مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

قد فات أوان الوطنية فماذا عن المواطنية؟

        فجأةً، اكتشف الرئيسُ المصري حسني مبارك أنّ ولاءَ إحدى الأقليات الإثنية في العالم العربي، ليس إلى دُوَلها، إنما لإيران. فجأةً أيضاً، ارتفع خطابُ الوطنيّات، مُندِّداً أو منافحاً أو مُستَدرِكاً، وتختّمَت به البيانات والتصريحات والمواقف وافتتاحيات الصحف وأعمدة الرأي وبلاغيات النواب ووزراء إعلام الدول ومؤسسات التقديس والأحزاب.

        لكن ماليس بفجأة، أن يظلّ غائباً، سواء عن الرئيس مبارك، أو عن أولئك الواقعين في الطرف الضديد، مافعلته الدول المركزية في الفكرة الوطنية، مافعلته أيديولوجيا السيادة في نظرية الدولة نفسها، وكيف تحوّلت هذه الأخيرة، بفعل ذلك، من جهاز لاحتكار العنف، إلى جهاز لتصريفه، بحق أو بغير وجه حق.

فما فعلته الدولة العربية الحديثة، مُتسلِّحةً بالسيادة واحتكار القوة، وعبر الاستئناس إلى غطاء الشرعية التقليدية، كفيلٌ بأن يفتح أذهاننا ليس على عدم ولاء  أقلية إثنية كالأقلية الشيعية لوحدها؛ إنما كل الأقليات الأخرى التي ضاعت في ممْسحات الدولة القوميّة مرّةً، وها هي تضيع، مرةً ثانية، في ممْسحات الدولة الوطنية.

لقد سُمِّمَت الفكرة الوطنية في الاجتماع السياسي العربي، إلى الحد الذي صارت فيه مجازاً خاملاً فقيراً من أي مضمون. وقد أُعيدَ إنتاجُها بطريقة تلائم إدامة أنظمة الأمر الواقع التي اطمأنت إلى الشرعية التقليدية، المُتَحَصَّل عليها، حسب ماكس فيبر، إما بواسطة الدين أو العصبية القبلية. وتِبْعاً لذلك، أصبحت الوطنية فكرة رجعية مُحَوِّلة على نمط من العلاقات البدائية التي تقوم على الامتثال والحب والافتداء والتفاني، لا أكثر ولا أقل.

فأنت وطني بقدر ماتكون قادراً على التفدية والدفاع حتى الموت عن وطن-أرض بمنتهى الحماسة. وأنت وطني بقدر ماتكون متفانياً في حب شيخ العائلة أو العاهل أو الرمز أو الزعيم. وأنت وطني بقدر ماتكون ممتثلاً لآليات الانضباط التي تفرضها الأعراف والقوانين الضمنية، لا القوانين المكتوبة.

وبالعودة إلى خطاب مبارك، نكتفي هنا بالإشارة إلى تصريح مسئول كبير في إحدى الدول الخليجية، أراد أن يدفع بشبهة ولاء فئةٍ من مواطنية إلى دولة خارجية، فقال "إن التاريخ يشهد بأنهم، وعلى مرِّ السنين، وقفوا إلى جانب الشرعية ومساندين للنظام" مبدِّداً بذلك، كل التصريفات السياسية الداعية إلى مواطنية دستورية.

إن مفهوم المواطنية Citizenship، الذي ننحاز إليه هنا، ونطرحه بديلاً عن مفهوم الوطنية، جرّاء ما لحق بهذا الأخير من تشويه وابتذال، يقوم على ثنائية "الحق والواجب" لا على علاقات الحب والتضحية، يقوم على القوانين المكتوبة (التعاقد)، لا القوانين الضمنية أو القوانين الخاصة. فالمواطنية لا يتم فهمُها أو العمل من خلال أدواتها إلا عبر التعاقد والمصالحة، وهو ما أخفقنا في إنجازه حتى الساعة، وهو أيضاً ما يجعل الدولة في السياق الذي نتحدث منه، عربياً كان أو بحرينياً، عملية غير منجزة، على حد تعبير عبدالهادي خلف.

 أما التفاني والوفاء والحب والامتثال والتفدية، فهي مقتضيات لتحقق هذا المفهوم مادياً، لا العكس، وهي نتيجة لإنجاز عملية المواطنة، بعد أن يتم الكفّ عن الاستعانة بالتعاضديات الإثنية والطائفية والقبلية في بناء الدول.

ومثل الفكرة الوطنية، فإن مفهوماً وثيق الصلة بالدولة الحديثة، كمفهوم السيادة، تعرّض هو أيضاً، لعملية إعادة إنتاج بما يتناسب مع أختام الخصوصية، المرفوعة اليوم من جانب الأنظمة، بأكثر مما كانت مرفوعة في وقتٍ سابق من جانب الحركات الأصولية. فالسيادة، كما هو عليه الحال في الدمغة العربية، تعني القوة، والقوة وحدها؛ قوة الهيمنة، عبر الاستخدام المفرط لكل عناصر القانونية، على الأرض والإنسان وموارد الطبيعة؛ قوة الدولة في فرض إرادة الانضباط على المجتمع، بغض النظر عما عليها إليه من واجبات. وهو ما أدى إلى أن تتضاءل لازمتا العدل والقانون، اللتان تُعدّان في الفكر السياسي المعاصر، مكوِّنين رئيسين لاتنتظم من غيرهما قوة السيادة لدى الدول.

أما الحاصل من كل ذلك، فإن على الرئيس مبارك أن يتوقع رؤية المزيد من اللاّولاءات في المستقبل؛ ذلك أنه، وما لم تتنبه الدولة العربية إلى أهمية إنجاز مهماتها، على النحو الذي يحد من إفراطها في التعويل على أنماط الشرعية التقليدية، وعلى السيادة المقصورة على عنصر القوة وحده، وعلى الوطنية المفرّغة من علاقات الحق والواجب، فإن علينا أن نتقبّل المزيد من إعلانات عدم الولاء، لاولاء الشيعة والأكراد والأقباط والبربر والتركمان والأرمن والآشوريين، وكل الأقليات في العالم العربي.



أضف تعليقا


لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com