مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

عن "الديمقراطيين" والصّورة وبيضةِ القبّان

من اليمين عادل المعاودة وعبدالهادي مرهون منتبهاً جيداً للكاميرا

 

           يحرص عبدالهادي أحمد عيسى مرهون أن يجعلَ من صورته ضيفاً على مختلف الصحف الصادرة صباحاً. ولاينسى أن يعزّز طغيان الصورة بمانشيتات "صاخبة" يبثُّ عبرها رسائلَ تتعلق بسيل الأحداث التي تشغلُ الفضاء العام. لكن التصاقه بالصورة لايتوقف هنا، إنما يتمدّد ليشغل مساحةً مهمة من حيّزه الخاص. ودون عناء بحث، يطالعنا مجلسُه الكائن في "ضاحية السيف" بصورة تَمَّتْ بروزتُها بعناية، يطلُّ منها مبتسماً في وجه الأمين العام لحزب الله اللّبناني حسن نصر اللهأ .ما مكتبه "الفخم" الواقع في مبنى البرلمان، فلقد استعاضَ له بدلاً من الصورة، بصفحةٍ أولى من جريدة يومية يقول مانشيتُها الرّئيس أكثر ممّا تقوله صورةٌ أُخذت بعدسة فنان محترف: (فليصمتْ مرهون).

        إلى جانب مايوفّره عديدُ الصور هذه من دلالات "إشهارية"، لاتخفى على بال أي راءٍ سريع، تكشف من جانب آخر، عن غريزة تعويضية تتصل بانحسار الجغرافيا السياسية التي يمكن أن يضع فوقها رجلاه "الثقيلتان" داخل البرلمان، هو واثنان من "رفاقه" –والرفاق ذات دلالة هنا!-، تسالم معهما على تسمية أنفسهم بـ(كتلة الديمقراطيين).

        وإذا كان من المهم هنا، الإشارة إلى اسمي عبدالنبي سلمان ويوسف زينل اللّذين يشكل بمعيتِهما صورةً كاملة Image، فمن المهم أيضاً، الإشارة إلى أن هذه "الإيميج" ثلاثيّة الأبعاد، تظلّ مبتورةً من أطرافها، في ظل هيمنةٍ طاغية لأطراف يصفها هو، بـ"المتشدّدين" و"الموالين". إن ذلك مايجعله يصرُّ على كونه والتيار الذي يمثله "ضحايا" ماأسماه "عجرفة" السلطة من جهة، و"المتشددين" من جهة ثانية.

        أمام إحساس "الضحية" هذا، تأتي الصورة بكثافتها ورمزيتها لتغطّي على جانبٍ من الاضطغان المتأتّي من كونه ورفاقه "أقلية" كان لايُمكن أن تكون كذلك أولاً، ومايستتبعُ ذلك من تحوّلهم إلى "ضحايا" ثانياً.

         والأمر في مجمله، لايعدو أن يكون خلْق توازن في قبال "قسمةٍ ضيزى" تسبب فيها –والكلام له- موقفُ المقاطعين، الذي ترتبت عليه هيمنةٌ كاسحة للأطراف الموالية.

        لكن الصورة ليست كلّ شيء. إذ تبدو "إرادةُ التوازن" نصاً مؤسِّساً في سلوك "الديمقراطيين" الأكثر مشاكسةً في برلمان يتفق المعارضون مشاركون ومقاطعون على كونه منقوصاً؛ حتى ولو اجتهد "الديمقراطيون" أنفسهم في نفي حضوره، ولو قسْراً، في مطاوي أدبياتهم.

        وهذا تحديداً مايفعله عبدالهادي مرهون، الذي يرى أن سلوكَ كتلته في البرلمان ينسجمُ تماماً مع قناعاتها، وإذا حدث وأن استفادت منه السلطة في إضفاء نوعٍ من التنوّع على البرلمان يعينُها على تسويق التجربة أمام الرأي العام داخلياً وخارجياً، فذلك مرده إلى "المقاطين" الذين هيئوا للسلطة كيما تكون لاعباً وحيداً، بل اللاعب الوحيد -هكذا بألف ولام التعريف- من غير منازع.

        ويجادل مرهون بقائمةٍ من المشاريع التي لم يكن بمقدور السلطة تمريرها، لو كان المقاطعون متواجدين بين قبة البرلمان. منها (قانون الجمعيات السياسية) الذي سبّب ويسبّب للساعة خيبة أمل كبيرة.

        فإذا كانت السلطة بنفوذها الطاغي، وبمعاونةِ الأغلبيّة من "المتمجّدين"، قد تمكّنت من تمرير هذا القانون؛ فإنه ورفاقه، رغم قلة العدد ونفاد الحيلة، قد تمكّن من ترحيل التصويت على (قانون التجمعات) من الدور الثالث إلى الرابع، أي مايقرب من أربعة شهور. يقول: "ولك أن تتصوّرَ كم كان سيبدو الأمر مختلفاً لو كانت المعارضة بأطيافها في الداخل".

         لكن ذروة التصعيد التراجيدي بنظره لاتكمن هنا، فهي تتعدّى "المقاطعة" إلى إرادة "القطيعة"، أي عزْل "المشاركين" من طرف "المقاطعين" وترْكهم يواجهون هيمنةَ السلطة بلاظهير. مثال على ذلك، يتابع: "أننا صغنا قانوناً للأحزاب، يتوفّر بين ثناياه، على كل ماتطالب به الجمعيات السياسية الآن. ثم أننا رجونا الجمعيات، عِوَضاً عن مؤسسات المجتمع المدني الأخرى التي أطلعناها مجتمعةً على القانون، إمدادنا بمرئياتها؛ بيد أنّ أحداً لم يفكر حتى في الرّدّ علينا".

        أما النتيجة المتحصّلُ عليها من ذلك، فهي –بحسب مرهون-:"تمرير قانون الجمعيات السياسية بتحالف كلٍّ من: السلطة والمتشددين في البرلمان، ومن طرفٍ بعيد مؤسسات المجتمع المدني". فالمسألة إذن، كما يرى إليها، إهمالٌ من "المقاطعين"، أكثر مما هي مسألة "توازن" صَدَفَ وأن التقت عليها إرادةُ "الديمقراطيين" و"السلطة" معاً.

        غير أنّ "البعض" يفضل أن ينظر إلى الصُّورة ذات الأبعاد الثلاثة من الزاوية الأبعد. ففضلاً عن تهافت "الديمقراطيين" على تسويق صورة للرأي العام هي على قدرٍ كبير من "الختْل" و"الزيف"، تورّطهم، من جانبٍ آخر، في ابتذال قضايا لها وقعها النفسي الخاص لدى "جماعة محددة"، عبر "مقترحات" يعرف أكثر المتفائلين بأنها "لن تمر". بينما الهدف من ورائها لايعدو أن يكون كرنفالاً "استعراضياً" من قبيل الـShwo للظهور بمظهر من يحملُ آلام الجماعة. (الطعْن في دستورية مرسوم 56 مثالاً).

         وفي حين يُهدَفُ من ذلك إلى إحداث نوعٍ من "التوازن النفسي" بين مطاليب الجماعات الأكثر تضرراً ومؤسّسة البرلمان غير القادرة على الاستجابة بأي شكل لها، يُهدفُ أيضاً إلى إحداثِ نوعٍ من "التوازن الطائفي" عبر طمأنةِ الأطراف المناوئة "بأن شيئاً مثل هذا لن يمر، فماهي إلا جعجعةٌ بلا طحين".

        والحال، أن مرهون يرى في ذلك حُكماً "لايصح"، لأن بعض المقترحات التي قدّمتها كتلتُه، حتى في ضوء الممانعة التي قوبلت بها من طرف البرلمان، لم تخلُ من فائدة. ثم أنه، ومن منطلق عقيدته "اليسارية"، من الاستحالة عليه بمكان، الولوج إلى السياسيّ من البوّابة الطائفية.

        ذلك أن الصراع -كمايقرّر تِبْعاً إلى الديالكتيك الماركسي- طبقي قبل أن يكون مذهبي أو هووي أو قبلي أو ما إلى غير ذلك. وإذا حدث وأن انعطفَ مسارُه، فذلك من قبيل "ضياع البوصلة" أو "الخطأ المؤقت" الذي لن يلبث ويعود إلى دورته التاريخية الطبيعية.

        من بعيد، لايزالُ عبدالهادي أحمد عيسى مرهون يحتلّ مساحةَ مانشيت أو اثنين في الصحف الصادرة صباحاً، وإنْ انحرفَت بيضةُ القُبّانِ قليلاً!



أضف تعليقا


لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com