مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

أحلام "الفوتبوليزم"

 فيما يجادل الزميل كريم رضي بإمكانية تحول حمُّى "الفوتبوليزم" إلى حاضنة العصر بالنسبة إلى قيم التسامح والتعددية، بعد أن كشفت التجربة عن خطل التعويل على "الثقافة" في القيام بهذا الدور، على ما أفصحت عنه هذه الأخيرة من إخفاق أكيد، خصوصاً لجهة اتكائها على عنصر الهوية، المفرّق أكثر مما هو مؤلّف، تتصاعد من نواحٍ أخرى، موجات الغضب والاحتجاجات الصاخبة، ولكن، هذه المرة، ليس لأن شعوباً من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض، قد اصطفت بحميمية أمام شاشات العرض الكبيرة لمشاهدة الكرنفال الكروي المتجدد كل أربعة أعوام؛ إنما لأن امتياز "المشاهدة" نفسه، قد حُرمت منه.

قبل ذلك، كنت قد استمعت قبل نحو عامين لساعتين، إلى تقريض من الصديق علي حرب غضون لقاء معه في بيروت، حول "روشتة" أخرى تتعلق بالاقتصاد، وكيف أن الرئيس الراحل رفيق الحريري، الوحيد من بين كل أمراء الحرب في لبنان من كان يتوفر على مستشارين من كل الطوائف، مستنتجاً، بعد عرضٍ مسهب، بأن الاقتصاد الذي، ونظراً لارتباطه بنظام المصالح –وليس الهوية- يمكن أن يتحول إلى حاضنة لقيمتي التسامح والتعددية.

ثم جاءت جهيزة بمالم يكن في حسبان جني أو شيطان: قُتِل الرئيس الحريري، وتفجرت في إثر ذلك أكثر الغرائز بشاعة، حقداً وكراهية، بين شعبين، يُفترض فيهما أنهما  الأكثر التصاقاً، لجهة التاريخ، قياساً على حالات عربية عديدة. "ميسي".. الذي أعشق!وعودة على مسألة "الفوتبوليزم" وطرحها حلاً، أمام الانفلاش المتنامي للهويات الثقافية، خصوصاً من جهة ماتمخض عن أعمدة الدخان المتطايرة من المشهد العراقي، هنالك تعبيران ظهَرَا في فلسطين والجزائر، عبّرَا عن واحدة من المقاومات البلاغية، أو قل جيوب المقاومة، التي فجرها الحدث الرياضي الأهم عند شعوب الأرض: "عصابة بتلر" و"جشع الملياردير السعودي". الأول يتعلق بما تردد عن قيام "الفيفا" بتحويل كرة القدم إلى مؤسسة لصناعة المال، والثاني يتعلق بقيام الملياردير السعودي صالح كامل باحتكار بث مباريات المونديال العالمي، وحجبه عن ملايين الفقراء في الدول العربية الذين لايستطيعون تحمّل تكاليف المشاهدة (بلغت في الخليج العربي نحو 426 دولاراً للاشتراك الواحد).

ويثير هذان التعبيران جملة من المتعلقات، لاتخلو من الصلة بمسألة الهوية التي يُراد الهروب منها، ولكن هذه المرة، برسم "طبقي". والحاصل، يحولنا ذلك على ماكان قد تحدث عنه ميشيل فوكو غير مرة بشأن مؤسسات العزل (الجنون، العقوبة) التي أنشئت في أوروبا في العصر الكلاسيكي (السابع عشر والثامن عشر) تعبيراً عن أحلام البرجوازية وإسهابها في ابتكار مؤسسات لاستدرار الربح، وفي الوقت نفسه، لقمع الذوات غير المنتجة (المجانين، المساجين). الأمر مثله، يحدث بالنسبة إلى مؤسسة "الفيفا"، أو مؤسسة الـ"إي آر تي": حلم بروجوزاي (مجنون) لاستدرار الربح، والمزيد من الربح، وفي الوقت نفسه لقمع "المشاهدين" غير المنتجين. إن هذا الحلم البرجوازي المجنون، أو سمه ماشئت، كفيلٌ بأن يفتح أذهاننا على هشاشة التعويل على "الفوتبوليزم" واعتباره حاضنة لتجاوز عوائق التسامح في ثقافتنا، أو أية ثقافة.

ربما، يصح ذلك، أقول ربما، لو أعيد الحدث الأهم عند شعوب الأرض قاطبة إلى عفويته وشعبيته؛ لكن الواقع المخيب يقول: إنه يتجه إلى أن يكون مؤسسياً أكثر من أي وقت مضى. علينا أن نيأس!

 
اقرأ مقال الكاتب كريم رضي في صحيفة "الوقت":
الـ «فوتبوليـــزم» بديــلاً عـن الهويــات
ذات أمسية ثقافية لجابر عصفور بمركز الشيخ ابراهيم آل خليفة في ندوة عن التسامح، كانت لي مداخلة لم تعجب الضيف فلم يعرها اهتماما ولا تعليقا. كان هو قد استعرض بدايات التعرف على مفهوم ‘’التسامح’’ في الثقافة العربية ومنشأه ثم تحولات هذا المفهوم في اللغة من مصطلح ‘’التساهل’’ إلى مصطلح ‘’التسامح’’، وتجلي هذا المفهوم عمليا في الواقع.
 


أضف تعليقا


لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com