
فالآن، وبعد أن خَفَتَ هديرُ الإدانات وبياناتُ التنديد ورسائل الشجب والاستنكار واستعراضات القوة، صار ممكناًً التساؤل عمّا إذا كان من المفيد تثمير نوع من التفهمية بخصوص حوادث الشغب، لا على مستوى تجسدها الأخير في أشكال العنف السافر؛ إنما على مستوى ذاك النمط من العقلانية الذي يشتغل عبرها، والذي يجعل من العنف أمراً ممكناً (ولانقول مشروعاً)، أو قل تجلياً واحداً من تجلياتها العديدة.
إن الحديث عن وجود عقلانية في ظاهرة مثل ظاهرة عنف الشوارع، لايعني تبريرها بأية وجه، كما لايعني نسبتها إلى العقل، كما قد يُفهم ذلك من استعمال كلمة عقلانية، إنما هو محاولة لقراءة هذه الظاهرة من خلال صلتها بنظام المصالح الخاص بها وبالسياق الذي تتحدث منه وتنشط داخله. لذا، فإن القياس على حوادث باريس، يمكن أن يفيدنا في فهم نظام المصالح المتعلق بفعل العنف كظاهرة عالمية أولاً، وكظاهرة محلية ثانياً.
أشير بداية، إلى أنني وطوال الشهرين الماضيين، عمدتُ إلى استغلال مكان سكني في القلب من أحد مسارح الحوادث الأخيرة (سنابس) الذي شهد صدامات متكررة بين ملثمين وقوات مكافحة الشغب، بالمغامرة والتواجد قريباً، ما استطعت، من بؤرة الأحداث. وهو ما كلفني دفع نوعين من الضريبة، اختناقاً وضيقاً في التنفس وتنمُّلاً في العين والوجه أحياناً، وزجراً من أحد الطرفين المتخاصمين أحياناً أخرى، وأحياناً الضريبتين معاً.
تبدأ الأحداث عادة، بقيام مجموعة من الشبان الملثمين بقطع الشوارع الرئيسة أو المنافد الداخلية المؤدية إليها، بالإطارات المحروقة وحاويات القمامة المتنقلة، فيما يُتركُ مسارٌ واحدٌ لعبور السيارات. أحياناً، يتولى شاب أو اثنان من الملثمين عملية تنظيم المرور في هذا المسار؛ وبالنسبة لي، يمكنني القول هنا إنني كثيراً ما عوملتُ من قبلهم بلطافة.
أما شرطة مكافحة الشغب، فعادة مايتجه تصرفهم مع الموقف إلى سدّ المداخل الرئيسة بداية، ومن ثم تخفُّ مجموعات راجلة منهم، وبعضُهم ملثم، بالتقدم إلى مكان الحدث. وفي العادة، لايتم السماح لأحد بالمرور؛ حتى لمن هم على شاكلتي، ممن يعتقدون أن ختم وكيل وزارة الإعلام المطبوع على بطاقتهم الصحافية، يمكن أن يمنحهم جواز مرور.
على مدى الشهرين الماضيين؛ وحيث تكرّر هذا المشهد أمامي عشرات المرات؛ وحيث عاينتُ ملياً أعمدة الدخان المتصاعدة من الإطارات المحروقة والغازات المسيلة للدموع، لم أنفك من طرح هذا السؤال على نفسي: لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا يتبرع شباب للقيام بكل هذه التظاهرات الإرادية، وتبعاً لذلك تعريض أنفسهم لكل هذا الحشد الفخم من القوة؟ لماذا يحدث أن يلجأ شباب إلى تخريب الممتلكات العامة، ولماذا الإمعان في هذا الفعل؟
إنني؛ وإذ أستخدم صيغة سؤال (لماذا)، فإنني أفترض مسبقاً أن لاشيء عدمياً في هذه الظاهرة. لاشيء مما يقال عن العنف لأجل العنف أو التخريب لأجل التخريب أو الشغب لأجل الشغب. كما إنني أفترض مسبقاً أيضاً، أن هناك صورة ما من صور العقلانية تشتغل في هذه الظاهرة، هي حتماً غير كون الفاعلين فيها شباباً يائساً أو مندساً أو ضحيّة خطب التحريض وكره الدولة، كما أنها حتما، هي غير كونهم حاملي مطالب وناطقين باسم أهداف سامية وغايات نبيلة.
لنترك الآن الحكم على هذه الظاهرة ونأتي إلى مثال فرنسا.يشير تقرير نشرته مجلة "نيوزويك" عقب إسبوع من شغب باريس، إلى أن الحوادث التي أطلقت فيها النار على الشرطة وحصدت في ليلة واحدة 900 سيارة حرقاً كما وعشرات المعتقلين والجرحى، فتحت عيون المسئولين في الحكومة على "فشل عقود من السياسات الفرنسية المراد منها إجبار المهاجرين على الإندماج".
كما يذكر التقرير بأن وزير الداخلية الفرنسي ساركوزي وصف العصابات التي تقوم بعمليات الحرق بـ"الحثالة"، وحين وبخه رئيس الوزراء دوفيلبان بأنه لايجب "أن نصم بالعار أحياء كاملة"، تدخل الرئيس شيراك، فعادوا جميعاً للوقوف جبهة واحدة خلف شعار "الحزم والعدالة"[1].
إن الفرنسيين لم يخفوا رغبتهم في التعامل "حازمين وعادلين" مع المتسببين في الشغب، لكنهم أيضاً، لم يخفوا إن أمامهم مهمة مراجعة "سياساتهم لعقود حيال المهاجرين". وفي التحليل، يحوّل الحزم على "نظام القوة" المتصل بعمل الدولة؛ في حين تحوِّل عملية مراجعة السياسات على "نظام المصالح" المتعلق بعمل الدولة في علاقتها مع المجتمع.
إن لكلا الطرفين (الدولة، المجتمع) نظام مصالحه الخاص، عقلانيته الخاصة، التي تشتغل عبرها مجمل آلياته. فالدولة لها اقتصادياتها كما أن للمجتمع اقتصادياته، وللدولة تنظيمها وهيكلتها كما أن للمجتمع تنظيمه وهيكلته، وللدولة إكراهاتها التي تحيا بها وتدوم كما أن للمجتمع إكراهاته التي يحيا بها ويدوم، وللدولة أحلامها وأوهامها كما أن للمجتمع أحلامه وأوهامه. لكن أيضا، ثمة نظام المصالح العام والمشترك، نظام الأنظمة المتعلق بالمصالح والرغبات والأحلام والمنافع والاقتصاديات المتبادلة بين الدولة والمجتمع معاً. وعملية "مراجعة السياسات الفاشلة" تتعلق بهذا النظام الأخير.
إن كثيراً من المشاكل عائدة في الأساس إلى سوء تدبير هذا النظام العام والمشترك. فحين تكف "سياسات العقود الطويلة" عن إقناع المجتمع بأنه شريك في هذا النظام، حين يكف النظام العام عن أن يكون عاماً، فإنه ينتج الرغبة في تدميره.
من هنا، فإننا نفهم حوادث العنف في فرنسا والبحرين على أنها تعبير بالوسائل الأكثر عنفاً وبدائية، عن اختلال في نظام المصالح المشترك. من هنا أيضاً، نفهم عقلانية ظاهرة مثل ظاهرة العنف، نفهمها باعتبارها سلوكاً بدائياً موجهاً، لكن أيضاًَ معبراً عن الصراع الحاصل على نظام الحلم والرغبة بين الدولة والمجتمع[2].
وكما في فرنسا، فإن مطالباً واضحة ومعلنة لم يرفعها المسؤلون عن شغب الضواحي، فإن مطالباً واضحة ومعلنة لم يرفعها المسؤلون عن شغب قرى شارع البديع وسترة. كما أنه، ومثلما أن أحداً من الملثمين في فرنسا (قالت الشرطة الفرنسية إن معظم المحتجين هم بين الـ14 والـ25 من العمر) لم يتبرع بالكشف عن هويته، فإنه من غير المتوقع هنا أيضاً أن يتبرع أحد من الملثمين (نفس الفئة العمرية تقريباً) بالكشف عن هويته. يبقى الفارق أنه، هناك في فرنسا يوجد من يتحدث عن "مراجعة سياسات"، بينما لايتحدث عن مثل ذلك أحد عندنا.
[1] كريستوفر ديكي، إنه الحريق هذه المرة، نيوزويك، ع: 15 نوفمبر-تشرين الثاني 1995.
[2] لانعني بكلمة "المجتمع" وحدة من نوع ما؛ حيث نقر باختلاف أنظمة المصالح للجماعات المتصارعة فيه.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية