الشيوعي البحريني، ومن بين أوائل مؤسسيها أحمد الذوادي، ليصبح بعدها زعيمها التاريخي.

عاد الذوادي إلى البحرين مع العائدين مع التغيرات التي حصلت مع منعطف القرن. لكن الأحداث لم تشمل النظام فقط، بل شملت المعارضة. وأبرز التغييرات التي حصلت في صفوف المعارضة الصيرورة التاريخية للماركسية والفكر الشيوعي من ناحية وغياب الإتحاد السوفياتي من ناحية أخرى. عاد الشيوعينون البحرينيون ووجدوا في البلد متسعاً من الديموقراطية لإقامة تنظيمهم بمسمى جديد، المنبر الديموقراطي. وأضحت مقولة الذوادي فاعلة: بات المنبر الديموقراطي أحد اللاعبين في الملعب.

منذ زمن، والآن وبعد وفاة أحمد الذوادي، وبعد التغيرات التي حلت بعالمنا، يظل الرجل واحداً من اللاعبين، إن لم يكن بالجسد فبالروح. فهو وحزبه وبقية الأحزاب السرية أوجدوا تراثا ثرياًً في التربة البحرينية مثلها مثل بقية التجارب العالمية.

وإذا ما أشير إلى بعضها، بدا أولها المبدأ التالي: إن اشتد القمع، وضاقت الأرض بما رحبت، فليس هناك بد من اللجوء للسرية كخيار. لربما تطور العالم ولن تبرز الحاجة لهذا الخيار أبداً: إلا أن التراث قائم وحقيقي، وهو ماثل أمام الطرفين: القامع والمقموع.

والمبدأ الثاني: استعداد الفرد للتضحية من أجل الجماعة. هذه أيضاً باتت من تراث البحرينيين. طالما حصل الأفراد على حقوقهم كاملة سارت الأمور على مايرام، وإن صعب على بعض الأفراد الحصول على العدالة، فسينبري دوماً من يرى ضرورة التضحية لقاء أن يحصل الجميع عليها، وأن يتساوى الجميع أمام القانون.

والمبدأ الثالث: نمط معين من الواقعية السياسية. ربما لا تتفق معه في كثير أو قليل، ولا تقبل به بزيادة أو بنقصان، إلا ان فيه الكثير من الواقعية السياسية والحصافة التي تميز الشيوعيين العرب. يضاف إلى ذلك أنه تم بنسخة بحرينية مميزة لم تغب يوماً عن حضور جبهة التحرير إن كانت وسط الأحزاب الشيوعية العربية أو حين تواجدها في موسكو.

اليوم تتبلور في المنبر الديموقراطي نزعات ليبرالية ربما إن اجتمعت مع تيارات أخرى في البحرين وتبلورت في اتجاه ليبرالي صلب وواسع، لأعطت دفعة جديدة للديموقراطية البحرينية. فإن قيض لذلك الإتجاه أن يترعرع فسيظل حاملاً معه شيئاً من روح أحمد الذوادي، وإصراره، على دوام اللعب.

والباقي تفاصيل.

صيف لبنان "الذي ضاع"

                    

" *قد لا يكون موسم الاصطياف وحده ثمن الفاتورة اللبنانيَّة هذه المرَّة”.

زيان – صحيفة النهار

" *لكن الثمن الذي سيترتب على لبنان من جراء ذلك يجعل توقيت العملية مطلع الصيف غير ملائم لبنانيا”.

روزانا بومنصف – صحيفة النهار

" *أما الخلاصة السادسة والأخيرة فهو تحول الموسم السياحي الصيفي المنتظر إلى حلم ليلة صيف”.

سركيس نعوم 

" *إن الوعد الكبير للبنانيين بصيف هادئ وغني بالمصطافين يمنحهم جرعة أوكسجين اقتصادية أكثر من ضرورية لهم وأكثر إلحاحا للاقتصاد المرشح للانهيار، قد سقط أمام نجاح "الوعد" الآخر الأكثر صدقاً”.

صحيفة المستقبل – أسعد حيدر

 
صيف لبنان
 

28 شمعة لعبدالله كمال وللرمل البقية

        ينهي اليوم الصديق عبدالله كمال من قسم الـ"آي تي" في صحيفة الوقت" سنته الثامنة والعشرين. و لسوء حظه، أنه من مواليدي (1978)، وهو ما أكتشفه للتو، ولكن لا أدري كيف فاتته لعنة "الثور"، فاختار (الصحيح أنه اختير له!) لنفسه "السرطان"، عليه ما عليه.
       على أي حال، حسناً فعل، لأن سكّاك "الأبراج" في عدد هذا اليوم يَعِدُ عبدالله ببشارة أظنه لن يأسى أو يندم عليها: "ربما تقع في الحب، ولعلك تجد اليوم ما يعبر عن هذا الوقوع الوشيك. خبر سعيد يأتيك من بعيد".
        من جهتي، سأنذر نفسي لتأمين رقابة بوليسية عليه هذا اليوم، الداخلة عليه والطالعة، المبتسمة له وكاظمة الغيظ، عسى أن أفوز بمعرفة من ذي التي ستقتحم قلب هذا النهاريّ كله، شرفة الضوء كلّها. 

الوزير الشاعر

        طوبى لنا، أصبح عندنا وزير شاعر. وزير كله رقة وفيوض أحاسيس. طويلاً، استوزر علينا عديمو الرحمة ومنزوعو الضمائر، وها نحن على ذمة وزير مختلف هذه المرة، وزيرٌ "رهْف" يقرض قصائد عصماء ويتعتع أبياتٍ شاعرية، أين عنها "العشاق"!.

        مستفعلن مستفعلن مفاعل

        كُلُوا هواءَ السيّدِ المُناضِل

        سجلوا لولد السادة سليل آل الرسول (ص) براءة الاختراع التالي: إنه أول من أدخل "الشعر" ضمن خطة وزارة العمل الرامية للقضاء على البطالة.

        وقبل أسابيع، حين أعلن العلوي أنه بنهاية العام الحالي 2006 "لن يكون هناك عاطل راغب في العمل من دون وظيفة"، لم يصدقه الكثيرون، لكن هاهو يفي بوعده، ويأتي للعاطلين، وهم في أكثريتهم من العرب الأقحاح من "خزاعة" و"عبد القيس"، بما تخشع له آذانهم وقراً: "شعرنة القطاع الخاص".

        مستفعلن مستفعلن مفاعل

        أ بعدَ هذا اليومِ يبقى عاطِل؟
 

صحيفة الأيام 11 يوليو/ تموز 2006

حكايتي مع مونديال ألمانيا

الكأس هذا العام: أوروبيةدرءاً لما قد يجد فيه عاشقو كرة القدم تعدياً على حقلهم، أعترف بداية، بأنني لست من هواة الكرة، وفي مستوى أعم، لست من هواة الرياضات بمجملها؛ إلا ما رحم ربي. وحتى الآن، مازلت أذكر، من بين ما أذكر من طفولتي العادية جداً، أنني، ومنذ أن ودعت الابتدائية، لم أرتدِ "شورتاً" رياضياً قط، وهو ما جشمني عناء تحمل الدرجات المنخفضة في مقررات التربية الرياضية. كنت حينها، أعوّل على رأفة المدرسين بتطلعاتي، التي لم تكن الرياضة من بينها (وهي تطلعات لاتعني بالضرورة ازدرائي للرياضة أو أن ما يشغلني من أمور هي أرفع مستوىً منها!).
وعن تطلعاتي، أو قل صنعتي الأساس، أشير هنا سريعاً إلى أنني كنت* على شيءٍ من إتقان الخط العربي بأنواعه، وهو ما ساعدني كثيراً في التغلب على عَنَت المدرسين وجعلي أفوز بحظوة عندهم، لا أرى الآن، بعد هذا الفاصل الزمني، بأنني كنت أستحق الكثير منها.

كنت مثلاً، وهذا جانب من الحظوة آتي به للإيضاح، تنهال عليّ مع بداية كل عام دراسي، كشوفات الدرجات للمدرسين، طمعاً في أن أقوم برقش أسماء الطلبة على صفحاتها بما لذّ وطاب من الأحرف العربية الأصيلة "مانيوال"؛ حيث لم يكن الرّقْن بواسطة الحواسيب الآلية قد بدأ يأخذ طريقه إلى التوظيفات المدرسية بعد، كما هو حاصل الآن (آه يازمان لوّل!).

قلت إنني كنت أعول على تفهم مدرسي التربية الرياضية، لتطلعاتي، وهو ما لم يكن يحدث دائماً؛ إذ منيت في هذا المجال بأكثر من خيبة، لكن لا يجب أن أنسى، وهذا للتاريخ، أنني فلحت في ذلك أمراراً.

والحاصل أنه، في حال  فشلت في هذه الخطة، يتبقى لي من السلوى في أن مواد التربية الرياضية غير جائز فيها "السقوط"، أو هذا ماكان يجري واقعاً، إلا في حالات نادرة لم أشهدها بالطبع.

  ابتدأت بهذه المقدمة، للتمهيد إلى ما أود قوله بشأن حظي "النحس" مع "المونديال" الحالي الذي انتهى الأحد الماضي بخسارة فرنسا من إيطاليا.

جاء مونديال ألمانيا هذا العام، ليدب في روحي صحوة رياضية "متأخرة" أستطيع أن أقول بأنني لم أشهد مثيلاً لها، طوال سنيّ عمري (ربما من يسمعني أتحدث عن عمري بهذا التفخيم يحدث نفسه بأن عمري ناهز المائة. عليكم أن تحزروا أنتم، إن سنة ميلادي هي 1978 وبرجي هو برج الثور العنيد).

والدليل على ذلك، هو ما أنوي الإفصاح عنه هنا، من أنني شاهدت نحو 80 % من مباريات المونديال، الصغيرة منها والكبيرة، فرق الصف الأول وفرق الذيل، نحسة الحظ منها وطيبة الحظ.

بدأ مشوار "صحوتي"، باختيار "الأرجنتين" منتخباً أودع فيه عاليات آمالي والهادر من تشجيعي، وهو اختيار لايتعلق بما يجري من حسابات داخل أروقة "الساحرة المدورة" من قريب أو بعيد، بقدر ما كان اختياراً نابعاً من ميول سياسية صرفة، وتحديداً بتشي غيفارا الذي أحب، وهو، كما لا يخفى، أرجنتينيّ المولد.

سارت الأمور على خير طوال الدور التمهيدي، إلى أن جاء دور الربع النهائي، فمنيت بالصدمة الأولى، بخسارة الأرجنتين من ألمانيا، وهي خسارة ظالمة من غير شك لمنتخب اتفق المعلقون على أنه من أفضل المنتخبات التي قدمت عروضاً كروية جميلة في المونديال.

ورغم المرارة التي حصدتها من جراء هذه الصدمة، إلا أنني قاومت هذا الشعور باختيار جارتها البرازيل منتخباً أشجعه، جرياً على "هوس" الكثيرين، من أعرف ومن لا أعرف، ممن يشجعون هذا المنتخب العريق. (لاحقاً عرفت من الزميل جعفر العالي، وهذه من الأسرار الكروية التي تكشفت لي على هامش صحوتي الكروية، أن من يشجع الأرجنتين لايجب أن يشجع البرازيل، والعكس صحيح أيضاً، وهذا مايفعله أغلبية الشعبين الأرجنتيني والبرازيلي معاً.. قمة الأنانية!).

لم يذهب تشجيعي للبرازيل بعيداً؛ إذ سرعان ما باغتني القدر بهزيمتها المذلة والمبكرة جداً من فرنسا، وأيضاً في الدور ربع النهائي؛ حيث لم تجدها نفعاً "أسنان" رونالدينهو ولا "كرش" رونالدينو، على ما قال شامتاً أحد المعلقين الرياضيين في الزميلة "الوسط"، ومن عندي أضيف، ولا حتى "صلعة" روبيرتو كارلوس.

والحال، قلت هذه المرة، سأختار المنتخبات اللاتينية الحاضرة في المونديال للتشجيع، معللاً ذلك أمام نفسي، بأن هناك مركزية سياسية غربية، ولايجب أن تحظى بمركزية أخرى، رياضية، يجب أن تظل لاتينية، ثم وهذا سبب آخر وجدت أنه أكثر وجاهة، أن أمريكا اللاتينية الآن، تجتاحها موجة سياسية جديدة تقف ضداً من الهيمنة الغربية، وتتمثل في صعود الأحزاب اليسارية إلى سدة الحكم في غير بلد (بوليفيا، تشيلي، فنزويلا، البرازيل، الأرجنتين وقبل كل هؤلاء كوبا)، فعسى أن يخدم بقاء "الكأس" لاتينية، هذا التوجه، ولو من زاوية بعيدة.

قلت أن الحظ سيمشي معي هذه المرة، لولا أن المنتخبات اللاتينية (الأكوادور، البراجواي، البرازيل والأرجنتين) مشت قبلي إلى قدرها، الواحدة تلو الأخرى، على ما رأينا جميعاً، ولم يتبقّ منها إلا منتخب واحد يتيم، أوروبي بثياب لاتينية، وهو البرتغال. فجرت آلة حظي النحس على البرتغاليين شراً مستطيراً، وأبكتني حقاً الدموع التي جرت شفيفة من على خد الوسيم كرستيان رونالدو، إثر خسارة منتخبه من فرنسا وفيما بعد من ألمانيا، والأخيرة كانت ثقيلة.

أخيراً وجدتني، ودون سابق تخطيط وجهاً لوجه، أمام المباراة الختامية، وقد غاب عنها كل ما له صلة بالدول اللاتينية وشعوبها الدائرة "يساراً"، عدا تلك الطلة الخجولة من شاكيرا قبل انطلاق المباراة، ولولاها لهلكنا. فصار لا مناص من التسليم بأقدار الرياضة، وقدر هذا العام تحديداً الذاهب حتمياً إلى أن الكأس، وليس لأي منا ذنب في ذلك:أوروبية.

ورغم ذلك، قاومت هذا القدر، أو قل استثمرته، بتوجيه ماكنتي التشجيعية صوب فرنسا؛ حيث بارت الخيارات أجمعها، وفاءً لما اعتقدت أنه وفاء في الوقت نفسه إلى الثورة الفرنسية ولجيل كبير من الفلاسفة لهم بصمتهم عليّ (فوكو، ديريدا، بورديو، بودريار...إلخ). وفي كل الأحوال، قلت، إن خيار تأييد فرنسا هو أفضل وأقرب إلى القلب من خيار تأييد الإيطاليين "الفاشيست"، قتلة غرامشي.

ثم جاءت الصاعقة من حيث لم أحتسب: هزم "الديكة" وخذلنا زيدان أو "زيزو" ببطاقة حمراء لاتشرف مثله، وهو من هو، أن يختم بها حياته الكروية، كائناً ما كان السبب، وبإضاعة ضربة ترجيحية هي الأكثر كلفة في تاريخ الكرة الفرنسية (ترى كيف تسنى لتريزيجيه النوم ليلتها!؟).

قلت بداية، إنني لست من هواة كرة القدم، وفي مستوى أعم، لست من هواة الرياضات بمجملها، وها أنا أعيد الكرّة بالتأكيد على ما قلته، لأختم بذلك مشوار "صحوتي" الكروية مبكراً، ودون أن أتسبب بكثير من الكوارث، على ما جرى ويجرى من جانب "صحوة" أخرى، وهي "الصحوة" الدينية. وأختم بالقول، إن ميزة الحقل الرياضي، تكمن في قدرته حتى الآن، أن يحفظ لنفسه قدراً من الاستقلالية والتمايز عن بقية الحقول الأخرى، السياسي منها على وجه أخص، ومأساتي في أنني فكرت بالعكس.
 

_________________________
 

* لاحظ أنني أضع "كنت" مسودة، لأنني ماعدت كذلك الآن، ولا يربطني بالخط العربي حالياً إلا حنين نوستالوجي، لا أكثر ولا أقل.

موت صاحب السيف

              سيف بن علي: أحمد الذوادي                      

مات "سيف بن علي"، وما عاد بوسعنا الآن، إلا أن نذرف الدموع عليه. ولكن هل مات حقاً؟. لا، مايزال هناك أحمد الذوادي.. أحمد الذوادي فقط، من غير قوسين صغيرين.

تموت الأقواس ويبقى شبحها حاضراً في كل القلوب التي حلمت معه وحلم معها بوطنٍ لا يتكاثر فيه الجلاّدون وليس فيه مكانٌ للزنزانة.

آخر اللقاءات مع "سيف بن علي" كانت في رمضان الفائت 2005؛ حيث كنا في زيارة إلى رفيقته قبل الانفصال الشاعرة حمدة خميس في منزلهم الكائن في "مدينة زايد"، نحن: عباس المرشد وعلي الديري وعلي الجلاوي وعباس مزعل وأنا.

لم يكن مرضه الذي أخذ من جسده الكثير، ليحل دون أن يقوم، هو دون أي أحد من أهل البيت، بإعداد مايلزم من واجبات الضيافة (من منا ينسى الكباب الساخن!؟).

وحين اطمأن إلى أن الأمور كلها على ما يرام، استأذننا بالانصراف للنوم، فيما ظللنا جالسين رفقة حمدة في الباحة الخارجية للمنزل، نقرض ثرثرة، شعراً، نثراً وطرباً.

        الآن ينصرف الذوادي لينام ثانية، ولكن بعيداً بعيداً؛ وحدها الأحلام تحرسه، الأحلام التي عاش وناضل وسجن وشرّد لأجلها، فداءَ وطن لا يتكاثر فيه الجلاّدون وليس فيه مكانٌ للزنزانة. رحم الله أحمد الذوادي.
 
وفاة أول أمين عام لجبهة التحرير الوطني البحرينية
 أول حزب شيوعي في الخليج
 
المنامة- (أ ف ب):  توفي اليوم السبت في المنامة أحمد الذوادي الامين العام السابق لـ"جبهة التحرير الوطني البحرينية" (يسار)، أول حزب سياسي واول حزب شيوعي في منطقة الخليج.
   وتوفي الذوادي فجر اليوم السبت عن 68 عاما بعد نقله قبل ايام الى المستشفى اثر تدهور حالته الصحية جراء اصابته بمرض السرطان الذي يعالج منه منذ بداية التسعينات.
   وقال عضو اللجنة المركزية لجمعية المنبر الديموقراطي التقدمي، وهو الاسم الذي اتخذته الجبهة عام 2001، ان "رحيل الذوادي خسارة كبيرة لا للمنبر فقط والحركة الوطنية في البحرين بل للبلد باكلمه" مضيفا "لان الذوادي كان عنوانا في الواقعية
السياسية".
   واضاف جليل النعيمي لوكالة فرانس برس ان الذوادي "استطاع الجمع بين اشكال متعددة من النضال (..) على يده تربت مئات الكوادر في جبهة التحرير سواء في ايام العمل السري او شبه العلني في منتصف السبعينات مع مشاركة الجبهة في انتخابات 1973 او في مرحلة العمل العلني بعد الاصلاحات في البحرين".
    وقال النعيمي الذي عاد مع الذوادي من المنفى عام 2001 ان "الفقيد، ورغم الام المرض، ورغم وصوله للبحرين في مرحلة متقدمة من معاناته مع السرطان كان يعمل بجد وتواضع مقدما درسا للكثيرين في مواجهة الالام والعطاء رغم كل هذه المعاناة".
   وشارك الذوادي المولود في المنامة عام 1938 وهو لم يتجاوز ال17 من عمره في تأسيس "جبهة التحرير الوطني البحرينية" في العام 1955 وتولى قيادتها وعرف باسمه الحركي "سيف بن علي" منذ ذلك الحين وحتى عودته من المنفى في العام 2001 مع بدء الاصلاحات السياسية وتحول الجبهة الى جمعية المنبر الديموقراطي التقدمي.
   ونعت جمعية المنبر في بيان اصدرته اليوم الذوادي بقولها ان الذوادي  "رحل بعد صراع طويل مع المرض بعد عمر ناهز الثامنة والستين عاما افنى اكثر من خمسين عاما منها في النضال من اجل الاستقلال الوطني للبحرين وتحقيق الديموقراطية والتقدم الاجتماعي".
   تعرض الذوادي للنفي اول مرة في الستينات عندما ابعدته سلطات الحماية البريطانية عن البحرين لدوره في التحركات المطالبة بالاستقلال خصوصا في اذار/مارس 1965 وعاد بعد سنوات لكنه كان ملاحقا.
   وعمل بعد ذلك لفترة قصيرة في البحرين في مهن متواضعة وفي مكتب شقيقه الراحل المحامي خالد الذوادي الذي انتخب عضوا في المجلس الوطني اول برلمان بحريني في العام 1973.
   وغادر الذوادي البحرين في منتصف السبعينات بعد فترة اعتقال امتدت اكثر من عام ونصف العام وعاش في المنفى حتى عودته في العام 2001.
   ترأس الذوادي الذي من المقرر ان يشيع جثمانه عصر اليوم السبت، جمعية المنبر التقدمي الديموقراطي في اواخر عام 2001 لدورة واحدة قبل ان يستقيل في اواخر العام 2002  اثر اشتداد وطأة المرض عليه، وقضى السنوات الاخيرة منذ استقالته يعالج في المانيا وفرنسا والبحرين.

 
رسالة لريم الذوادي

"في عيدها الخامس والخمسين"

 

نص: علي الجلاوي

مُتْ

وحيداً .. كما ينبغي

ووحيداً

كقافلةٍ نزلتْ من نشيدٍ إلى حتفها

سنقولُ: تأخرَّ

ثم نقولُ: تغيّبَ طيرٌ هنا عن بلاغتهِ

 

مُتْ

حينَ تدهسُ سيدةٌ قمراً

سوفَ يكملُ دورتهُ في أقاصي النشيدْ

 

أيا أحمدُ العربي

وقفنا نلمُ لكَ الموتَ

يا أيهَا الواحدُ المتعددُ

كيفَ سنقنعكَ الآنَ بالموتِ عنّا

                    ونقنعنا بالمزيدْ

 

مُت نبياً

كأفراحنا الطيبةْ

 

مُتْ سريعاً

ستفتحُ هذي الشوارعُ أضلاعها

ستعانقُ في يتمنا الكبرياءَ

لماذا ستذهبُ دونَ وداعٍ إذنْ

: ليليقْ بسوسنةٍ أشبعتها المنافي ..

لأعرف دربي ..

لأني سأدخل فيكم.

/ فكيف سنعرف يا أحمد العربي

                 بأنك أنت أبانا الوحيدْ

 

يا رفيقي

أنا أحمدُ العربي أقول لكم:

كلما سقطت نجمة في الأغاني

ستولد في حضنها نجمة ثانيةْ

 

تتفرع في جثتي كغناءٍ نبيٍ

فكيف اختصرت القصيدة في قافية.

 

يارفيقي

سيسألك الورد عني فماذا ستخبرهُ ؟

 

سأقول له نجمة

أخذت دربها للصعودِ إلى خيمة الأنبياءِ

                    بخمسين جرحا وقلباً عنيدْ

 

ستنزل للطرقات وللموت للجندِ

من حولك الشهداء

وبعض صغارٍ تلمُّ البساتين

تجتاز قبرتين بخمسين قلباً

ستعرفك الأمهاتُ

سيسألن عنك اليسار اليسارُ

ويسألن عنك اليمنُ

فأين تولي فثمة يا أحمدُ العربي يسار جديدْ.

 

عائد إلى الوطن

 
مع رفيق دربه عبدالرحمن النعيمي
 
من اليمين محمد جابر الصباح، أحمد الذوادي ومحسن مرهون
 
في إحدى الرحلات في المنفى
  

لبيك يا نصر الله!

 إبراهيم نصر الله
مازلت أتذكر كيف كانت بهجتي، حين دلني الصديق سميح صالح ذات لقاء على ديوان "الفتى.. النهر.. والجنرال" للشاعر الفلسطيني- الأردني إبراهيم نصر الله. 
ومن ساعتها درجت على التعبد بقصيدة "الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق" التي تدور أحداثها داخل حافلة إسرائيلية اختطفها أربعة من الفدائيين الفلسطينيين من مجموعة (جيفارا غزة)، والتي بدأها بالكلمات التالية:

" هاديء بحر غزة

ماءٌ وأشرعةٌ

زرقةٌ وصباحٌ عريض

ونافذةٌ للنوارس أو جدولٌ في الوريدْ

لي رغبةٌ: أن أرى وجه أمي ومدرستي

وأن أقف الآن في الصف طفلاً

وأطلق في البرّ خيلَ النشيدْ".

       كان ذلك في العام 1997، في السنة الثانوية الأخيرة، إن صحّ تخمين "فصيص" مخي الرديء. مرت سبعة أعوام قبل أن أتمكن من اللقاء بإبراهيم نصر الله عام 2004؛ حيث كنت مكلفاً بإجراء حوار صحافي معه لصحيفة الأيام. يومها، استرسلت كثيراً في سؤاله عن نص "الحوار الأخير"، دون أي شيء آخر. ورغم أنني اقتنيت تالياً أعماله الشعرية الكاملة؛ إلا أنني عبثاً، كنت مشدوداً إلى هذا النص، إلى أثره المحفوظ في ذاكرتي، ولاشيء سواه. الحوار معه امتدّ لساعة ونصف أو ساعتين، ولحد الآن، بعد عامين  بالتمام والكمال من إجرائه، مازلت متكاسلاً عن توظيبه وإعداده للنشر. الآن، أقرأ أن دائرة المطبوعات والنشر في الأردن قد قامت بمصادرة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر نصر الله، مبررة ذلك العمل "بما تحويه بعض قصائد الشاعر من إثارة للفتنة الداخلية".

       ليغفر لي إبراهيم نصر الله تكاسلي في نشر الحوار معه، وليقبل مني أضعف الإيمان، باقة تضامن معه ومع كل ماكتبه شعراً أو سرداً أو تشكيلاً، وضداً على محاكم التفتيش التي تنتشر في بلداننا بأكثر مما تنتشر الحدائق العامة.

 

هنا موضوع ذو صلة:

http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k4\2006-07-04\410.txt&storytitle=

زر موقع الشاعر إبراهيم نصر الله:

www.ibrahim-nasrallah.com/

حفظ الله قاسم حداد

 

نشرت أسبوعية "أخبار الأدب" المصرية خبراًعن قاسم حداد مفاده إنه "يرقد في المستشفى إثر أزمة قلبية ألمت به". وهو ما أدى إلى أن يتجشم الصديق خالد الرويعي عناء الرد على وابل الاتصالات الآتية من غير مكان، سائلة عن صحة أبو محمد ومهيار وطفول وكل السلالة الرائعة.

الرويعي كما حدثني، ورغم استلامه بريداً إلكترونياً من حداد قبل فترة وجيزة فقط، من تلقيه النبأ، إلا أنه لم يسلم ليقينه وباشر بإجراء اتصالات مع رفقة العمر أمين صالح وعلي الشرقاوي وابن حداد محمد؛ حتى تبين له أن الأمر كله كذب X كذب.
حفظ الله شاعرنا الأروع قاسم حداد من دسائس أخبار الأدب، ومن الكتبة الكذبة، أبادهم الله كابراً عن كابر.

 

قاسم حداد

 
هنا موضوع ذو صلة:

http://www.kikah.com/indexarabic.asp?fname=kikaharabic\live\k4\2006-07-04\430.txt&storytitle=

 

على رأيك يا نجوى: "حكم القاضي"

حكم القاضي ... ولمّا لم ينفضّ السامرُ بعدُ، ببراءة ثلاثة من المتهمين ممن قيل عنهم، قبل أشهر معدودات فقط، بأنهم "الملثمون" المسئولون عن عمليات الحرق في قرى شارع البديع وسترة، ومثل الحكم إيّاه، جرى على ستة ممن عرفوا بـ"الخلية النائمة". حكم القاضي، وضاعت الصور في الصور، رُدّت بلاغةُ المتحمسين، من احتنكوا بالقانون، ركبوه بردعة وحاججوا به، ومن استكانوا لسياسات الرّدْع الآتية من لدن القوة، نافقوا بها وخاصموا عليها.

حكم القاضي، ولن يتحدث بارئو الأقلام، كتبة الأمر الواقع وسائسو الفرس الغلط، لن يعتذروا، يتندموا أو ينتفضوا لحال البيوت التي خُرِبت، الأنفس التي هُتِكَت حرمتُها، شاهراً ظاهراً، لن يرفعوا اليدَ عن الماء، ولن يحرزوا بها جرأةً لم نعتدها، فهم الجرأة هم، جرت على ما أبغضوا، وجبنت على ما أحبّوا.

الأهم من كل ذلك، أن من ساس ومن سيّس، من حَبَكَ بليلٍ ومن اغتبط لأنه أوقع فلاناً وألقى القبض على فلان، من طبع الصور البديعة ومن نشرها، انتصاراً للقوة ولقوة القوة في لحظةٍ كانت هي إلى الهشاشة أقرب، صار المُتّهَمَ المُتّهِم، موئل الخراب الذي توجب عليه أن يترافع عن أنه حجب عِوَضاً عن أن يكشف، هتك النفس الحرام عِوَضاً عن أن يحمي ويحفظ، أحرز باطلاً، كل باطل، عِوَضاً عن أن يحرز الحق، كل حق.

***

يقول قاضٍ: لم يكن ثمة مناص ساعتها من نشر الصور؛ حيث الحوادث آخذةٌ في التمادي؛ حيث العنف محتدٌّ.

نقول: إيه، إن الأمر كذلك؛ بيد أن ذلك شغل سياسةٍ لا شغل قانون. فإما أن تتمايز الحقول، تحرز فرادتها، أو ترتدّ إلى فوضى محقّقة، الحقل فيها يأكل الحقل.

يقول: ...

نقول: لا حياة لمن تنادي!

مجيد العلوي.. من الثورة إلى بلاط القصر

"جميع الثوار مروا من هنا  (...)*"

 

فلة بطلة رواية وليمة لأعشاب البحر

للروائي السوري حيدر حيدر

 مجيد العلوي من النهاية

مجيد العلوي غبي: ليس جديداً هذا الأمر. وأحمق أيضاً: لن نختلف في ذلك. لكن لماذا؟ سألني صاحبي، الذي لم يلبث، وعُرِجَ به إلى "علّيين"، بكرم الوزير الجديد، فأصبح يرافقه في رحلاته إلى الخارج، بل وصار سادنه، المُوكل للمنافحة عن سياساته البهلوانية، أمام جعجعة "المشككين والحسَدةُ الغوغاء". قلت له: لنبدأ مع وزيرك التنبل من ساعة مجيئه.

        لم يكن مجيد العلوي يغني مع فيروز أغنيتها "عائدون"، حين عاد إلى وطنه، بل كان يتمتم نشيد الساسة المنبطحين الذين تعبوا وأيقنوا بضرورة الراحة. لحد الآن، ليس ثمة مانأخذه على قراره هذا، بل ربما كنت سأعلق صورته، بشنبه، ذاك المصقول بعناية، على حائط غرفتي، لو أنه ارتاح وأراحنا معه. انشغل بشركته مثلاً، تلك التي كان يديرها من لندن وقرر الانتقال إلى إدارتها من الإمارات بعد حلّ مشكلته مع النظام الحاكم، أو بقى كاتباً صحفياً، بمقالاته تلك، الإنشائية "الماسِخَة"، التي أستطيع تدبيج عشرين من مثيلاتها، لو أردت، في اليوم الواحد، أو وفي أسوأ الأحوال، عكف مع زوجته السورية الجديدة على تربية ابنته "كِنـدَة" التي صرت أتفهم، الآن، كمية الحنين النوستالوجي الذي كان يشتغل في لُـبّة قلبه يوم عطف اسمها على اسم قبيلٍ من العرب الغابرين. لكنه لم يفعل ذلك، وقرر المشي إلى آخر الشوط.

        ليست جديدة عادة المشي عند سعادة الوزير العلوي، وهو الذي كان يداوم، في فترة إقامته في لندن، على رياضة المشي في الساعة السادسة من صباح كل يوم. ساعة واحدة، كانت تكفي السيد مجيد، ليستلهم عَرَقَ الطاقة، ذاك الذي كان يستغرق من وقتنا أياماً وليالٍ في مشاهدة حلقات "باباي"، لحظة كنا أطفالاً. لذا فإن هذه العادة، لن تنتهي ببيع آخر شقة فاخرة له في لندن بربع مليون دولار، بعد قراره الاستقرار في البحرين؛ بل ستزامنه زمانة لاشعورية، كان سيحسده عليها سيجموند فرويد لو قدر له أن يلتقيه في رحاب "باكديلي"، وقت شَرَع يكتب نظريته في اللاشعور، التي ستتأسس عليها بعد ذلك مدرسة في التحليل النفسي، وتصبح واحدة من فتوحات مابعد الحداثة.

 

من الحبّ ماقتل

        حين عاد السيد الوزير، لم يكن شيء ملفتٌ قد حدث، بعد.. سبق ذلك مشاركته في حوار بفضائية الجزيرة عن خلاف البحرين وقطر حول جزر حوار، هاتفه على إثره ولي العهد الشاب، عاشق الفورمولا، شكـره، التقيا بعد ذلك في مقهى في لندن، تسامرا، قررا أن يروّضا فهْد الخصومة، وفجأة اشتعل عهد الحب بينهما. لا أحد يعرف مادار بالتفصيل في هذا اللقاء، لكن الكل يعرف نتائجه: (معارض بحريني يعود إلى المنامة بعد منفى دام عشرين عاماً)، هكذا جاء المانشيت الرئيسي لجريدة الشرق الأوسط السعودية، التي انفردت دون غيرها بنشر الخبر في حينه..

        هل كان على علم بماسيحدث بعد ذلـك؟ هل ثمة حدس لديه بماكان الحكم قد أزمــع عليه بعد فترة وجيزة من مجيئه؟ هو لاينفي معرفته المسبقة، لكنه ينفي أن مجيئه قد تمّ بصفقة. هكذا صرح لجريدة الشرق الأوسط.. وفي نفس هذا التصريح أشار إلى أنه لن يتسنم أي منصب، وأن الظروف، كما رآهاه حينها، قد أصبحت مهيئة لينتقل ويعارض من الداخل. الكلام نفسه قاله لمن ذهبوا للقائه في منزله، في البحريـن، وزاد على ذلك مستدركاً: "حتى لو رأيت أن أخدم بلدي وقررت أن أستلم منصباً، وزارة مثلاً، فلن يكون ذلك في ظلّ رئيــس الوزراء الحالي".

        الشيء الأهم، هو أنه، وأمام عنف الأسئلة، كان في حاجة لأن يقدم مرافعةً منطقية، في دواعي انفلاش علاقته بحركة الأحرار، فكانت رقبة رفيقه السابق منصور الجمري "سدّادة".

- "منصور يدير نشرة إسلام 21 المدعومة من وزارة الخارجية الأميركية"؛

- "منصور جلب أجهزة هذه النشرة، التي كان يديرها قبله، العراقي ليث كبة، المعروف بعلاقته مع الأميركان، ليتولى عملية إصدارها من دار الحكمة"؛

- "سعيد الشهابي لم يعترض على ذلك، كلمته، فلم يستمع".

        بذلك برّر السيد مجيد الذي لن يلبث إلا قليلاً ويلبس "بشوت الباشوات"، أسباب افتراقه عن الأحرار. أخلاقوية عالية سرت بين ليلة وضحاها، كالكهرباء، في رقائق إيمانه الغض، فهـو الذي لم يتورّط ولو للحظة بعلاقة "غير عادية" مع بعض الحكومات العربية الرجعية، الحكومة القطرية على سبيل المثال.

 

فتنةُ السّبحـة

        في زيارة له إلى ملك البحرين حمد بن عيسى، ردّ على هدية كان قد أعطاها إياه هذا الأخير، بهدية أخرى: "سبحة ثمينة، قدرها أربعمائة دينار بحريني"، كانت السبحة فاتحة العلاقة مع القصر، الذي ستدمن المشي على بلاطه الفخم، رجلاه بعد ذلك. بالرغم من أنه وشّ إلى بعض رفقائه، بأنه آثر أن يهب السبحة، على منّةٍ يلاحقه القصر بها بعد حين. ومن السبحة، إلى "سَبَحَاتِ" ليالٍ سيقضيها في معية جوقة المتمجدين: فلان الوزير، فلان المفكر، فلان المستشار.

        لقد شكلت هذه الجوقة، حقله الرمزي الجديد، الذي لن يكون كالسابق: رجالاً ملاحقين، وثوريين، وكادحين بسطاء. لقد أصبح كل هؤلاء في نظره ممثلي حقلٍ رمزي عتيق، ماعادوا يمتلكون فيه من رأسمالٍ يسدُّ طموحه الفاغر نحو الواقعية وجديد الخطاب، إلى الحدّ الذي سيصبح فيه شخص كفلان الوزير الذي لم يُعرف عنه إلا "نظافة اليد" و"نقاء السريرة" أميناً على ملفات حركة الأحرار، أكثر من منصور الجمري "الذي باع نفسه للأميركان"! – حسبما كان يكرر باستمرار-.

        وهكذا ستتهامس الجوقة، فيما بينها، بمآثر منصور التي سجلها العلوي، بعينـــه التي لاتنام، ورواها في حفلة القتلة، وكان ثمة تاريخٌ عريض يقف خلف الراوي، ثمة تاريخ يود لو يتكلم.

 

من الجوقة إلى الندوة

        "الخروج من عنق الزجاجة". كانت تلك إحدى الاستعارات البليغة التي ألقى بها الوزير الساحر في ندوة نادي الخريجين التي سبقت التصويت على الميثاق، وشكلت واحدة من إجاباته على مئات الأسئلة الخبيئة في العيون. قال الجميع كلامه، ووحده، من كانت جماهير الندوة تنتظره، لقــــد صفقوا لمن قبله، لكنهــم انتظروه ليقول كلاماً آخر، كلاماً من ذهبٍ ملأ أفق توقعهم في السابق، وليس كثيراً عليه أن يملأه حتى الغرغرة، لهم في اللاحق.