-أ-
ما المخيف في تدريس الأديان: اليهودية، المسيحية، البوذية!؟
ما المخيف في الخروج من نسق الواحد إلى المتعدد، من عبادة الذات إلى لعبة المرايا المتناظرة!؟
كيف أن الحق في "الغيرية" غدا يُعتذَرُ عنه!؟
كيف أن الواحد التام التوليتاري غدا يُعتذر إليه!؟
نعم، يُخافُ من ذلك، ويُعتذر، لأنه يضعنا وجهاً لوجه، أمام إمكان أخلاقي لم نختبره في ثقافتنا: التسامح؛ لأنه يكشف عن سويّةٍ لا إنسانية ظللنا نداري عليها باسم الدين تارة، وباسم الحقيقة تارة أخرى: الكراهيّة.
نعم، يُخافُ من ذلك، ويُعتذر، لأنه يُخرّب الثقافة التي تمجد الموت، ترسلُ المرضى النفسيين/ الانتحاريين إلى العراق ولندن ونيويورك؛ لأنه يُصادرُ على اختزال الدين في مجموعة من الطقوس: إطالة اللحى، حجاب المرأة، شجّ الرؤوس، ملاحقة الخارجين على أيديولوجيا الامتثال بالحطب والعصيّ.
ما الذي يُخافُ عليه في المناهج الدراسية!؟ السوكولائية التعليمية القائمة على التلقين والتكرارية الاجترارية؛ أم العلوم العقلية الغائبة/ المغيبة؛ حتى في شكلها البدائي البسيط. لا، ليس السؤال ما الذي يُخافُ عليه، السؤال الصحيح ما الذي يخافُ منه!؟
-ب-
يتنطّعُ قائلاً: تدريسُ الأديان مفتاحٌ إلى تدريس المذاهب الخمسة.
- ما وجهُ اعتراضِك؟
- ...!!
إن كانت الأديان مفتاحاً إلى المذاهب الخمسة، فهي المفتاح الصّحيح. لكن هذا المفتاح يمكن أن يتحوّل إلى قفل، إذا ما جيءَ به على أرضيّة الترضية والتسويات السياسية. ليس صحيحاً أن التمثيل الإثني والديني هو، مايرفدُ المشروعية على تدريس الأديان؛ الأصحّ من ذلك، أن تدريس الأديان يفتحُ على التنوع، وتِبعاً لذلك، على نبْذِ الأحاديّة.
- ما التنوع؟
- فتح المجال أمام التأويل، أمام حوار العقلانيات، تقليص سلطة الحقيقة، أو في الأقل تشتيتها؛ حتى لاتتضخم، تستبد، فتموت وتُميت!
- لكن، ما الأحادية؟
- نزوع توليتاري باتجاه حدّ الحقيقة في إسار فكرة أو اجتهاد أو نظرية؛ وهو مايعني أن تكون الحقيقة سلطة، أن تكون مدلولاً يُحاطُ أو سطاناً يُستحوَذُ عليه.
إن مايجب أن يشتغل عليه أيّ نظام تعليمي، هو المتنوع، والمتنوع باستمرار؛ لأنه مامن تفكير حر يغتني من الواحد، فالواحد ملاكُه الإذعان، بينما المتنوع ملاكُه التجاوز وإعمالُ النقد. ينبني على ذلك، أن النظام التعليمي الذي لايؤسس إلى التفكير الحر، التفكير بالمطرقة –على حد عبارة نيتشة- الذي يعني فيما يعني، وصْل الذات بموضوعها عبر مسافة نقدية، نظامٌ أقل مايمكن أن يقال في حقه كلمةٌ لابن عربي: لايعوّل عليه!
-ت-
أنْ يرفضَ برلمانُ البحرين مُقترح إدراج المذاهب الخمسة: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي والجعفري، في تدريس المادة الدينية، معنى ذلك، إفساحُ المجال أمام نظام المزايدات والاحتجاجات والمطالب المشاكسة. فليس هناك من شيء أشدّ على هويةٍ من الهويّات، من شعورها الدائم بالحاجة إلى الانحراف خارجَ المسرح في كل مرةٍ تسعى فيها للتعبير عن نفسها. وإذا ماتضافر ذلك، مع لاوعي "الظلامة التاريخية"، كما في سردية مثل السردية الشيعية، يصبح الخروج على النص، كتقنية من تقنيات "المقاومة بالحيلة" -على حدّ تعبير جيمس سكوت- سلاحاً أوحداً أمام كلّ الشّاعرين بالاحتقان لجهةِ الهوية.
ومن زاويةٍ سوسيولوجية، تؤشر حاجةُ الجماعات للانحراف خارج المسرح، حاجتهُا للهمس مثلاً أو لتحرير خطابٍ مستتر تتدبّرُ عبره شؤون اجتماعها، عن اختلالٍ في علاقات القوة؛ إذ كلما تفاقم هذا الاختلال، تفاقم في موازاةٍ منه، اللجوء إلى الهوامش لممارسة (أنا الجماعة)، وذلك بوصفها -أي هذه الهوامش- الحيز الوحيد المُتاح لتحقيق إرادة الاختلاف، بعد أن أنَفَ عن ذلك "الحيّز العام".
والحاصل أنه، كلما انشرخت الثقة في "الحيز العام"Public Sphere، التأمَت على نحوٍ أثيرٍ، الثقة في "الحيّزات الخاصّة"؛ فهي، وعلى مايفيد مجازُ عزمي بشارة (ملجأٌ أخيرٌ للنذّل)!! ولاعزاء حينئذٍ، لكل أولئك المتعيّشين على فوبيا/... الرُّهاب من "الأجندة السرية للأقليات!".
لكن الأمر، من الزاوية الأعمق، أبعدُ من نصٍّ يُبتنى خارج المسرح، أبعدُ من مقاومةٍ يُحتالُ بها على القوّة في أوج قوتها، بل هو، أبعدُ من زيادة فصْل مأساة على فصولِ مأساة التعليم الديني في المدارس الحكومية. إن الأمر متصلٌ بسيستام تربويّ كامل مازال يستعيضُ عن العلوم الإنسانية الحديثة بسيكولائية تعليمية تقوم على الاجترار والدّعاية؛ حيث علوم "الملّة"، هي أعلى درجة من "تاريخ الأديان المقارن"؛ حيث علاقات "التبجيل والامتثال"، هي أوفر حظاً من "المسافة النقدية" بين الطالب والعقائد الأكثر رسوخاً وتجذراً وتقديساً.
لذا، قد يفلحُ مقترحٌ مثل مقترح المذاهب الخمسة في تخفيف علاقاتِ التوتر الواقعة بين الأرثوذكسيات المذهبية، وهو شيءٌ مطلوبٌ، لكنه... لايفلح، أبداً، في تخفيف الأرثوذكسية ذاتها!
-ث-
الدفاع عن المناهج التعليمية، في الصورة التي هي عليها الآن.. وأمس هو، دفاع عن الجمود، دفاع عن السلطة (نص السلطة). والعصاب المتبدي من جانب "البعض" إزاء الدعوة لتدريس الأديان: اليهودية، المسيحية، البوذية؛ بلْه، تدريس المذاهب: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي والجعفري هو، عصاب أصيل يقع في العمق من الثقافة العربية. ذلك لأنها ثقافة السلطة بامتياز، ثقافة الأصول التي لاتتبدل، التراث الذي لايتحول، الدين الذي لايتزعزع لتقلب الزمان واختلاف أحواله.
- ما السلطة!؟ إذا لم تتمسك بالقوة، إذا لم تكافح ضداً على خلخلتها، وعلى التعريض بمناطق نفوذها.
مرة أخرى، لنسأل: ما المخيف في تدريس الأديان!؟
هل يكفي القول بانحسار التمثيل الإثني والديني، دليلاً على انتفاء الحاجة لذلك!؟
يجب أن نلاحظ، في هذا الصدد، أن لاعلاقة موضوعية بين السؤالين. إذ ينتمي السؤال الأول إلى حقل التربية والتكوين؛ في حين ينتمي السؤال الثاني إلى الإيديولوجيا، إلى السياسة. وبرغم ذلك، وظف هذا السؤال الأخير حجاجياً ضداً على دعوة تدريس الأديان.
- سيظل السياسي يعتدي أبداً على الحقول النظيرة له، مادام قانون اللعب في الثقافة والاجتماع، يقوم على "العدوان"، أي على تداخل الحقول، لاعلى تمايزها وفرادتها.
أقول ذلك، لأنه من زاوية تعليم حديث علماني، يحل "علم الأديان المقارن" محل "علم الملة"، "تاريخ الأديان" محل "ميتافيزيقا الدين"، "الأشكلة الأنتروبولوجية للأديان" محل "تكرارية التلقين والتبجيل".
انطلاقاً من ذلك، يُسأل الممانعون، بالتساذج نفسه الكامن في نفرتهم من تدريس الأديان: تقصدون الدفاع عن المؤسسة!؟ حسناً، ليكن ذلك، ولكن بالسياسة. لأن فكرة الدفاع نفسها تنتمي إلى حقل المعركة، وتِبعاً لذلك، إلى السياسة. بالنسبة إلى التعليم، فهو يقاس بحساسية أخرى هي، مطواعيته لأن يتصل بالزمان- الآن، لا الماضي- أمس. تلك هي المسألة!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية