مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

"محنة" فاضل عباس

 فاضل عباس

قد لايتذكر الآن، أمين عام جمعية التجمع الوطني (المُقال) فاضل عباس، في حموة الانقلابات البيضاء والانقلابات المقابلة (البيضاء هي أيضاً)، لقاءين جمعاه بكاتب هذه السطور، أو قد لايتذكر مادار فيهما على وجه الدقة، لكنه، مامن شك، يتذكر عديد مواقف "فقدان البوصلة"، التي أطلّ منها غير مرة ومن غير مكان، منافحاً ومقاتلاً، عمّا حرص الحرص كلّه على إثباته، وعمّا حرص الحرص نفسه على نفيه.

 ففي عديد المواقف هذه، قال كل مايمكن أن يقوله في لقاء عابر أو في مقامٍ خاص، وفيها كل الشواهد التي تغني "عين الحسود" عن النظر إلى سواها فيما تودُّ تسجيله عليه. ورغم ذلك، فليس هذا مكان تصفية حسابات المواقف والتصريحات "غير الرشيدة"، البتة.
        قلت إنني التقيت مرتين بعباس، وفي اللقائين، نافح، كما هو دائماً، بحدّة المقاتل الوثوقي، عن سلسلة القناعات وسلسلة اللاقناعات التي هو عليها. والنقاش مع عباس، ويعرف ذلك من يلتقيه، لايمكن أن يصل إلى أفق فهم مشترك، فكل قناعاته معطوفة على الفائض من اليقين، وكل لاقناعاته معطوفة على المحض من الباطل.

 وحين كان أحدنا، وهو الزميل إسحاق الشيخ يعقوب، يجهد على مماحكته، في شأن ماغدا يقتنع به هو الآن، ويجاهر به، حول رهانه "الخاسر" على "فلان" (المُقال هو أيضاً)، المتنقل بخفة الغزال مابين الأرثوذكسيتين الشيعية والسنية (كذا على التوالي)، كان، هو، أي عباس، يجهد على إثبات العكس تماماً، وكان يستعين على ذلك ببلاغة ظافرية تبدأ من تاريخ "فلان" الوطني، ولا تنتهي عند حكمته وحنكته وبراعته (نسى ظرافته).

        وحين كنت، وهكذا جرى اللقاء الثاني، أجادله بأنني لا أفهم كيف أن حركة تعلن أن هدفها هو دب الروح إلى شارع معين (الشارع السني)، مهما قيل عن هذا الشارع، أنه مغيب أو مهمش أو مقصي أو أو أو، (كيف) أنها لن تقع في فخ إعادة إنتاج التعاضديات الإثنية والطائفية، جرْياً على "غلط" من سبق، التيار الشيعي، من ردته على لجنة العريضة، إلى المآلات المؤسفة التي وصل إليها اليوم (آخرها التنافس المحموم على ماقيل عنه الدوائر الانتخابية الوفاقية الخالصة!)، كان، هو، يبدو مطمئناً من أن الأمور لن تسير بهذا الشكل، وكان يستميت دفاعاً عن أن إعادة تأهيل مناطق الرفاع والمحرق والزلاق والبسيتين إلخ إلخ (لم يكن يقول المناطق السنية ساعتها!) سيشكل إغناء إلى العمل الوطني والهوية الوطنية.

وكان، زيادة على ذلك، يبشر بآخر نسخ التوفيقية/ التلفيقية رداءة، الدّين وإعادة الموقف من الدين، العلمانية وفائدة "تديين" العلمانية (لم يفوّت الإعلان عن إنه و"فلان" يداومان على أداء الصلوات، استجابة على مابدا إلى حزمة القناعات الجديدة).

        الآن، ولمّا لم نذهب بعيداً بعدُ، يستفيق فاضل عباس على هول الصدمة. حركة "الإغناء" الوطني والهوية الوطنية تستحيل إلى سلفية جهادية "زرقاوية، بنلادنية" خارجة على القانون. و"فلان" التاريخي المثال أمس، هو نفسه من صار يسعى اليوم إلى "تجيير التجمع باتجاه مصالحه الخاصة، وأهمها الانتخابية"؛ أما التجمع، وبعد أشهر "الصحوة الدينية" التي عاشها، فإنه "سيشهد الكثير من التغييرات لإعادته إلى وضعه الطبيعي، إلى التيار الذي ينتمي إليه وهو التيار الوطني الليبرالي" (كذا كما جاء على لسانه في لقاء مع الزميل علي مجيد قبل أسبوعين في الزميلة الأيام).

        أن ينتفض فاضل عباس الآن، أن يصحو، يستجيب إلى سنة الاختلاف والتغير، فلا ضيرَ في ذلك، لكن أن يستمر، هو أو "فلان" أو فلتان في اتخاذ المجال العمومي حقل تجارب إلى شرعة "النفَضات" هذه، فهنا يكمن الغلط. لأنه، والحال ذلك، لايفعل سوى أنه يقوم بإسقاط العام على الخاص، يعيد نسخ قائمة "القبحيات" التي عمل هو و"فلان"، طوال الأربعة الأعوام الماضية، وبإصرار نبوي، على دمغ الجمعيات الأربع المقاطعة بها (آخرها دعوة المقاطعين إلى الاعتذار عن خيار المقاطعة).

        وحتى نصدق أن "النفضة" هذه المرة خالصةٌ لوجه الله، نفضة لاشخصنة فيها ولا شبهةً مما درجت عليه عاداتنا العربية في تدبير المنازل والسياسة، ليجرب أن يمتثل إلى واحدة من عديد "الروشتات" التي عمل، هو و"فلان" على إسدائها إلى المقاطعين: أن يعتذر.

 ... أن يعتذر عن أنه ساهم وروّج وبرى وشحذ ومارس الدعاية وداهن ونافح واستمات وراهن وشارط وأغدق والتمس وأفاض ورفع وفاصل ودفع وانتصر، لما غدا يعتبره اليوم تياراً "تسيطر عليه السلفية الجهادية". حين يفعل ذلك، سنصدق أن جزءاً مما يجري، هو "نفضةٌ" خالصةٌ، لا هجنة فيها ولا شائبة. ودون ذلك، ليسمح لنا أن ننشد مع أجدادنا البائدين "يداك أوكَتَا وفوك نفَخ".
 
مواضيع ذات صلة:
 

أحلام "الفوتبوليزم"

 فيما يجادل الزميل كريم رضي بإمكانية تحول حمُّى "الفوتبوليزم" إلى حاضنة العصر بالنسبة إلى قيم التسامح والتعددية، بعد أن كشفت التجربة عن خطل التعويل على "الثقافة" في القيام بهذا الدور، على ما أفصحت عنه هذه الأخيرة من إخفاق أكيد، خصوصاً لجهة اتكائها على عنصر الهوية، المفرّق أكثر مما هو مؤلّف، تتصاعد من نواحٍ أخرى، موجات الغضب والاحتجاجات الصاخبة، ولكن، هذه المرة، ليس لأن شعوباً من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض، قد اصطفت بحميمية أمام شاشات العرض الكبيرة لمشاهدة الكرنفال الكروي المتجدد كل أربعة أعوام؛ إنما لأن امتياز "المشاهدة" نفسه، قد حُرمت منه.

قبل ذلك، كنت قد استمعت قبل نحو عامين لساعتين، إلى تقريض من الصديق علي حرب غضون لقاء معه في بيروت، حول "روشتة" أخرى تتعلق بالاقتصاد، وكيف أن الرئيس الراحل رفيق الحريري، الوحيد من بين كل أمراء الحرب في لبنان من كان يتوفر على مستشارين من كل الطوائف، مستنتجاً، بعد عرضٍ مسهب، بأن الاقتصاد الذي، ونظراً لارتباطه بنظام المصالح –وليس الهوية- يمكن أن يتحول إلى حاضنة لقيمتي التسامح والتعددية.

ثم جاءت جهيزة بمالم يكن في حسبان جني أو شيطان: قُتِل الرئيس الحريري، وتفجرت في إثر ذلك أكثر الغرائز بشاعة، حقداً وكراهية، بين شعبين، يُفترض فيهما أنهما  الأكثر التصاقاً، لجهة التاريخ، قياساً على حالات عربية عديدة. "ميسي".. الذي أعشق!وعودة على مسألة "الفوتبوليزم" وطرحها حلاً، أمام الانفلاش المتنامي للهويات الثقافية، خصوصاً من جهة ماتمخض عن أعمدة الدخان المتطايرة من المشهد العراقي، هنالك تعبيران ظهَرَا في فلسطين والجزائر، عبّرَا عن واحدة من المقاومات البلاغية، أو قل جيوب المقاومة، التي فجرها الحدث الرياضي الأهم عند شعوب الأرض: "عصابة بتلر" و"جشع الملياردير السعودي". الأول يتعلق بما تردد عن قيام "الفيفا" بتحويل كرة القدم إلى مؤسسة لصناعة المال، والثاني يتعلق بقيام الملياردير السعودي صالح كامل باحتكار بث مباريات المونديال العالمي، وحجبه عن ملايين الفقراء في الدول العربية الذين لايستطيعون تحمّل تكاليف المشاهدة (بلغت في الخليج العربي نحو 426 دولاراً للاشتراك الواحد).

ويثير هذان التعبيران جملة من المتعلقات، لاتخلو من الصلة بمسألة الهوية التي يُراد الهروب منها، ولكن هذه المرة، برسم "طبقي". والحاصل، يحولنا ذلك على ماكان قد تحدث عنه ميشيل فوكو غير مرة بشأن مؤسسات العزل (الجنون، العقوبة) التي أنشئت في أوروبا في العصر الكلاسيكي (السابع عشر والثامن عشر) تعبيراً عن أحلام البرجوازية وإسهابها في ابتكار مؤسسات لاستدرار الربح، وفي الوقت نفسه، لقمع الذوات غير المنتجة (المجانين، المساجين). الأمر مثله، يحدث بالنسبة إلى مؤسسة "الفيفا"، أو مؤسسة الـ"إي آر تي": حلم بروجوزاي (مجنون) لاستدرار الربح، والمزيد من الربح، وفي الوقت نفسه لقمع "المشاهدين" غير المنتجين. إن هذا الحلم البرجوازي المجنون، أو سمه ماشئت، كفيلٌ بأن يفتح أذهاننا على هشاشة التعويل على "الفوتبوليزم" واعتباره حاضنة لتجاوز عوائق التسامح في ثقافتنا، أو أية ثقافة.

ربما، يصح ذلك، أقول ربما، لو أعيد الحدث الأهم عند شعوب الأرض قاطبة إلى عفويته وشعبيته؛ لكن الواقع المخيب يقول: إنه يتجه إلى أن يكون مؤسسياً أكثر من أي وقت مضى. علينا أن نيأس!

 
اقرأ مقال الكاتب كريم رضي في صحيفة "الوقت":
الـ «فوتبوليـــزم» بديــلاً عـن الهويــات
ذات أمسية ثقافية لجابر عصفور بمركز الشيخ ابراهيم آل خليفة في ندوة عن التسامح، كانت لي مداخلة لم تعجب الضيف فلم يعرها اهتماما ولا تعليقا. كان هو قد استعرض بدايات التعرف على مفهوم ‘’التسامح’’ في الثقافة العربية ومنشأه ثم تحولات هذا المفهوم في اللغة من مصطلح ‘’التساهل’’ إلى مصطلح ‘’التسامح’’، وتجلي هذا المفهوم عمليا في الواقع.
 

علم الاجتماع كفيل بالحد من تسيب المقولات

 
      الطاهر لبيب
 لماذا السوسيولوجيا؟ وبالتحديد عربياً. بحسب المفكر التونسي الطاهر لبيب، إن صِيَغ الاجتماع في السياق العربي، عادةً، ماتميل إلى الإطلاق. فالأفكار والمفاهيم والمقولات الرئيسة، لاتتخلّقُ عربيا إلا بوصفها ظواهر فوق- تاريخية خارجة على شروط الزمان والمكان. 
ولأنها كذلك، يعتقد لبيب أنّ التعويل على السوسيولوجيا يُمكن أن يُسهم في عقلنتِها، لأنّ ذلك يُجبرها على العودة إلى أصولها الاجتماعية، فتصبح أكثر نسبيّة، وفي الوقت نفسه، تصبحُ أكثر فهماً.

        من هذا المنظور قارب الطاهر لبيب ظاهرة الغزل في الأدب العربي، وتوّج ذلك في كتابٍ أصدره قبل ثلاثين سنة، فأثار ضجةً في حينه، بل ومايزال. (سوسيولوجيا الغزل العربي). ولعلّ ماقاله المستشرق الفرنسي الأستاذ بالكوليج دي فرانس أندريه ميكيل "إن المهتمين بالأدب العربي الكلاسيكي لم يعد بإمكانهم بعد أن صدر هذا الكتاب أن ينظروا إلى هذا التاريخ كما كانوا ينظرون إليه"، هو، أبلغ مايمكن إيراده للدلالة على أهمية المقاربة التي قدمها لبيب.

 
لقراءة نص الحوار، اتبع الوصلة التالية:

 

أسطورة أمة "السراة"

(إن أسطورتنا هي عظمة الأمة)

     الفاشستي الدكتاتور الإيطالي موسوليني

 

تصوير: حسين المحروستدّعي (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية [1]، بأن تجمعها "لم يكن في يوم من الأيام تجمعاً ضدّ أحد، بل كان للخروج من البرمجات الحزبيّة، والدينيّة، والطائفيّة، والسلطويّة". وتدّعي (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية من بين ماتدعي، بأنها "أبعد الناس عن لامنطقيّة الأمور، وعن سخافات القشور المتطفّلة على المذاهب أو الملحقة بالأديان". وتدّعي أيضاً (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، بأن سلسلة كتب السراة التي أصدرتها العام الماضي، هي حجتها على المختلفين معها فيما خصّ "حقيقة هويّتنا وولائنا وتوجّهنا وعميق أفكارنا وجدّيتنا الشغوفة للتغيير الجذري الثقافيّ لأمّتنا العزيزة". كما تدّعي (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، بأن "نحنها" الجماعية ليست سوى "دعوة للنهوض بهذه الأمة، يستفيد ثوابا -بحسب ظنها- مَن آمن بها وساهم فيها".

ارتأينا تثبيت سلسلة الادعاءات هذه في المقدمة، وهي ادعاءات مستقاة من سلسة حلقات (الجماعة) المنشورة في الزميلة "الوطن"، وكلها تحوِّلُ، بحسب منطوق الادعاء، على نزعة الاختلاف التي تسم ذات (جماعة) جمعية التجديد وترفعها على غيرها من الجماعات، لإثبات العكس تماماً، إثبات أن ماتعدّه (الجماعة) دالاًّ على الاختلاف، هو عندنا دالٌّ على الشبه، وماتعده دالاًّ على القطيعة الجذرية مع سفاسف القشور، هو عندنا دالٌّ على الاتصال بمخيال نمطي (مركزي) واكب نموّ الجماعات في دار الإسلام منذ العصر الوسيط وحتى الساعة.

ننطلق في فرضيتنا هنا مما يتوصل إليه الدكتور عبدالله إبراهيم عن أن نزعة التمركز حول الذات التي طبعت الثقافة الإسلامية خلال العصر الوسيط، الذي، هو بالمناسبة ممتد حتى الساعة، أنتجت عبر أداتها، التي هي التمثيل، مستويين من التمثيل حيال الذات والآخر: "ففيما يخص الذات أنتج (التمثيل) ذاتاً نقية، وحيوية، ومتعالية، ومتضمنة الصواب المطلق، والقيم الرفيعة، والحق الدائم؛ فضخ مجموعة من المعاني الأخلاقية المنتقاة عن كل الأفعال الخاصة بها، وفيما خص الآخر، أنتج (التمثيل) (آخر) يشوبه التوتر والالتباس والانفعال أحياناً، والخمول والكسل أحياناً أخرى" [2].

لنجرب الآن، عبر هذه الفرضية، قراءة نزعة التمركز في الطريقة التي تتمثل بها ذات (جماعة) جمعية التجديد، التي، هي، واحدة من الذوات المترددة على تخوم "دار الإسلام"، نفسها، وسوف نؤجل الحديث عن كيفية تمثلها للآخر إلى مناسبة أخرى. وسنعزو دواعي هذا التأجيل إلى التباس مفهوم الآخر بالنسبة إلى (الجماعة)، وذلك في ظل الظروف "الاستثنائية" التي صاحبت نشأتها وماتزال، أكان هذا الآخر خارجياً (أمم أخرى) أو داخلياً (جماعات متنافسة داخل الحقلين الديني والعمومي "دعاة الدين، دعاة التحرر").

لاتنفك (جماعة) جمعية التجديد عن تقديم نفسها باعتبارها تردداً من الداخل الإسلامي؛ بيد أنها، وفي ذلك مزعم اختلافها، التردد الذي يحمل على عاتقه مهمة "تجديد" الأمة، وتخليصها من تراث "العمى" و"التخبط" العالق بها بموجب تعاقب السنين. وهي تِبعاً لذلك، تقوم بتعريف نفسها، كما وتبعاً لهذا التعريف تخلع على نفسها أوصافاً تمجيدية، تمنحها ذاتاً فريدة، ذاتاً طهرانية ممتلئة لاتشوبها هجنة ولاتشينها شائنة.

فهي الجماعة التي تشكلت في إطار "الخروج على البرمجات الحزبيّة، والدينيّة، والطائفيّة، والسلطويّة"، وهي وفقاً لهذا الامتياز الذي تحصلت عليه من لحظةالنشأة، استحقت أن تكون "تجمّعاً واعياً وحازماً ضدّ نوازعنا وغرورنا الدينيّ السابق نحن".

كما أنها الجماعة التي لاتهوى "شعوذات وطقوس فارغة وسراديب، بل نحن أبعد الناس عن لامنطقيّة الأمور"، وأن "من يطّلع بإنصاف على مقال واحد من أدبيّاتنا (ناهيك عن مشاريعنا الثقافية الجذريّة التي تنسف كلّ هذا العمى والتخبّط) يكفيه أن يمسح عنه أثر الاستحمار الذي استغفله به المغرضون عنّا".

هي الجماعة التي يكتشف من يعايشها "سخف المتكلّمين عنّا"، والتي أخلاق أفرادها (كلهم) "ضبط النفس خلقٌ حميد لا يمكن أن نحيد عنه".

هي التي واجهت كل صنوف الإساءة التي وجهت إليها من خصومها بانضباطها "الرساليّ وبجوهر أخلاقنا التي كدّسناها عبر السنين"، كما بقدرتها "على السلم والحبّ والحوار والوفاق والإحياء والعطاء والصفح والتعامل بشرف"، وذلك كله محصلة لما تخلق عليه أفرادها "أن نقضي الليل كله تحت تأثير إساءة الغير (...) اعتنقنا خيارَ العفو ونسيان آلامنا مهما كان جبروت الآخر".

هي الجماعة التي عقيدة الآخر عندها "لا تعني لنا إلا احترام صاحبها، مهما تكن، ولو كانت حجرا على حجر"، وهو مايقف ضداً على أن تتورط في محاربة"الآخر على حرّيته التي يتمتع بها مهما كان، بل نعينه عليها كلّما استوجب الأمر". هي التي ما أسفت يوماً "لرحيل مَن رحل عنّا قط"، ذلك أنها ليست ممن "نستكثر بعدد، ولا نحتفظ بالإكراه بإمّعات معنا أو مطبّلين يضرّون بأخلاقهم ولا ينفعون"، فبابها "مفتوح للداخل والخارج"، ولايهمها إلا "الصفح الجميل عمّن أخطأ بجهله علينا، وهذا شأن إلهيّ، نحن نتعمّده ونتعبد به".

هي الجماعة التي تتقبل "النقد من كلّ أحد"، وترى من واجبها أن ترده عليه " بالشكر والثناء"، وهي التي (جمعيتها) ليست "ميدانا ننتصر فيه على خصوصيّات الآخرين، بل للتوافق فيما اختلفنا فيه معهم". هي التي سلاسل سراتها تبرهن على "انشغالنا عن السفاسف وعبثيّة تداول الإساءات"، وتشكل "المحكّ والصخرة التي تلجم أفواه المغرضين، وتكشف الزيف وغبار اللؤم القديم".

هي الجمعية التي حميتها "لفكرنا، وولاؤنا لأمتنا، وانتماؤنا لوطننا، لا نميل عنه مهما كانت الأسباب، سياسية اقتصادية دينية طائفية أو غيرها"، وهي التي الفرد (التجديدي) منها " بربّه شيء، ومن غيره لا شيء". هي التي أرادت لنفسها التحرر "من النوازع التي تخطف المرء بعيداً عن غايته العليا"، والتي نظراً إلى "جدّيتنا الشغوفة للتغيير الجذري الثقافيّ لأمّتنا العزيزة، أمّتنا التي هي الأم الكبرى لباقي الأمم والمعلّمة للمتعلمين"، تتوعد المختلفين معها "بما لم يطرأ لهم على بال، ولم يدُرْ لهم بخَلد، ليعلموا بعدها صاغرين أننا على شيء من نور".

وهي أخيراً، الجمعية التي مقتضى العقل يحكم بأن "المنتمي (إليها) ملزم بما هو أشدّ من غيره"، وذلك لأن الزعم "بأنها تشرفت برؤية نبي أو وليّ"، إنما يدفع إلى أن يزداد "المستقيم استقامة، ويحمله ما لا يتحمله غيره من سائر الناس، من وجوب المراقبة والمحاسبة، والتشديد على الذات والتخفيف عن الآخرين بالرحمة".

        تلك هي ذات (جماعة) جمعية التجديد، وذلك هو مستوى تمثيلها لنفسها في معرض مماحكتها مع المختصمين معها. وفي كل ضروب التمثيل الفخمة هذه، برزت ذاتها من خلال (نا) الجماعة. و (نا) الجماعة هذه، هي (نا) مستوية، لامكان فيها للاختلاف والفوارق الفردية. كل أفرادها مستوون كقطعة الحجر الكريم، ليس منهم إلا المنضبط الرسالي، وإلا القادر على الصفح، وإلا المتفلت من الغرائز، وإلا من هو شيء ومن هو جدي ومن هو مغير جذري والمزداد استقامة والذي  المقال الواحد له كفيل بمسح أثر الاستحمار.

        قلنا إننا نريد أن نقرأ ضروب التمركز لدى الجماعة، وها قد فعلنا، بقي على الجماعة نفسها أن تقول لنا فيما اختلفت هي، بتشبيحاتها التجديدية، عن ميراث الجماعات فيما خص تمثيل نفسها وتمثيل الآخر المختلف.

          تبدأ لحظة التجديد من إعادة النظر إلى الذات، من الخروج على النمط التمثيلي الاصطفائي، من لحظة الكف عن التنرجس، من اللحظة التي يقول فيها خطابنا نحن لسنا الأفضل ولسنا الأصل ولسنا أمَ العالم، ولسنا بداية العالم. نحن لسنا ذاتاً واحدة مصقولة حد النقاء. نحن لسنا الأمة. لحظة الخروج على أسطورة الأمة وتمثيلاتها الاصطفائية يبدأ التجديد.

 

[1] نلحق (جماعة) باسم جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية للإحالة على الوجودين الفعلي (الجماعة) والمؤسسي (الجمعية) لها، وذلك حسب تعريفها هي لنفسها.

[2] عبدالله إبراهيم، المركزية الإسلامية، صورة الآخر في المخيال الإسلامي خلال القرون الوسطى. المركز الثقافي العربي.

 

 

 



<<الصفحة الرئيسية
لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com