
من بعيد، لاتخبر هذه الصُّور الثلاث شيئاً، سوى عن مشهدٍ غير انضباطيّ جرى لهنيهةٍ تحت قبة البرلمان، تسبّب فيه احتدادُ أحد النواب، وسرعان ما هبّ زملاؤه لاحتوائه. هذا جزء من "صنمية الصور"، أنها لاتقول كل الحكاية، على حد عبارة جان بودريار.
وبما أن الحكاية هنا، هي من ذاك النوع الذي لايرضي إرادة الانضباط في المؤسسات الرصينة؛ لذا توجّب أن تُمحى، ألا تتحول إلى مشهد، أن تُنفى إلى النسيان، سواء عبر حذفها من مضبطة الجلسة، كما دعا إلى ذلك النائب الثاني لرئيس مجلس النواب عادل المعاودة، أو عبر الإيعاز للصحافة "عدم نشر الخلاف الذي حصل بيني وبين الرئاسة، لا بالخبر ولا بالصورة" كما جاء في رسالة من النائب مطر مرّرها إلى الصحافيين الحاضرين في الجلسة.
لكن المفاجأة جاءت من تحت عباءة رئيس مجلس النواب نفسه خليفة الظهراني، المسؤول عن تسيير نظام الانضباط (المراقبة والمعاقبة)، حين صرخ في مصوِّري الصحف المحلية: "صوّروه". ولمّا طلب النائب مطر إعطائه الحديث للاعتذار، رفض الرئيس ذلك، قائلاً "إن الاعتذار الآن لاينفع، فالصحافة كتبت والمصوّرون أخذوا لقطاتهم".
لم يكن مطر يريد لسلطة الكشف (عدسات التصوير) أن تُظهِر لاطواعية الجسد، أن تُري عصيانه، تفضح وجوده الآخر، عنفه اللفظي المستتر خلف تكتيكات الهيبة والرزانة.
من جهته، كان رئيس المجلس يريد العكس، أن يعطي المشادة نوعاً من المشهدية، تصعيدها لتكون حَدَثاً يُروى وسيرةً تُتَناقل. ذلك أن خرق نظام الانضباط يستوجب عقوبة؛ وهل هناك عقوبة أكثر من الكشف، أكثر من التحويل على نظام انضباطي آخر، هو عين الجماعة؟ فلئن مُحيت المشادة من مضبطة المجلس، من ذا يمحوها من تلك المضابط المحفورة في أذهان الناخبين والمريدين؟
لكن النائب مطر، الشيخ وخطيب جامع أبي بكر الصديق في المنامة، كان أكثر تفطناً لذلك، أكثر دراية بدرجة الإيلام التي يمكن أن يستجرّها عليه هذا المستوى من العقوبة؛ لذا سارع للقول "لن أترشح مرة أخرى، ولا أسعى لإعادة انتخابي من خلال الصور أو الإعلان".
كانت هذه العبارة موجهة لرئيس المجلس ورداً على اتهامه له بـ"افتعال المشاجرة للظهور أمام الصحافة والإعلام"، لكنها أيضاً موجهة للخارج، لأفق الجماعة –المحبوب فيه كما ينقل مطّلعون-، كما لو أنه أراد أن يقول لهذا الأفق: ها إنني أعود إليك، من دون أن أتلوث بهالات الحظوة؛ حتى أنني لن أترشح مرة ثانية.
على أن الأمر لايقف عند هذا المستوى؛ إذ أن فن العقاب في النظام الانضباطي، لايعتمد على الفضح أو الكشف السافر فقط، لتمرير آثار السلطة، كما في الإيحاء للمصورين "صوِّروا" أو للكَتبَة "دوِّنوا"؛ إنما على سلسلة من الاستراتيجيات التي تدعم إحداها الأخرى، منها استراتيجية التصنيف والترتيب، التي يخبرنا عنها ميشيل فوكو بأنها "استراتيجية تقيم رؤية على الأفراد، ومن خلال هذه الرؤية تتم المفاضلة بينهم ومعاقبتهم (...) تقوم على توزيعهم إلى مراتب ودرجات، والتفريق بينهم، من حيث طبيعتهم وقواهم الكامنة، من حيث مستواهم أو قيمتهم" [1].
وفي موضوعنا، بإمكاننا أن نفهم الآن، بعضاً مما جرى فلتةً على لسان مطر في معرض محاججته مع رئيس المجلس "لماذا (تطنيش) النائب؟ هل لأنني لا أتبع قبيلة أو عائلة ومن فقراء الناس؟".
لقد كشفت فلتة اللسان هذه، عن آلية من آليات الانضباط الضمنية التي لم يكن مسموحاً لها أن تُرى، والتي تقوم على تصنيف الأعضاء وفق بناء تراتبي، إثني وطبقي: قبيلي وغير قبيلي، عربي وغير عربي، غني وغير غني. الأمر الذي تطلب بأن يتدخل الشيخ المعاودة للتخفيف من وطأة هذا الكشف "أرجو من الصحافيين الحاضرين في الجلسة عدم الإشارة إلى كلمة (القبيلة) التي جاءت على لسان مطر، لأن البحرين بعيدة كل البعد عن هذه النعرات، فالجميع أبناء آدام وآدام من تراب".
[1] ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة، تر: د. علي مقلد، مركز الإنماء القومي – بيروت.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية