
آثرنا البدء بكتلة "اللماذيات" هذه، تمهيداً للقول، إن فعل القراءة الذي هو فعل الفحص، فعل النظر، فعل النقد، فعل الحفر، فعل الكشف، فعل التفسير، فعل التنقيب، فعل التأويل، كما وأيضاً، فعل الإساءة (إساءة القراءة)، فعل الغلط، فعل السلطة، فعل التبرير، فعل الصرف، فعل التحويل، فعل التدمير، فعل التخريب؛ ليس مطلوباً منه، ولايجب أن يكون مطلوباً منه، الخضوع لسياسةٍ واحدة في الحقيقة. إن عملية القراءة لاتتحرر وتغدو فعلاً إرادياً، مالم تُصرفُ إلى فضاء اللعب الحر، اللعب بالدوال والأسماء وأشيائها. أن تبدأ من اليمين أو تبدأ من الشمال، من فوق أو من تحت، من الأول أو من الثاني، من الأمر أو من السراة، ليست تلك هي المشكلة؛ إنما المشكلة في إعاقات القراءة، في إرادة السلطة التي يراد لها أن توجه فعل القراءة إلى.. السراة أولاً.. والسراة أخيراً.
إن سؤال "من أين لك هذا؟" الذي يروق للإخوة في جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أن يفعّلوه لممارسة بعض الفحص على التواريخ التدشينية في التراث، وقادهم في مرحلة متأخرة (عبر سلسلة كتب السراة) إلى تحديد نقاط ارتكاز (تواريخ) مغايرة، هو سؤال القراءة؛ لكن هذا السؤال لايجب أن يتوقف عند هذاالمستوى؛ فحتى لا يتحول إلى سؤال أيديولوجي، إلى سؤال سلطوي موجه، عليه ألا يتجمد عند نقطة ارتكاز واحدة، عند السراة ومابعدها. إننا نتساءل مثلاً: لماذا لايُسأل ما (قبل) السراة: من أين لك هذا؟ لماذا لايُسأل "الأمر": من أين لك هذا؟ "الحلم": من أين لك هذا؟ "الباب": من أين لك هذا؟ "الوكلاءالخمسة": من أين لكم هذا؟ "تاريخ النشأة" نفسه: من أين لك هذا؟ وكل هذه الأسئلة، لنجيب على جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية: من أين لك كل هذا؟
ثم أخيراً، لماذا حين يُجاب على هذه الأسئلة، من طرف بعض الخارجين، قديما أو حديثاً، والذين (ليست صدفة) ينقلون سيراً متشابهة (إلى حد ما) عن أصل التكوين وتطور الجماعة ومفاهيم التمركز لديها، تُتَلقى (الإجابات، إجاباتهم) برشقات "الخزي" و"التغرير" و"العجمة" و"الابتذال". أفلا يحق لنا أن نسأل (من طرفنا هذه المرة) رشقة "الخزي": من أين لك هذا؟ وكذا رشقة "التغرير والعجمة والابتذال": من أين لك هذا؟
إن المطلوب، لايتعدى مسألة توسعة مجال اللعب الحر لسؤال "من أين لك هذا؟"، ليكون شاملاً لحظة الانبثاق وتاريخ النشأة وتاريخ القطائع (القطائع مع مفاهيم سابقة) ومفاهيم التمركز وأنظمة الرغبة (الأحلام). فتلك هي نسّابية (جينالوجيا) نيتشة التي يعوِّل عليها في دراسة الظواهر وتكوّن الجماعات (البحث عن أصل النشأة). وتلك هي متعلقة بيير بورديو الذي يعتقد أن دراسة موضوع ما تستدعي دراسة كل متعلقاته "حين يتم استدعاء موضوع ما، فإنه تُستدعى معه جملة متعلقاته". وبالبناء على ذلك، فإن قراءة جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أو قراءة سلسلة كتب السراة، تستدعي معها قراءة كل متعلقاتها، و(الأمر) هو واحد من هذه المتعلقات. بل حتى متعلق (الأمر) نفسه؛ حين قراءته، يحتاج إلى أن يتم تنسيبه إلى سياق أعقد من المتعلقات، يرتبط بما يطلق عليه "جماعات الخلاص". فسؤال "من أين لك هذا؟" لايجب أن يقف عند حد، وإلا فإنه يكف عن أن يصبح سؤالاً، يكف عن أن يصبح تجديدياً، وعملية القراءة التي تريد جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أن تحصرها (علينا) في السراة.. وفي التالي من السراة، هي قراءة غرضية موجهة، وتِبعاً لذلك، هي قراءة تنتمي إلى إرادة السلطة، لا إلى إرادة اللعب الحر.









25 يونيو, 2006 04:50 م