(إن أسطورتنا هي عظمة الأمة)
الفاشستي الدكتاتور الإيطالي موسوليني
تدّعي (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية [1]، بأن تجمعها "لم يكن في يوم من الأيام تجمعاً ضدّ أحد، بل كان للخروج من البرمجات الحزبيّة، والدينيّة، والطائفيّة، والسلطويّة". وتدّعي (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية من بين ماتدعي، بأنها "أبعد الناس عن لامنطقيّة الأمور، وعن سخافات القشور المتطفّلة على المذاهب أو الملحقة بالأديان". وتدّعي أيضاً (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، بأن سلسلة كتب السراة التي أصدرتها العام الماضي، هي حجتها على المختلفين معها فيما خصّ "حقيقة هويّتنا وولائنا وتوجّهنا وعميق أفكارنا وجدّيتنا الشغوفة للتغيير الجذري الثقافيّ لأمّتنا العزيزة". كما تدّعي (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، بأن "نحنها" الجماعية ليست سوى "دعوة للنهوض بهذه الأمة، يستفيد ثوابا -بحسب ظنها- مَن آمن بها وساهم فيها".
ارتأينا تثبيت سلسلة الادعاءات هذه في المقدمة، وهي ادعاءات مستقاة من سلسة حلقات (الجماعة) المنشورة في الزميلة "الوطن"، وكلها تحوِّلُ، بحسب منطوق الادعاء، على نزعة الاختلاف التي تسم ذات (جماعة) جمعية التجديد وترفعها على غيرها من الجماعات، لإثبات العكس تماماً، إثبات أن ماتعدّه (الجماعة) دالاًّ على الاختلاف، هو عندنا دالٌّ على الشبه، وماتعده دالاًّ على القطيعة الجذرية مع سفاسف القشور، هو عندنا دالٌّ على الاتصال بمخيال نمطي (مركزي) واكب نموّ الجماعات في دار الإسلام منذ العصر الوسيط وحتى الساعة.
ننطلق في فرضيتنا هنا مما يتوصل إليه الدكتور عبدالله إبراهيم عن أن نزعة التمركز حول الذات التي طبعت الثقافة الإسلامية خلال العصر الوسيط، الذي، هو بالمناسبة ممتد حتى الساعة، أنتجت عبر أداتها، التي هي التمثيل، مستويين من التمثيل حيال الذات والآخر: "ففيما يخص الذات أنتج (التمثيل) ذاتاً نقية، وحيوية، ومتعالية، ومتضمنة الصواب المطلق، والقيم الرفيعة، والحق الدائم؛ فضخ مجموعة من المعاني الأخلاقية المنتقاة عن كل الأفعال الخاصة بها، وفيما خص الآخر، أنتج (التمثيل) (آخر) يشوبه التوتر والالتباس والانفعال أحياناً، والخمول والكسل أحياناً أخرى" [2].
لنجرب الآن، عبر هذه الفرضية، قراءة نزعة التمركز في الطريقة التي تتمثل بها ذات (جماعة) جمعية التجديد، التي، هي، واحدة من الذوات المترددة على تخوم "دار الإسلام"، نفسها، وسوف نؤجل الحديث عن كيفية تمثلها للآخر إلى مناسبة أخرى. وسنعزو دواعي هذا التأجيل إلى التباس مفهوم الآخر بالنسبة إلى (الجماعة)، وذلك في ظل الظروف "الاستثنائية" التي صاحبت نشأتها وماتزال، أكان هذا الآخر خارجياً (أمم أخرى) أو داخلياً (جماعات متنافسة داخل الحقلين الديني والعمومي "دعاة الدين، دعاة التحرر").
لاتنفك (جماعة) جمعية التجديد عن تقديم نفسها باعتبارها تردداً من الداخل الإسلامي؛ بيد أنها، وفي ذلك مزعم اختلافها، التردد الذي يحمل على عاتقه مهمة "تجديد" الأمة، وتخليصها من تراث "العمى" و"التخبط" العالق بها بموجب تعاقب السنين. وهي تِبعاً لذلك، تقوم بتعريف نفسها، كما وتبعاً لهذا التعريف تخلع على نفسها أوصافاً تمجيدية، تمنحها ذاتاً فريدة، ذاتاً طهرانية ممتلئة لاتشوبها هجنة ولاتشينها شائنة.
فهي الجماعة التي تشكلت في إطار "الخروج على البرمجات الحزبيّة، والدينيّة، والطائفيّة، والسلطويّة"، وهي وفقاً لهذا الامتياز الذي تحصلت عليه من لحظةالنشأة، استحقت أن تكون "تجمّعاً واعياً وحازماً ضدّ نوازعنا وغرورنا الدينيّ السابق نحن".
كما أنها الجماعة التي لاتهوى "شعوذات وطقوس فارغة وسراديب، بل نحن أبعد الناس عن لامنطقيّة الأمور"، وأن "من يطّلع بإنصاف على مقال واحد من أدبيّاتنا (ناهيك عن مشاريعنا الثقافية الجذريّة التي تنسف كلّ هذا العمى والتخبّط) يكفيه أن يمسح عنه أثر الاستحمار الذي استغفله به المغرضون عنّا".
هي الجماعة التي يكتشف من يعايشها "سخف المتكلّمين عنّا"، والتي أخلاق أفرادها (كلهم) "ضبط النفس خلقٌ حميد لا يمكن أن نحيد عنه".
هي التي واجهت كل صنوف الإساءة التي وجهت إليها من خصومها بانضباطها "الرساليّ وبجوهر أخلاقنا التي كدّسناها عبر السنين"، كما بقدرتها "على السلم والحبّ والحوار والوفاق والإحياء والعطاء والصفح والتعامل بشرف"، وذلك كله محصلة لما تخلق عليه أفرادها "أن نقضي الليل كله تحت تأثير إساءة الغير (...) اعتنقنا خيارَ العفو ونسيان آلامنا مهما كان جبروت الآخر".
هي الجماعة التي عقيدة الآخر عندها "لا تعني لنا إلا احترام صاحبها، مهما تكن، ولو كانت حجرا على حجر"، وهو مايقف ضداً على أن تتورط في محاربة"الآخر على حرّيته التي يتمتع بها مهما كان، بل نعينه عليها كلّما استوجب الأمر". هي التي ما أسفت يوماً "لرحيل مَن رحل عنّا قط"، ذلك أنها ليست ممن "نستكثر بعدد، ولا نحتفظ بالإكراه بإمّعات معنا أو مطبّلين يضرّون بأخلاقهم ولا ينفعون"، فبابها "مفتوح للداخل والخارج"، ولايهمها إلا "الصفح الجميل عمّن أخطأ بجهله علينا، وهذا شأن إلهيّ، نحن نتعمّده ونتعبد به".
هي الجماعة التي تتقبل "النقد من كلّ أحد"، وترى من واجبها أن ترده عليه " بالشكر والثناء"، وهي التي (جمعيتها) ليست "ميدانا ننتصر فيه على خصوصيّات الآخرين، بل للتوافق فيما اختلفنا فيه معهم". هي التي سلاسل سراتها تبرهن على "انشغالنا عن السفاسف وعبثيّة تداول الإساءات"، وتشكل "المحكّ والصخرة التي تلجم أفواه المغرضين، وتكشف الزيف وغبار اللؤم القديم".
هي الجمعية التي حميتها "لفكرنا، وولاؤنا لأمتنا، وانتماؤنا لوطننا، لا نميل عنه مهما كانت الأسباب، سياسية اقتصادية دينية طائفية أو غيرها"، وهي التي الفرد (التجديدي) منها " بربّه شيء، ومن غيره لا شيء". هي التي أرادت لنفسها التحرر "من النوازع التي تخطف المرء بعيداً عن غايته العليا"، والتي نظراً إلى "جدّيتنا الشغوفة للتغيير الجذري الثقافيّ لأمّتنا العزيزة، أمّتنا التي هي الأم الكبرى لباقي الأمم والمعلّمة للمتعلمين"، تتوعد المختلفين معها "بما لم يطرأ لهم على بال، ولم يدُرْ لهم بخَلد، ليعلموا بعدها صاغرين أننا على شيء من نور".
وهي أخيراً، الجمعية التي مقتضى العقل يحكم بأن "المنتمي (إليها) ملزم بما هو أشدّ من غيره"، وذلك لأن الزعم "بأنها تشرفت برؤية نبي أو وليّ"، إنما يدفع إلى أن يزداد "المستقيم استقامة، ويحمله ما لا يتحمله غيره من سائر الناس، من وجوب المراقبة والمحاسبة، والتشديد على الذات والتخفيف عن الآخرين بالرحمة".
تلك هي ذات (جماعة) جمعية التجديد، وذلك هو مستوى تمثيلها لنفسها في معرض مماحكتها مع المختصمين معها. وفي كل ضروب التمثيل الفخمة هذه، برزت ذاتها من خلال (نا) الجماعة. و (نا) الجماعة هذه، هي (نا) مستوية، لامكان فيها للاختلاف والفوارق الفردية. كل أفرادها مستوون كقطعة الحجر الكريم، ليس منهم إلا المنضبط الرسالي، وإلا القادر على الصفح، وإلا المتفلت من الغرائز، وإلا من هو شيء ومن هو جدي ومن هو مغير جذري والمزداد استقامة والذي المقال الواحد له كفيل بمسح أثر الاستحمار.
قلنا إننا نريد أن نقرأ ضروب التمركز لدى الجماعة، وها قد فعلنا، بقي على الجماعة نفسها أن تقول لنا فيما اختلفت هي، بتشبيحاتها التجديدية، عن ميراث الجماعات فيما خص تمثيل نفسها وتمثيل الآخر المختلف.
تبدأ لحظة التجديد من إعادة النظر إلى الذات، من الخروج على النمط التمثيلي الاصطفائي، من لحظة الكف عن التنرجس، من اللحظة التي يقول فيها خطابنا نحن لسنا الأفضل ولسنا الأصل ولسنا أمَ العالم، ولسنا بداية العالم. نحن لسنا ذاتاً واحدة مصقولة حد النقاء. نحن لسنا الأمة. لحظة الخروج على أسطورة الأمة وتمثيلاتها الاصطفائية يبدأ التجديد.
[1] نلحق (جماعة) باسم جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية للإحالة على الوجودين الفعلي (الجماعة) والمؤسسي (الجمعية) لها، وذلك حسب تعريفها هي لنفسها.
[2] عبدالله إبراهيم، المركزية الإسلامية، صورة الآخر في المخيال الإسلامي خلال القرون الوسطى. المركز الثقافي العربي.