بالإعلان عن موعد الانتخابات المقبلة، الذي مايزال حتى الساعة، موعداً معلّقاً على عمل السحر والرجم بالغيب، يكون شعار التوجه الإصلاحي قد أنهى دورة كاملة. وفي الدورة هذه التي حصدت من السنوات أربعاً، استجرّ إليه.. كما وعليه، كثيراً من المعجبين والحانقين على السواء. وفيما راح المعجبون يسطرون ملاحم ذوبانهم في الشعار (شعار العهد الجديد) من خلال الصحف وأشعار (النبط) الشعبي وبيانات التأييد وطقوس الولاء، طاف الحانقون الشوارع والساحات وعبأوا خيالاً خصباً وضافرياً، ضداً على "شعرية" الشعار، على كثافة المجازي والاستعاري فيه مقابل ضآلة المحسوس والمادي.
في الحالين، كانت لعبة الاختلاف بين الطرفين تدار عبر الخطابات؛ حتى أولئك الذين فضلوا غير مرة، أن يوسّعوا من مجال اللعب باستدخال عناصر جديدة فيه (حرق إطارات السيارات، أسطوانات الغاز والصدامات الفخمة مع رجال الأمن) كانت الجهود تنشط حثيثة لإعادتهم إلى حدود اللعب المسموح به، إلى أداته الوحيدة، إلى الخطابات. وقد سمعنا، كيف أن رئيس تحرير صحيفة زميلة تدخل في اللحظة الحاسمة ليوقف صداماً محققاً بين رجال الأمن ومتظاهرين من منطقة بني جمرة، بعد أن تمكن من إقناع الأخيرين أن بإمكانهم الذهاب معه إلى مبنى الصحيفة، ومن ثمّ سيتكفل بعض محرريه بعمل لقاءات معهم ونشر الرسالة التي يريدون إيصالها إلى السلطة في إصدار اليوم التالي، مقابل فكّ التظاهرة.
إن التوجه الإصلاحي شعار، لكنه أيضاً ليس شعار أيّة مرحلة. إنه شعار مرحلته هو، شعار ماسيتأسس عليه وإليه من لحظة رفعه، لاشعار ما تأسس على وإلى/ ما.. ومَن قبله. لذا فإن اللعب مع الشعار(الآن)، يختلف عن اللعب مع الشعار(أمس). ولقد قيل كلام كثير هنا، عن أن الأدوات التي أديرت بها مطالبات التسعينات ليست صالحة بالضرورة للمطالبات المرفوعة الآن.
ومن هنا، توجّب على اللعب أن يتقلص، ينهدم وينبني من جديد، يمّحي في شعار المرحلة الذي حدّد شروط اللعبة في الخطابات وبالخطابات. وِتبعاً لذلك، كان على متظاهري بني جمرة أن يصيغوا احتجاجهم، أيّاً كان، في رسالة تُنشر، أن يحولوا الممارسة الاحتجاجية إلى خطاب، أن يكثروا من الخطابات ويُكاثروها. أن تحتج؟ لايهم؛ المهم ألا تدير عملية الاحتجاج خارج سلطة الانضباط (نظام الخطاب) المنبثقة عن شعار المرحلة. تعترض؟ ذلك شأنك؛ إنما يتوجب عليك أن تحفظ الدرس جيداً: إن خروجاً على الشعار، بل حتى على شعريته، كفيلٌ بأن يجعلك (الشخص الخارج) أجنبياً من كل اللعبة الدائرة.
وإذا كان الشعار، هو لازمة المرحلة، فإن الشعرية، هي لازمة الخطابات التي ستدور حول الشعار، لازمة اللعبة كما وأداتها. سيتوجب على الفاعلين في المجال الذين أقروا بحدود اللعب المتاحة، أن يتسلحوا، زيادة على هذا الإقرار، بشعرية رهيفة عند كل نقد أو اعتراض على خط سير العملية الإصلاحية. سيكون الإصلاح والمشروع الإصلاحي وجلالة الملك، لازمةً لاغنى عنها لأي خطاب يريد اللعب في (العهد الإصلاحي). ستكون الإشادة بالإصلاح مقدمة لنقد الإصلاح، الاحتفاء بألقاب السموّ والفخامة مقدمة لكيل الشتائم وملاحم الهجاء، تحرير أجمل الاستعارات مقدمة لنقد أبشع الممارسات.
إن الاحتجاج بأدوات المرحلة، التي هي الخطابات والمزيد من الخطابات لايكفي، لابد من إضافة لمسة السحر عليها، لابد من شعرنتها. إن من لايجيد السحر، لايلعب وفق الأصول. سيكون وقحاً وفجّاً وناكراً للجميل، أو... في الأقل، سيكون قد أمّن لنفسه، بإرادة منه، عائقاً اتصالياً يكفل لرسالته بألاّ تصل، وكذا لتحفظه ولنقده واعتراضه واحتجاجه (كذا يُتصوّر). صار السحر جزءاً من لياقة الخطاب، الشعر والشعرنة وسيلة التحدث إلى المرحلة الإصلاحية.
والحال أنه، ليس المعجبون وحدهم من عليهم يقع تسطير الملاحم ومدائح الشعر (النبط، النظم) إنما أولئك الحانقون أيضاً؛ فحتى يصل هؤلاء إلى مستوى التحدث مع شعار المرحلة الجديدة، لابد من الشعرية. إن شعار الإصلاح لايكتفي بشعريته فقط، إنما يمرر شعوراً إلى الذوات المتحدثة إليه بأن عليها، وحتى تضمن انعقاد كرنفال الإصغاء المشترك، بأن تتحول إلى إما شاعرة أو ساحرة. إنه يسعى باستمرار إلى أن يرى نفسه في الذوات المتحدثة إليه، أن يرى سلطته عليها، وعبر الشعرية تتجلى سلطة الإصلاح في الذوات المتحدثة، كما وعبرها تغدو الذات المتحدثة إصلاحية، تماماً كتلك المُتَحدّث إليها.
وعلى ذلك، تتكفل الشعرية بتأمين فضاء تواصلي بين شعار الإصلاح والمتحدثين إليه، كائناً من
كانوا، معجبين طامعين فيه أو حانقين ناقمين عليه. فالخطابات المنتجة، هي تلك التي تحافظ على طقسية الشعر؛ حتى في الوقت الذي تكون متوجهة إلى جلد شعار التوجه الإصلاحي، شعره وشعائره. اللهم لا اعتراض، الخشية فقط، من أن يؤدي فائض الشعر إلى فساد البضاعة!







، عفشه وحسابه البنكي، ومغادرة البحرين على أول طائرة.
