إلى حدٍّ بعيد، يمكن القول إنّ الإسبوع الماضي كان من أكثر الأسابيع قانونية. ليس لجهة تشكّل ثقافة مدنية تعلي من شأن الامتثال للقانون، إنما لأن ساحةَ الهَذْر الكلامي حول القوانين وفي القوانين وبالقوانين كانت على أشدّها.
فبالقانون، بَسَطَ مستشارون لطفاء، الدواعي من نشْر صور المتهمين في حوادث الديه والسنابس في الصحف المحلية؛ وبالقانون أيضاً، برّر معارضون موقفهم الرافض لنشر الصور.
وبالقانون، انتعشت سلسلة من المنطوقات الخطابية في الصحافة، تقول إن نشر الصور أمرٌ مقبول، لأنه يوفّرُ سياقاً ردعياً، يقطعُ على من مايزال يحتكم إلى الشارع في إدارة خلافه مع السلطة؛ حتى قال قائلٌ "نؤيد نشر الصور.. وبالقانون"؛ وبالقانون أيضاً، انتعشت في المقابل، منطوقات خطابية أخرى، اعتبرت نشرَ الصّور أمراً غيرَ مقبولٍ ولا أخلاقياً، لأن إدانةً من المحكمة بحق المتهمين لم تصدرْ بعدُ، وتِبعاً لذلك، أعلن محامٍ باسم أهالي المتهمين إنه أعدّ "لائحة دعوى" ضدّ الصحف، فضلاً عن النيابة العامة المسئولة عن تسريب الصور.
لكن الأمر لن يقف عند هذا الحد؛ إذ حَمَل الإسبوع الماضي، إلى جانب حروب القانون هذه التي تضافَرَت جرّاء نشر الصور، مصفوفتين من القوانين، الأولى مشروع قانون أحالته الحكومة إلى مجلس النواب لتضمين مرسوم مباشرة الحقوق السياسية "حرمان كل من حكم عليه بعقوبة أو جناية، أو حكم عليه بالحبس لمدة تزيد على الستة أشهر، من تقييد اسمه في جداول الانتخاب لمدة عشر سنوات؛ حتى وإن صدر بحقه عفو خاص"[1]، والثانيةمشروع آخر، للحكومة أيضاً، لتضمين قانون الجنسية "حق المجنسين في الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية، والخليجيين الذين أقاموا إقامة مشروعة ومستمرة لمدة 3 سنوات في الحصول على الجنسية البحرينية"[2].
(يجب ألا ننسى هنا أيضاً، الدعوة التي وُجِّهت الإسبوع الماضي إلى الصحافيين في الصحف المحلية من طرف رئيس جمعية الصحافيين عيسى الشايجي، بالتواجد في قاعة البرلمان أمس "السبت"؛ حيث تُناقش التعديلات المُحالة من الحكومة، على قانون الصحافة).
من بعيد، تبدو الأمور أثيرةً في المملكة الفتيّة، جمهرةٌ من المواطنين الأحرار يتجادلون بالقانون، ويستعينون به على اختلافاتهم ونوازعهم وشرّ طبائعهم وعصبياتهم، كما ولتسيير نظام مصالحهم وسياسات معيشهم وشئون اجتماعهم.
أيضاً، يبدو الحكم، من فوق كل هذه الجمهرة المتراصّة، رباً حكيماً، في قدرته على نقل النزاع على المصالح من فضاء النقاش العمومي إلى فضاء اللعبة؛ حيث القانون "أبو الجميع"؛ حيث البرلمان "أبو أبو الجميع" –أي أبو القانون-.
السؤال هنا، ماوجه الزيف في كل هذه اللعبة؟ ما الذي يختفي وراء هذا المستوى من اللعب؟ ما الذي لايقوله الدستور ولا قانون العقوبات ولاقانون مباشرة الحقوق السياسية ولاقانون الجنسية ولاقانون الصحافة ولا قانون الجمعيات السياسية ولا اللائحة الداخلية لمجلس النواب ولا مرسوم 56؟
إن أول مستوىً من الإجابة على كتلة الأسئلة هذه، يمكن كشفه من خلال استعارة "الدولة/ حرب" التي يحلل بها ميشيل فوكو علاقات السلطة التي تنشأ مع تأسيس الدولة وتظلّ سائرةً معها. فاستعارة "الدولة/ حرب" تستوجب النظر إلى سلسلة الأدوات المكوِّنة للدولة، مثل السيادة والقانون والأجهزة القضائية ومؤسسات التشريع وغرف المستشارين ولجان القوانين وتعديل القوانين، باعتبارها تقنيات إخضاع تهدف في النهاية إلى الهيمنة على الجسد الاجتماعي وفرض إرادة الانضباط. وعبر هذه التقنيات تنشأ، مايسميها فوكو، الحرب التي لاتنتهي مع تأسيس الدولة (كما هو التصور الهوبزي) إنما تبدأ معها.
لكن الحرب المقصودة هنا، ليست من شاكلة تلك الحروب الأكثر بدائية التي تأتي معمّدةً بالدم والعنف المادي، إنما هي حرب تدار بأدوات غير حربية، حربٌ سلاحها التصورات والتمثيلات والرموز واستعراضات القوة والتظاهرات الفخمة والإرادية. لكن في لحظة ما، قد تتحول الحرب من هذا المستوى "المخملي" إلى مستوىً آخر، قريب مما استقرّت عليه أذهاننا، من أن الحرب، هي العنفُ السافر، بكل تجلياته (الحرب الحيوانية).
إن المجرم قد يحجم عن ارتكاب جريمة ما، لأن بمقدوره أن يتصوّر رد الفعل أو كمية العقاب التي يمكن أن تستجلبها عليه هذه الجريمة، لكنه أيضاً، يمكن أن يقدم على تنفيذها، في حال تصوّر أن رد الفعل أو العقاب، هو أدنى مستوىً من الجريمة نفسها، أو إنه سيستطيع الإفلات من العقوبة، أو إنه لن يعاقب أصلاً. وبحسب النموذج الفوكوي، تلك هي الحرب بامتياز، الحسابات الموزونة والإرادية حول حجم الخصم وقوته، والتي تستوجب في المحصلة، حجم المعركة، وقوتها.
إننا نفهم الآن، وهذا مستوىً ثانٍ من الإجابة،كيف أن القانون، هو محصّلة علاقات القوة هذه، قوة الحسابات والتصورات والتمثيلات والعبارات الفخمة والمتحايلة لدى الخصوم المتحاربين، لكن أيضاً، وهذا ما لايجب أن ننساه، قوة العنف والدم والفتك والدمار والاحتواء والإبادة.
يقول فوكو "يقتضي الأمر تحديد واستكشاف، تحت أشكال العدل القائمة، ونظمه المفروضة، والمؤسسات كماهي مقبولة، ذلك الماضي المنسي للصراعات الواقعية والانتصارات الفعلية (...) يقتضي إيجاد الدم المجفف في القوانين والتشريعات، وبناء عليه، لايمكن القول بإطلاقية القانون"[3].
أما مايمكن البناء عليه من كل ذلك، وهذا هو المستوى الثالث والأخير من الإجابة، فهو أن القوانين، تلك التي أشرنا إليها سلفاً، قانون العقوبات الذي استندت إليه الحجاجات والحجاجات المناوئة حول مسألة نشر الصور، أو قانون الصحافة الذي نوقش أمس في البرلمان...إلخ؛ إنما هي في مجموعها حاصل كل عمليات الحرب والإخضاع التي أديرت بين الحكم والمعارضة. فإلى إلى أي مستوى كان الحكم قوياً/ ضعيفاً، وإلى أي مستوى كانت المعارضة ضعيفة/ قوية؛ ذلك هو المخفي وما لاتقوله حُزَم القوانين والتشريعات، على الرغم من أنها حصيلته. فهل لا يزال بيننا، من مازال يعتقد ببراءة القوانين وطهارتها؟
[1] (مشروع بقانون لتعديل بعض أحكام مباشرة الحقوق السياسية لسنة 2002).
[2] (مشروع بقانون لتعديل قانون الجنسية لسنة 1963).
[3] ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، تر: الزواوي بغورة، دار الطليعة - بيروت.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية