مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

سامحك الله ياجوليد

... إذن، صار فوزي جوليد الآن مقيماً بصفة غير قانونية. صار العامل الهارب من القانون الذي يتوجّب عليه أن يصطفَّ في طابور منتهيي الإقامة من المضبوطين والمخالفين والمكبّلي الأيدي؛ إلى أن يتسع صدرُ موظف إدارة الهجرة والجوازات للقائه. وبالقانون، كان عليه أن ينافح من أجل تمديد إقامته لثلاثة أسابيع؛ حتى يستطيع، ولن يستطيع، ابنه (جوليد) تتمة عامه الدراسي. كما كان عليه، وبالقانون أيضاً، أن يسارع إلى تصفية متعلقاتهفوزي جوليد، عفشه وحسابه البنكي، ومغادرة البحرين على أول طائرة.

 سامحك الله ياجوليد!! أما كان عليك أن تعرف، أنت الذي لم تفوِّت سانحةً دون أن تقوم بتذكيرنا في جميع لقاءاتك بنا، أنك ومعهدك وسلسلة بيوتات الإن دي آي من خلفك، لاتتعامل إلا مع الهيئات والمؤسسات المختومة بشمع القانون، وتبعاً لذلك، لم تكن تتحمس كثيراً، ولن تتحمس، للقاء الفعاليات الرمزية والسياسية التي لاتعثر لها في القانون، مهما ضاق صدر حائكه، على ثوب يتسع لسمنة صراخها، (أما كان عليك أن تعرف) أن الدولة التي أوليتها كل هذا القدر الفخم من القانون والقانونية، هي دولة لاتطرب كثيراً لضروب القانون؛ إلا إذا كان ضرباً تعبِرُ به هي، لا أن يُعبَرَ به إليها.

          أن تعبر به هي، فمعنى ذلك أنها هي من يملكُ سلطة فرضه على المجال العمومي، وهي من يملك سلطة تأويله، وتبعاً لذلك سلطة تحريكه في الوقت الذي تنتوي تحريكه. فتلك هي السيادة المتواترة في خصوصياتنا العربية المعنعنة. لكن أن تعبر به أنت، أن تؤوله، أن تجتريء على تحريكه في صالحك، فمعنى ذلك، أنك تضربَ بعرض الحائط لاهوتاً ضخماً من السيادة كانت الدولة العربية سباقة في إبداعه بوحي من القوة والخصوصية معاً.

وعلى الرغم من أن الدولة عندنا، في السياق الذي نتحدث منه، قصير عمرها زمنياً، قصير إلى الحدّ الذي مازال هناك بين ظهرانينا من يتحدث عن "إنجاز الدولة" في الوقت الذي راح العالم الحر (عندكم) يُثَمِّرُ أحاديثَ عن "مابعد الدولة"؛ إلا أنها استطاعت أن تكيّف لصالحها جهازياتٍ كاملة من المفاهيم والأداوات والإحداثيات التي يكفي حاصلُ مجموعها كوكبةَ المتمجدين حجّتَهم: "إن عندنا دولة". لكن أي دولة هي، حديثة أو قروسطية؟ لا أحد يتكلم.

          وعليك أن تتذكر هنا، أن الدولة التي استضافتك، ثم من بعد لأيٍ طردتك، وجعلتك ترسل لأحبائك رسائل الإس إم إس مُذيّلةً بالوداع الأخير، هي من دول الندرة التي تريد الدخول إلى سوق التحول الديمقراطي، مع الاحتفاظ بكامل بضاعتها التقليدية. تريد الدخول إلى الحداثة القانونية مع الاحتفاظ بكامل حزم القوانين التي تشكلت في مرحلة ماقبل الحداثة. تريد الدخول إلى المدنية مع الاحتفاظ بكامل آليات القسر والقهر والإكراه ومجتمع ماقبل الاجتماع. تريد الدخول إلى النادي العولمي مع الاحتفاظ بكامل التعاضديات والعصبيات والمجاميع البدائية، كائنا ماكانت، إثنية أو قبلية.

        كنت تتحدث عن السياسة بالسياسة، وتحاول إقناعنا ما استطعت، بأن اللعبة، ومادامت قد بدأت، فإن علينا أن ننخرط فيها، أن ننفد من إليها من التخوم، أو على الأقل ألاّ نعمل على إيقافها، وكنا على العكس منك، عنيدين ومشاكسين، نقول لك إن لدى السلطة جهازياتها التي هي من الضخامة؛ بحيث تمنحها قدرة فائقة على المناورة والاحتواء وصهر تاج الحديد الذي على رؤوسنا، ثم كنا ننتهي، فلا أنت اقتنعت ولا نحن اقتنعنا.

كنت تتحدث عن مجتمع المؤسسات، ولم توفر ذلك حتى ليلة وداعك، وكنت توصينا وتوصي علينا، أن المؤسسة ومشتقاتها هي، الخيار الوحيد الذي يمكن أن تتقوم عليه سيادتنا، على جهة أننا أفراد أولاً، ومجتمع ثانياً، وأن مجال عملك لايتعدى مسألة التقريب بين هذه السيادات وإزالة الهوة الواقعة بينها وبين سيادة أخرى أكبر، هي سيادة الدولة، وكنا نشاغبك بما كان قد تحدث عنه عزمي بشارة غير مرة، بأن المؤسسات التي تنتعش فيها فكرة السيادة، هي تلك التي تنشأ وتنمو بمنأى عن آليات القسر وإكراهات الدولة.

... ثم أنك كنت تنصت لكل ذلك، وتنتظر دورك في الحديث كأي واحد منا، وكنت تنهض بعبء آخر إضافي، هو محاولة العثور على الخيط الرفيع المفقود بين مثالية الثقافي كما عندنا، وواقعية السياسي كما عندك، فكنت تعثر عليه أحياناً، كما كنت تخفق في المهمة أحياناً أخرى. ثم لا أنت سئمت، ولا نحن سئمنا.

سامحك الله ياجوليد، أما كان عليك أن تعلم، أن قومنا لديهم من الحساسية مايكفي لإيقاف كرنفال الإصغاء المشترك هذا، وبرافعة، هي من أفخم وأفحم الرافعات التي اخترعها الاجتماع الإنساني، وهي القانون. انظر.. أنت في أميركا الآن!

 

 



أضف تعليقا


لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com