في مُحاججةٍ من المُحاججات السمْجة لبعض "عتاولة" اليسار، استكثر الزميل بدر عبدالملك أن يكون شابٌ من جيل اليسار الجديد في المنبر الديمقراطي التقدمي، في حجم علي مجيد، خليقاً بحيازة نيشان "عضو اللجنة المركزية". ليس ذلك فقط، بل استكثر عليه أيضاً، شرف "الرفقة"، ومن موقعه الفخيم الممنوح ختْماً على "الفانيلات الغيفارية"، فضّل مناداته "زميلاً"؛ ذلك أنه، وكما يقول "مايزال شاباً يتفقه في السياسة والكتابة". وتِبْعاً لذلك، استحقّ مجيد في المحاججة تلك، أن يحظى بلقب "الانقلابيين المتآمرين الذين يتسللون في الظلام"، لاجنديٍّ بدرجة "رفيق" على رقعة الشطرنج، وهو لقبٌ كبير، كما سنرى، مقارنة بإرادة "التقزيم" التي صدر عنها عبدالملك في مقاله ذاك، الذي أراد له أن يكون "خفيفاً على النفس" وأقل من "مكاشفة كبرى" لايرى أن أوانها قد حان بعدُ.
ليس المكان هنا للدفاع عن علي مجيد؛ فهو قد استأهل موقعه في "اللجنة المركزية" من خلال الاقتراع السري (184 صوت من أصل 227 شاركوا في انتخابات اللجنة المركزية) إنما هي، جردةُ حسابٍ سريعة مع نوع من الخطابات الظافرية، المشحونة بكل معاني الحيازة والامتلاء، والمعطوفة على"جرأة" في المناقدةِ جسُورة، لكن في الموضوع الغلط. فزميلنا الذي بدا مُبَلبَلاًللتقاطبات الدائرة في المنبر، الابن الشرعي لجبهة التحرير، وأراد لمناقدته أن تجيء نوعاً من التنفيس الخفيف أو "فشة الخلق" إزاء تفاقم وطأة خلافات "الرفاق"، وهو بالمناسبة، شعور يشاركه فيه كثيرون داخل المنبر وخارجه، لم يجد طريقاً لـ"فشة الخلق" هذه، إلا عبر ممارسة دور "كاهن المعبد" المسئول عن توزيع خيرات الألقاب والكنى الرمزية.
وهو عبر تمثل هذا الدور، والتفاني فيه إلى حد التماهي، استمرأ الوظيفة الرسولية التي تتقنها كل الأرثوذكسيات الأصولية، وهي حراسة ثمار الحقيقة –هنا في موضوعنا، هي الحقيقة اليسارية-. فلأنّ مجيد مايزال "متفقهاً" في هذه الحقيقة، مايزال الشابّ الذي لم يتطهّر من خلال "قسائم العناء والمعاناة والملاحقة"؛ لذا فإن تشريفه بلقب "الرفيق"، هو، خروجٌ على قانون المعبد وتقاليده. والقانون هنا، هو قانون الكاهن، لا قانون الحزب أو المؤسسة، قانون العرف والتقليد، لا قانون المدينة، قانون بدر عبدالملك لاقانون المنبر أو جبهة التحرير. وهو، أي مجيد، نتيجة لذلك، نتيجة لعدم كونه مشمولاً بأختام السلف الماركسي الصالح، الممنوحة من لدن الكاهن، توجب عليه، ألا يكون أجنبياً من الحقيقة اليسارية فقط؛ إنما أن يتحمل من بين من عليهم أن يتحملوا، زيادة على ذلك، الإخفاقات الكبيرة للرفاق الكبار: "التكتلية والشللية، النزعات الإقصائية والتآمرية، إهانة الصغار للكبار، قوائم المنبر (التحرير، الليبراليين) وسرقة جبهة التحرير".
على أن الحقيقة، كما في قانون الكاهن، ليست جهْداً أو عملاً، ليست خلقاً وصناعةً، ليست موضوعاً يُستعانُ عليه بالدأب والتفقّه؛ إنما تكمن في التماهي، والمزيد من التماهي مع الأصول. وإذا كانت الأصول، في الأرثوذكسيات الدينية، يُتحصّل عليها من خلال الوصْل مع "المتعالي"، فإنها في الأرثوذكسيات التقدمية تُكتنه بواسطة "طويلي العمر" الذين خبروا لحظة الانبثاق الأولى، انبثاق الحقيقة الماركسية؛ وإلا فكيف "نُعلقُ صور الموتى [على الجدران] تعبيراً عن الاحترام لهم؛ بينما نترك للصغار فرصة إهانة الأحياء من الكبار"، يتساءل عبدالملك مستنكراً، ويضيف "مافعله الصغار في الكبار لايعبر عن احترام تاريخي".
والحاصل من ذلك، فإن علي مجيد، وتِبعاً للنسبة التي حصل عليها في انتخابات اللجنة المركزية، وهي الأعلى، والتي نفترض أن كباراً يشار لهم بالبنان من القائمتين (التحرير، الليبراليين) قد اقترعوا لصالحه، لايمثل أكثر من "إهانة" مسددة إلى الرأسمال الرمزي المُوكَلُ على حراسته الجيلُ الكبير من اليسار. لكن السؤال: أي يسارٍ هذا الذي يُرادُ لنا أن نقتنع أنه فخمٌ وكبير، بينما يهينه فوز علي مجيد "الصغير"!؟









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية