مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

في نقد الإصلاح: شعاره وشعريته

بالإعلان عن موعد الانتخابات المقبلة، الذي مايزال حتى الساعة، موعداً معلّقاً على عمل السحر والرجم بالغيب، يكون شعار التوجه الإصلاحي قد أنهى دورة كاملة. وفي الدورة هذه التي حصدت من السنوات أربعاً، استجرّ إليه.. كما وعليه، كثيراً من المعجبين والحانقين على السواء. وفيما راح المعجبون يسطرون ملاحم ذوبانهم في الشعار (شعار العهد الجديد) من خلال الصحف وأشعار (النبط) الشعبي وبيانات التأييد وطقوس الولاء، طاف الحانقون الشوارع والساحات وعبأوا خيالاً خصباً وضافرياً، ضداً على "شعرية" الشعار، على كثافة المجازي والاستعاري فيه مقابل ضآلة المحسوس والمادي.

 في الحالين، كانت لعبة الاختلاف بين الطرفين تدار عبر الخطابات؛ حتى أولئك الذين فضلوا غير مرة، أن يوسّعوا من مجال اللعب باستدخال عناصر جديدة فيه (حرق إطارات السيارات، أسطوانات الغاز والصدامات الفخمة مع رجال الأمن) كانت الجهود تنشط حثيثة لإعادتهم إلى حدود اللعب المسموح به، إلى أداته الوحيدة، إلى الخطابات. وقد سمعنا، كيف أن رئيس تحرير صحيفة زميلة تدخل في اللحظة الحاسمة ليوقف صداماً محققاً بين رجال الأمن ومتظاهرين من منطقة بني جمرة، بعد أن تمكن من إقناع الأخيرين أن بإمكانهم الذهاب معه إلى مبنى الصحيفة، ومن ثمّ سيتكفل بعض محرريه بعمل لقاءات معهم ونشر الرسالة التي يريدون إيصالها إلى السلطة في إصدار اليوم التالي، مقابل فكّ التظاهرة.

إن التوجه الإصلاحي شعار، لكنه أيضاً ليس شعار أيّة مرحلة. إنه شعار مرحلته هو، شعار ماسيتأسس عليه وإليه من لحظة رفعه، لاشعار ما تأسس على وإلى/ ما.. ومَن قبله. لذا فإن اللعب مع الشعار(الآن)، يختلف عن اللعب مع الشعار(أمس). ولقد قيل كلام كثير هنا، عن أن الأدوات التي أديرت بها مطالبات التسعينات ليست صالحة بالضرورة للمطالبات المرفوعة الآن.

ومن هنا، توجّب على اللعب أن يتقلص، ينهدم وينبني من جديد، يمّحي في شعار المرحلة الذي حدّد شروط اللعبة في الخطابات وبالخطابات. وِتبعاً لذلك، كان على متظاهري بني جمرة أن يصيغوا احتجاجهم، أيّاً كان، في رسالة تُنشر، أن يحولوا الممارسة الاحتجاجية إلى خطاب، أن يكثروا من الخطابات ويُكاثروها. أن تحتج؟ لايهم؛ المهم ألا تدير عملية الاحتجاج خارج سلطة الانضباط (نظام الخطاب) المنبثقة عن شعار المرحلة. تعترض؟ ذلك شأنك؛ إنما يتوجب عليك أن تحفظ الدرس جيداً: إن خروجاً على الشعار، بل حتى على شعريته، كفيلٌ بأن يجعلك (الشخص الخارج) أجنبياً من كل اللعبة  الدائرة.

وإذا كان الشعار، هو لازمة المرحلة، فإن الشعرية، هي لازمة الخطابات التي ستدور حول الشعار، لازمة اللعبة كما وأداتها. سيتوجب على الفاعلين في المجال الذين أقروا بحدود اللعب المتاحة، أن يتسلحوا، زيادة على هذا الإقرار، بشعرية رهيفة عند كل نقد أو اعتراض على خط سير العملية الإصلاحية. سيكون الإصلاح والمشروع الإصلاحي وجلالة الملك، لازمةً لاغنى عنها لأي خطاب يريد اللعب في (العهد الإصلاحي). ستكون الإشادة بالإصلاح مقدمة لنقد الإصلاح، الاحتفاء بألقاب السموّ والفخامة مقدمة لكيل الشتائم وملاحم الهجاء، تحرير أجمل الاستعارات مقدمة لنقد أبشع الممارسات.

إن الاحتجاج بأدوات المرحلة، التي هي الخطابات والمزيد من الخطابات لايكفي، لابد من إضافة لمسة السحر عليها، لابد من شعرنتها. إن من لايجيد السحر، لايلعب وفق الأصول. سيكون وقحاً وفجّاً وناكراً للجميل، أو... في الأقل، سيكون قد أمّن لنفسه، بإرادة منه، عائقاً اتصالياً يكفل لرسالته بألاّ تصل، وكذا لتحفظه ولنقده واعتراضه واحتجاجه (كذا يُتصوّر). صار السحر جزءاً من لياقة الخطاب، الشعر والشعرنة وسيلة التحدث إلى المرحلة الإصلاحية.

والحال أنه، ليس المعجبون وحدهم من عليهم يقع تسطير الملاحم ومدائح الشعر (النبط، النظم) إنما أولئك الحانقون أيضاً؛ فحتى يصل هؤلاء إلى مستوى التحدث مع شعار المرحلة الجديدة، لابد من الشعرية. إن شعار الإصلاح لايكتفي بشعريته فقط، إنما يمرر شعوراً إلى الذوات المتحدثة إليه بأن عليها، وحتى تضمن انعقاد كرنفال الإصغاء المشترك، بأن تتحول إلى إما شاعرة أو ساحرة. إنه يسعى باستمرار إلى أن يرى نفسه في الذوات المتحدثة إليه، أن يرى سلطته عليها، وعبر الشعرية تتجلى سلطة الإصلاح في الذوات المتحدثة، كما وعبرها تغدو الذات المتحدثة إصلاحية، تماماً كتلك المُتَحدّث إليها.

وعلى ذلك، تتكفل الشعرية بتأمين فضاء تواصلي بين شعار الإصلاح والمتحدثين إليه، كائناً من

 كانوا، معجبين طامعين فيه أو حانقين ناقمين عليه. فالخطابات المنتجة، هي تلك التي تحافظ على طقسية الشعر؛ حتى في الوقت الذي تكون متوجهة إلى جلد شعار التوجه الإصلاحي، شعره وشعائره. اللهم لا اعتراض، الخشية فقط، من أن يؤدي فائض الشعر إلى فساد البضاعة!     

 
 نشر في صحيفة "الوقت" البحرينية بتاريخ  28 يونيو/ حزيران 2006
 لمشاهدة المقال مصوراً اتبع الوصلة التالية:
 

"تخزية" السؤال

تصوير: حسين المحروس

 
 لماذا السؤال المطروح على جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، الآن على الأقل، هو سؤال "الأمر" لا سؤال "السراة
لماذا تُبدي الجمعية حماسة جامحة في الإجابة عن هذا الأخير، بينما تُدرج الأول في خانة المحرمات والممنوعات المستحيل التفكير فيها؟
لماذا علينا ألا نستجيب، صحافيين وكتاباً، لسياسة الحقيقة هذه، ونفضل أن ننطلق بالمقلوب، من الأول (الأمر) إلى صيرورته الأخيرة (السراة)؟
ثم أخيراً، لماذا نعتقد أن على الجمعية أن تراجع موقفها من النظر إلى الحديث (حديث الفراشة، حديثنا، حديثهم) عن الأول باعتباره فعلاً "مخزياً" غرضه "الإيذاء" و"الاستباحة"، كما أن تراجع موقفها من النظر إلى الحديث عن الثاني باعتباره الدال الوحيد المحول على "جدية" اللعب (جادون كلّ الجد ولسنا من هواة اللعب)؟

        آثرنا البدء بكتلة "اللماذيات" هذه، تمهيداً للقول، إن فعل القراءة الذي هو فعل الفحص، فعل النظر، فعل النقد، فعل الحفر، فعل الكشف، فعل التفسير، فعل التنقيب، فعل التأويل، كما وأيضاً، فعل الإساءة (إساءة القراءة)، فعل الغلط، فعل السلطة، فعل التبرير، فعل الصرف، فعل التحويل، فعل التدمير، فعل التخريب؛ ليس مطلوباً منه، ولايجب أن يكون مطلوباً منه، الخضوع لسياسةٍ واحدة في الحقيقة. إن عملية القراءة لاتتحرر وتغدو فعلاً إرادياً، مالم تُصرفُ إلى فضاء اللعب الحر، اللعب بالدوال والأسماء وأشيائها. أن تبدأ من اليمين أو تبدأ من الشمال، من فوق أو من تحت، من الأول أو من الثاني، من الأمر أو من السراة، ليست تلك هي المشكلة؛ إنما المشكلة في إعاقات القراءة، في إرادة السلطة التي يراد لها أن توجه فعل القراءة إلى.. السراة أولاً.. والسراة أخيراً.

        إن سؤال "من أين لك هذا؟" الذي يروق للإخوة في جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أن يفعّلوه لممارسة بعض الفحص على التواريخ التدشينية في التراث، وقادهم في مرحلة متأخرة (عبر سلسلة كتب السراة) إلى تحديد نقاط ارتكاز (تواريخ) مغايرة، هو سؤال القراءة؛ لكن هذا السؤال لايجب أن يتوقف عند هذاالمستوى؛ فحتى لا يتحول إلى سؤال أيديولوجي، إلى سؤال سلطوي موجه، عليه ألا يتجمد عند نقطة ارتكاز واحدة، عند السراة ومابعدها. إننا نتساءل مثلاً: لماذا لايُسأل ما (قبل) السراة: من أين لك هذا؟ لماذا لايُسأل "الأمر": من أين لك هذا؟ "الحلم": من أين لك هذا؟ "الباب": من أين لك هذا؟ "الوكلاءالخمسة": من أين لكم هذا؟ "تاريخ النشأة" نفسه: من أين لك هذا؟ وكل هذه الأسئلة، لنجيب على جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية: من أين لك كل هذا؟

        ثم أخيراً، لماذا حين يُجاب على هذه الأسئلة، من طرف بعض الخارجين، قديما أو حديثاً، والذين (ليست صدفة) ينقلون سيراً متشابهة (إلى حد ما) عن أصل التكوين وتطور الجماعة ومفاهيم التمركز لديها، تُتَلقى (الإجابات، إجاباتهم) برشقات "الخزي"  و"التغرير" و"العجمة" و"الابتذال". أفلا يحق لنا أن نسأل (من طرفنا هذه المرة) رشقة "الخزي": من أين لك هذا؟ وكذا رشقة "التغرير والعجمة والابتذال": من أين لك هذا؟

        إن المطلوب، لايتعدى مسألة توسعة مجال اللعب الحر لسؤال "من أين لك هذا؟"، ليكون شاملاً لحظة الانبثاق وتاريخ النشأة وتاريخ القطائع (القطائع مع مفاهيم سابقة) ومفاهيم التمركز وأنظمة الرغبة (الأحلام). فتلك هي نسّابية (جينالوجيا) نيتشة التي يعوِّل عليها في دراسة الظواهر وتكوّن الجماعات (البحث عن أصل النشأة). وتلك هي متعلقة بيير بورديو الذي يعتقد أن دراسة موضوع ما تستدعي دراسة كل متعلقاته "حين يتم استدعاء موضوع ما، فإنه تُستدعى معه جملة متعلقاته". وبالبناء على ذلك، فإن قراءة جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أو قراءة سلسلة كتب السراة، تستدعي معها قراءة كل متعلقاتها، و(الأمر) هو واحد من هذه المتعلقات. بل حتى متعلق (الأمر) نفسه؛ حين قراءته، يحتاج إلى أن يتم تنسيبه إلى سياق أعقد من المتعلقات، يرتبط بما يطلق عليه "جماعات الخلاص". فسؤال "من أين لك هذا؟" لايجب أن يقف عند حد، وإلا فإنه يكف عن أن يصبح سؤالاً، يكف عن أن يصبح تجديدياً، وعملية القراءة التي تريد جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أن تحصرها (علينا) في السراة.. وفي التالي من السراة، هي قراءة غرضية موجهة، وتِبعاً لذلك، هي قراءة تنتمي إلى إرادة السلطة، لا إلى إرادة اللعب الحر.

        مرة أخرى: لماذا علينا ألا نستجيب، صحافيين وكتاباً، لسياسة الحقيقة هذه، ونفضل أن ننطلق بالمقلوب، من الأول (الأمر) إلى صيرورته الأخيرة (السراة)؟ لأننا نحتاج إلى أن نضع (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية في سياقها الصحيح، كجماعة في التاريخ. وهذا لا يعني أننا نبحث عن تاريخ نشأتها فقط (المرحلة السجنية ومتعلقاتها)؛ إنما أيضاً، عن الشروط الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أثرت في استخدامها (الجماعة) للأسطورة والتقديس والتعالي والعقل. ولنا في ذلك وقفة أخرى. 
 
مواضيع ذات صلة:
 

سامحك الله ياجوليد

... إذن، صار فوزي جوليد الآن مقيماً بصفة غير قانونية. صار العامل الهارب من القانون الذي يتوجّب عليه أن يصطفَّ في طابور منتهيي الإقامة من المضبوطين والمخالفين والمكبّلي الأيدي؛ إلى أن يتسع صدرُ موظف إدارة الهجرة والجوازات للقائه. وبالقانون، كان عليه أن ينافح من أجل تمديد إقامته لثلاثة أسابيع؛ حتى يستطيع، ولن يستطيع، ابنه (جوليد) تتمة عامه الدراسي. كما كان عليه، وبالقانون أيضاً، أن يسارع إلى تصفية متعلقاتهفوزي جوليد، عفشه وحسابه البنكي، ومغادرة البحرين على أول طائرة.

 سامحك الله ياجوليد!! أما كان عليك أن تعرف، أنت الذي لم تفوِّت سانحةً دون أن تقوم بتذكيرنا في جميع لقاءاتك بنا، أنك ومعهدك وسلسلة بيوتات الإن دي آي من خلفك، لاتتعامل إلا مع الهيئات والمؤسسات المختومة بشمع القانون، وتبعاً لذلك، لم تكن تتحمس كثيراً، ولن تتحمس، للقاء الفعاليات الرمزية والسياسية التي لاتعثر لها في القانون، مهما ضاق صدر حائكه، على ثوب يتسع لسمنة صراخها، (أما كان عليك أن تعرف) أن الدولة التي أوليتها كل هذا القدر الفخم من القانون والقانونية، هي دولة لاتطرب كثيراً لضروب القانون؛ إلا إذا كان ضرباً تعبِرُ به هي، لا أن يُعبَرَ به إليها.

          أن تعبر به هي، فمعنى ذلك أنها هي من يملكُ سلطة فرضه على المجال العمومي، وهي من يملك سلطة تأويله، وتبعاً لذلك سلطة تحريكه في الوقت الذي تنتوي تحريكه. فتلك هي السيادة المتواترة في خصوصياتنا العربية المعنعنة. لكن أن تعبر به أنت، أن تؤوله، أن تجتريء على تحريكه في صالحك، فمعنى ذلك، أنك تضربَ بعرض الحائط لاهوتاً ضخماً من السيادة كانت الدولة العربية سباقة في إبداعه بوحي من القوة والخصوصية معاً.

وعلى الرغم من أن الدولة عندنا، في السياق الذي نتحدث منه، قصير عمرها زمنياً، قصير إلى الحدّ الذي مازال هناك بين ظهرانينا من يتحدث عن "إنجاز الدولة" في الوقت الذي راح العالم الحر (عندكم) يُثَمِّرُ أحاديثَ عن "مابعد الدولة"؛ إلا أنها استطاعت أن تكيّف لصالحها جهازياتٍ كاملة من المفاهيم والأداوات والإحداثيات التي يكفي حاصلُ مجموعها كوكبةَ المتمجدين حجّتَهم: "إن عندنا دولة". لكن أي دولة هي، حديثة أو قروسطية؟ لا أحد يتكلم.

          وعليك أن تتذكر هنا، أن الدولة التي استضافتك، ثم من بعد لأيٍ طردتك، وجعلتك ترسل لأحبائك رسائل الإس إم إس مُذيّلةً بالوداع الأخير، هي من دول الندرة التي تريد الدخول إلى سوق التحول الديمقراطي، مع الاحتفاظ بكامل بضاعتها التقليدية. تريد الدخول إلى الحداثة القانونية مع الاحتفاظ بكامل حزم القوانين التي تشكلت في مرحلة ماقبل الحداثة. تريد الدخول إلى المدنية مع الاحتفاظ بكامل آليات القسر والقهر والإكراه ومجتمع ماقبل الاجتماع. تريد الدخول إلى النادي العولمي مع الاحتفاظ بكامل التعاضديات والعصبيات والمجاميع البدائية، كائنا ماكانت، إثنية أو قبلية.

        كنت تتحدث عن السياسة بالسياسة، وتحاول إقناعنا ما استطعت، بأن اللعبة، ومادامت قد بدأت، فإن علينا أن ننخرط فيها، أن ننفد من إليها من التخوم، أو على الأقل ألاّ نعمل على إيقافها، وكنا على العكس منك، عنيدين ومشاكسين، نقول لك إن لدى السلطة جهازياتها التي هي من الضخامة؛ بحيث تمنحها قدرة فائقة على المناورة والاحتواء وصهر تاج الحديد الذي على رؤوسنا، ثم كنا ننتهي، فلا أنت اقتنعت ولا نحن اقتنعنا.

كنت تتحدث عن مجتمع المؤسسات، ولم توفر ذلك حتى ليلة وداعك، وكنت توصينا وتوصي علينا، أن المؤسسة ومشتقاتها هي، الخيار الوحيد الذي يمكن أن تتقوم عليه سيادتنا، على جهة أننا أفراد أولاً، ومجتمع ثانياً، وأن مجال عملك لايتعدى مسألة التقريب بين هذه السيادات وإزالة الهوة الواقعة بينها وبين سيادة أخرى أكبر، هي سيادة الدولة، وكنا نشاغبك بما كان قد تحدث عنه عزمي بشارة غير مرة، بأن المؤسسات التي تنتعش فيها فكرة السيادة، هي تلك التي تنشأ وتنمو بمنأى عن آليات القسر وإكراهات الدولة.

... ثم أنك كنت تنصت لكل ذلك، وتنتظر دورك في الحديث كأي واحد منا، وكنت تنهض بعبء آخر إضافي، هو محاولة العثور على الخيط الرفيع المفقود بين مثالية الثقافي كما عندنا، وواقعية السياسي كما عندك، فكنت تعثر عليه أحياناً، كما كنت تخفق في المهمة أحياناً أخرى. ثم لا أنت سئمت، ولا نحن سئمنا.

سامحك الله ياجوليد، أما كان عليك أن تعلم، أن قومنا لديهم من الحساسية مايكفي لإيقاف كرنفال الإصغاء المشترك هذا، وبرافعة، هي من أفخم وأفحم الرافعات التي اخترعها الاجتماع الإنساني، وهي القانون. انظر.. أنت في أميركا الآن!

 

 

إنها ضواحي باريس هنا

الصدامات في قرى البحرين

 
ما من وجه شبه مقنع، بين حوادث الشغب الأخيرة التي ضربت غير قرية من قرى شارع البديع وسترة، وتلك الحوادث التي اجتاحت أواخر أكتوبر-تشرين الأول الماضي الضواحي الفقيرة (الغيتوهات) المحيطة بباريس في فرنسا، ومع ذلك، فإن عقد مقارنة بين الحالتين، مع تثبيت الفارق، لايمكن أن يخلو من فائدة. 

فالآن، وبعد أن خَفَتَ هديرُ الإدانات وبياناتُ التنديد ورسائل الشجب والاستنكار واستعراضات القوة، صار ممكناًً التساؤل عمّا إذا كان من المفيد تثمير نوع من التفهمية بخصوص حوادث الشغب، لا على مستوى تجسدها الأخير في أشكال العنف السافر؛ إنما على مستوى ذاك النمط من العقلانية الذي يشتغل عبرها، والذي يجعل من العنف أمراً ممكناً (ولانقول مشروعاً)، أو قل تجلياً واحداً من تجلياتها العديدة.

إن الحديث عن وجود عقلانية في ظاهرة مثل ظاهرة عنف الشوارع، لايعني تبريرها بأية وجه، كما لايعني نسبتها إلى العقل، كما قد يُفهم ذلك من استعمال كلمة عقلانية، إنما هو محاولة لقراءة هذه الظاهرة من خلال صلتها بنظام المصالح الخاص بها وبالسياق الذي تتحدث منه وتنشط داخله. لذا، فإن القياس على حوادث باريس، يمكن أن يفيدنا في فهم نظام المصالح المتعلق بفعل العنف كظاهرة عالمية أولاً، وكظاهرة محلية ثانياً.

أشير بداية، إلى أنني وطوال الشهرين الماضيين، عمدتُ إلى استغلال مكان سكني في القلب من أحد مسارح الحوادث الأخيرة (سنابس) الذي شهد صدامات متكررة بين ملثمين وقوات مكافحة الشغب، بالمغامرة والتواجد قريباً، ما استطعت، من بؤرة الأحداث. وهو ما كلفني دفع نوعين من الضريبة، اختناقاً وضيقاً في التنفس وتنمُّلاً في العين والوجه أحياناً، وزجراً من أحد الطرفين المتخاصمين أحياناً أخرى، وأحياناً الضريبتين معاً.

تبدأ الأحداث عادة، بقيام مجموعة من الشبان الملثمين بقطع الشوارع الرئيسة أو المنافد الداخلية المؤدية إليها، بالإطارات المحروقة وحاويات القمامة المتنقلة، فيما يُتركُ مسارٌ واحدٌ لعبور السيارات. أحياناً، يتولى شاب أو اثنان من الملثمين عملية تنظيم المرور في هذا المسار؛ وبالنسبة لي، يمكنني القول هنا إنني كثيراً ما عوملتُ من قبلهم بلطافة.

أما شرطة مكافحة الشغب، فعادة مايتجه تصرفهم مع الموقف إلى سدّ المداخل الرئيسة بداية، ومن ثم تخفُّ مجموعات راجلة منهم، وبعضُهم ملثم، بالتقدم إلى مكان الحدث. وفي العادة، لايتم السماح لأحد بالمرور؛ حتى لمن هم على شاكلتي، ممن يعتقدون أن ختم وكيل وزارة الإعلام المطبوع على بطاقتهم الصحافية، يمكن أن يمنحهم جواز مرور.

على مدى الشهرين الماضيين؛ وحيث تكرّر هذا المشهد أمامي عشرات المرات؛ وحيث عاينتُ ملياً أعمدة الدخان المتصاعدة من الإطارات المحروقة والغازات المسيلة للدموع، لم أنفك من طرح هذا السؤال على نفسي: لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا يتبرع شباب للقيام بكل هذه التظاهرات الإرادية، وتبعاً لذلك تعريض أنفسهم لكل هذا الحشد الفخم من القوة؟ لماذا يحدث أن يلجأ شباب إلى تخريب الممتلكات العامة، ولماذا الإمعان في هذا الفعل؟

إنني؛ وإذ أستخدم صيغة سؤال (لماذا)، فإنني أفترض مسبقاً أن لاشيء عدمياً في هذه الظاهرة. لاشيء مما يقال عن العنف لأجل العنف أو التخريب لأجل التخريب أو الشغب لأجل الشغب. كما إنني أفترض مسبقاً أيضاً، أن هناك صورة ما من صور العقلانية تشتغل في هذه الظاهرة، هي حتماً غير كون الفاعلين فيها شباباً يائساً أو مندساً أو ضحيّة خطب التحريض وكره الدولة، كما أنها حتما، هي غير كونهم حاملي مطالب وناطقين باسم أهداف سامية وغايات نبيلة.

لنترك الآن الحكم على هذه الظاهرة ونأتي إلى مثال فرنسا.يشير تقرير نشرته مجلة "نيوزويك" عقب إسبوع من شغب باريس، إلى أن الحوادث التي أطلقت فيها النار على الشرطة وحصدت في ليلة واحدة 900 سيارة حرقاً كما وعشرات المعتقلين والجرحى، فتحت عيون المسئولين في الحكومة على "فشل عقود من السياسات الفرنسية المراد منها إجبار المهاجرين على الإندماج".

كما يذكر التقرير بأن وزير الداخلية الفرنسي ساركوزي وصف العصابات التي تقوم بعمليات الحرق بـ"الحثالة"، وحين وبخه رئيس الوزراء دوفيلبان بأنه لايجب "أن نصم بالعار أحياء كاملة"، تدخل الرئيس شيراك، فعادوا جميعاً للوقوف جبهة واحدة خلف شعار "الحزم والعدالة"[1].

إن الفرنسيين لم يخفوا رغبتهم في التعامل "حازمين وعادلين" مع المتسببين في الشغب، لكنهم أيضاً، لم يخفوا إن أمامهم مهمة مراجعة "سياساتهم لعقود حيال المهاجرين". وفي التحليل، يحوّل الحزم على "نظام القوة" المتصل بعمل الدولة؛ في حين تحوِّل عملية مراجعة السياسات على "نظام المصالح" المتعلق بعمل الدولة في علاقتها مع المجتمع.

 إن لكلا الطرفين (الدولة، المجتمع) نظام مصالحه الخاص، عقلانيته الخاصة، التي تشتغل عبرها مجمل آلياته. فالدولة لها اقتصادياتها كما أن للمجتمع اقتصادياته، وللدولة تنظيمها وهيكلتها كما أن للمجتمع تنظيمه وهيكلته، وللدولة إكراهاتها التي تحيا بها وتدوم كما أن للمجتمع إكراهاته التي يحيا بها ويدوم، وللدولة أحلامها وأوهامها كما أن للمجتمع أحلامه وأوهامه. لكن أيضا، ثمة نظام المصالح العام والمشترك، نظام الأنظمة المتعلق بالمصالح والرغبات والأحلام والمنافع والاقتصاديات المتبادلة بين الدولة والمجتمع معاً. وعملية "مراجعة السياسات الفاشلة" تتعلق بهذا النظام الأخير.

إن كثيراً من المشاكل عائدة في الأساس إلى سوء تدبير هذا النظام العام والمشترك. فحين تكف "سياسات  العقود الطويلة" عن إقناع المجتمع بأنه شريك في هذا النظام، حين يكف النظام العام عن أن يكون عاماً، فإنه ينتج الرغبة في تدميره.

من هنا، فإننا نفهم حوادث العنف في فرنسا والبحرين على أنها تعبير بالوسائل الأكثر عنفاً وبدائية، عن اختلال في نظام المصالح المشترك. من هنا أيضاً، نفهم عقلانية ظاهرة مثل ظاهرة العنف، نفهمها باعتبارها سلوكاً بدائياً موجهاً، لكن أيضاًَ معبراً عن الصراع الحاصل على نظام الحلم والرغبة بين الدولة والمجتمع[2].

وكما في فرنسا، فإن مطالباً واضحة ومعلنة لم يرفعها المسؤلون عن شغب الضواحي، فإن مطالباً واضحة ومعلنة لم يرفعها المسؤلون عن شغب قرى شارع البديع وسترة. كما أنه، ومثلما أن أحداً من الملثمين في فرنسا (قالت الشرطة الفرنسية إن معظم المحتجين هم بين الـ14 والـ25 من العمر) لم يتبرع بالكشف عن هويته، فإنه من غير المتوقع هنا أيضاً أن يتبرع أحد من الملثمين (نفس الفئة العمرية تقريباً) بالكشف عن هويته. يبقى الفارق أنه، هناك في فرنسا يوجد من يتحدث عن "مراجعة سياسات"، بينما لايتحدث عن مثل ذلك أحد عندنا.

 

[1] كريستوفر ديكي، إنه الحريق هذه المرة، نيوزويك، ع: 15 نوفمبر-تشرين الثاني 1995.

[2] لانعني بكلمة "المجتمع" وحدة من نوع ما؛ حيث نقر باختلاف أنظمة المصالح للجماعات المتصارعة فيه.

 

عن "الديمقراطيين" والصّورة وبيضةِ القبّان

من اليمين عادل المعاودة وعبدالهادي مرهون منتبهاً جيداً للكاميرا

 

           يحرص عبدالهادي أحمد عيسى مرهون أن يجعلَ من صورته ضيفاً على مختلف الصحف الصادرة صباحاً. ولاينسى أن يعزّز طغيان الصورة بمانشيتات "صاخبة" يبثُّ عبرها رسائلَ تتعلق بسيل الأحداث التي تشغلُ الفضاء العام. لكن التصاقه بالصورة لايتوقف هنا، إنما يتمدّد ليشغل مساحةً مهمة من حيّزه الخاص. ودون عناء بحث، يطالعنا مجلسُه الكائن في "ضاحية السيف" بصورة تَمَّتْ بروزتُها بعناية، يطلُّ منها مبتسماً في وجه الأمين العام لحزب الله اللّبناني حسن نصر اللهأ .ما مكتبه "الفخم" الواقع في مبنى البرلمان، فلقد استعاضَ له بدلاً من الصورة، بصفحةٍ أولى من جريدة يومية يقول مانشيتُها الرّئيس أكثر ممّا تقوله صورةٌ أُخذت بعدسة فنان محترف: (فليصمتْ مرهون).

        إلى جانب مايوفّره عديدُ الصور هذه من دلالات "إشهارية"، لاتخفى على بال أي راءٍ سريع، تكشف من جانب آخر، عن غريزة تعويضية تتصل بانحسار الجغرافيا السياسية التي يمكن أن يضع فوقها رجلاه "الثقيلتان" داخل البرلمان، هو واثنان من "رفاقه" –والرفاق ذات دلالة هنا!-، تسالم معهما على تسمية أنفسهم بـ(كتلة الديمقراطيين).

        وإذا كان من المهم هنا، الإشارة إلى اسمي عبدالنبي سلمان ويوسف زينل اللّذين يشكل بمعيتِهما صورةً كاملة Image، فمن المهم أيضاً، الإشارة إلى أن هذه "الإيميج" ثلاثيّة الأبعاد، تظلّ مبتورةً من أطرافها، في ظل هيمنةٍ طاغية لأطراف يصفها هو، بـ"المتشدّدين" و"الموالين". إن ذلك مايجعله يصرُّ على كونه والتيار الذي يمثله "ضحايا" ماأسماه "عجرفة" السلطة من جهة، و"المتشددين" من جهة ثانية.

        أمام إحساس "الضحية" هذا، تأتي الصورة بكثافتها ورمزيتها لتغطّي على جانبٍ من الاضطغان المتأتّي من كونه ورفاقه "أقلية" كان لايُمكن أن تكون كذلك أولاً، ومايستتبعُ ذلك من تحوّلهم إلى "ضحايا" ثانياً.

         والأمر في مجمله، لايعدو أن يكون خلْق توازن في قبال "قسمةٍ ضيزى" تسبب فيها –والكلام له- موقفُ المقاطعين، الذي ترتبت عليه هيمنةٌ كاسحة للأطراف الموالية.

        لكن الصورة ليست كلّ شيء. إذ تبدو "إرادةُ التوازن" نصاً مؤسِّساً في سلوك "الديمقراطيين" الأكثر مشاكسةً في برلمان يتفق المعارضون مشاركون ومقاطعون على كونه منقوصاً؛ حتى ولو اجتهد "الديمقراطيون" أنفسهم في نفي حضوره، ولو قسْراً، في مطاوي أدبياتهم.

        وهذا تحديداً مايفعله عبدالهادي مرهون، الذي يرى أن سلوكَ كتلته في البرلمان ينسجمُ تماماً مع قناعاتها، وإذا حدث وأن استفادت منه السلطة في إضفاء نوعٍ من التنوّع على البرلمان يعينُها على تسويق التجربة أمام الرأي العام داخلياً وخارجياً، فذلك مرده إلى "المقاطين" الذين هيئوا للسلطة كيما تكون لاعباً وحيداً، بل اللاعب الوحيد -هكذا بألف ولام التعريف- من غير منازع.

        ويجادل مرهون بقائمةٍ من المشاريع التي لم يكن بمقدور السلطة تمريرها، لو كان المقاطعون متواجدين بين قبة البرلمان. منها (قانون الجمعيات السياسية) الذي سبّب ويسبّب للساعة خيبة أمل كبيرة.

        فإذا كانت السلطة بنفوذها الطاغي، وبمعاونةِ الأغلبيّة من "المتمجّدين"، قد تمكّنت من تمرير هذا القانون؛ فإنه ورفاقه، رغم قلة العدد ونفاد الحيلة، قد تمكّن من ترحيل التصويت على (قانون التجمعات) من الدور الثالث إلى الرابع، أي مايقرب من أربعة شهور. يقول: "ولك أن تتصوّرَ كم كان سيبدو الأمر مختلفاً لو كانت المعارضة بأطيافها في الداخل".

         لكن ذروة التصعيد التراجيدي بنظره لاتكمن هنا، فهي تتعدّى "المقاطعة" إلى إرادة "القطيعة"، أي عزْل "المشاركين" من طرف "المقاطعين" وترْكهم يواجهون هيمنةَ السلطة بلاظهير. مثال على ذلك، يتابع: "أننا صغنا قانوناً للأحزاب، يتوفّر بين ثناياه، على كل ماتطالب به الجمعيات السياسية الآن. ثم أننا رجونا الجمعيات، عِوَضاً عن مؤسسات المجتمع المدني الأخرى التي أطلعناها مجتمعةً على القانون، إمدادنا بمرئياتها؛ بيد أنّ أحداً لم يفكر حتى في الرّدّ علينا".

        أما النتيجة المتحصّلُ عليها من ذلك، فهي –بحسب مرهون-:"تمرير قانون الجمعيات السياسية بتحالف كلٍّ من: السلطة والمتشددين في البرلمان، ومن طرفٍ بعيد مؤسسات المجتمع المدني". فالمسألة إذن، كما يرى إليها، إهمالٌ من "المقاطعين"، أكثر مما هي مسألة "توازن" صَدَفَ وأن التقت عليها إرادةُ "الديمقراطيين" و"السلطة" معاً.

        غير أنّ "البعض" يفضل أن ينظر إلى الصُّورة ذات الأبعاد الثلاثة من الزاوية الأبعد. ففضلاً عن تهافت "الديمقراطيين" على تسويق صورة للرأي العام هي على قدرٍ كبير من "الختْل" و"الزيف"، تورّطهم، من جانبٍ آخر، في ابتذال قضايا لها وقعها النفسي الخاص لدى "جماعة محددة"، عبر "مقترحات" يعرف أكثر المتفائلين بأنها "لن تمر". بينما الهدف من ورائها لايعدو أن يكون كرنفالاً "استعراضياً" من قبيل الـShwo للظهور بمظهر من يحملُ آلام الجماعة. (الطعْن في دستورية مرسوم 56 مثالاً).

         وفي حين يُهدَفُ من ذلك إلى إحداث نوعٍ من "التوازن النفسي" بين مطاليب الجماعات الأكثر تضرراً ومؤسّسة البرلمان غير القادرة على الاستجابة بأي شكل لها، يُهدفُ أيضاً إلى إحداثِ نوعٍ من "التوازن الطائفي" عبر طمأنةِ الأطراف المناوئة "بأن شيئاً مثل هذا لن يمر، فماهي إلا جعجعةٌ بلا طحين".

        والحال، أن مرهون يرى في ذلك حُكماً "لايصح"، لأن بعض المقترحات التي قدّمتها كتلتُه، حتى في ضوء الممانعة التي قوبلت بها من طرف البرلمان، لم تخلُ من فائدة. ثم أنه، ومن منطلق عقيدته "اليسارية"، من الاستحالة عليه بمكان، الولوج إلى السياسيّ من البوّابة الطائفية.

        ذلك أن الصراع -كمايقرّر تِبْعاً إلى الديالكتيك الماركسي- طبقي قبل أن يكون مذهبي أو هووي أو قبلي أو ما إلى غير ذلك. وإذا حدث وأن انعطفَ مسارُه، فذلك من قبيل "ضياع البوصلة" أو "الخطأ المؤقت" الذي لن يلبث ويعود إلى دورته التاريخية الطبيعية.

        من بعيد، لايزالُ عبدالهادي أحمد عيسى مرهون يحتلّ مساحةَ مانشيت أو اثنين في الصحف الصادرة صباحاً، وإنْ انحرفَت بيضةُ القُبّانِ قليلاً!

لاتعتذر عمّا فَعَلت

 

-أ-

ما المخيف في تدريس الأديان: اليهودية، المسيحية، البوذية!؟

ما المخيف في الخروج من نسق الواحد إلى المتعدد، من عبادة الذات إلى لعبة المرايا المتناظرة!؟

كيف أن الحق في "الغيرية" غدا يُعتذَرُ عنه!؟

كيف أن الواحد التام التوليتاري غدا يُعتذر إليه!؟

نعم، يُخافُ من ذلك، ويُعتذر، لأنه يضعنا وجهاً لوجه، أمام إمكان أخلاقي لم نختبره في ثقافتنا: التسامح؛ لأنه يكشف عن سويّةٍ لا إنسانية ظللنا نداري عليها باسم الدين تارة، وباسم الحقيقة تارة أخرى: الكراهيّة.

نعم، يُخافُ من ذلك، ويُعتذر، لأنه يُخرّب الثقافة التي تمجد الموت، ترسلُ المرضى النفسيين/ الانتحاريين إلى العراق ولندن ونيويورك؛ لأنه يُصادرُ على اختزال الدين في مجموعة من الطقوس: إطالة اللحى، حجاب المرأة، شجّ الرؤوس، ملاحقة الخارجين على أيديولوجيا الامتثال بالحطب والعصيّ.

ما الذي يُخافُ عليه في المناهج الدراسية!؟ السوكولائية التعليمية القائمة على التلقين والتكرارية الاجترارية؛ أم العلوم العقلية الغائبة/ المغيبة؛ حتى في شكلها البدائي البسيط. لا، ليس السؤال ما الذي يُخافُ عليه، السؤال الصحيح ما الذي يخافُ منه!؟

 

-ب-

يتنطّعُ قائلاً: تدريسُ الأديان مفتاحٌ إلى تدريس المذاهب الخمسة.

-         ما وجهُ اعتراضِك؟

-         ...!!

إن كانت الأديان مفتاحاً إلى المذاهب الخمسة، فهي المفتاح الصّحيح. لكن هذا المفتاح يمكن أن يتحوّل إلى قفل، إذا ما جيءَ به على أرضيّة الترضية والتسويات السياسية. ليس صحيحاً أن التمثيل الإثني والديني هو، مايرفدُ المشروعية على تدريس الأديان؛ الأصحّ من ذلك، أن تدريس الأديان يفتحُ على التنوع، وتِبعاً لذلك، على نبْذِ الأحاديّة.

- ما التنوع؟

- فتح المجال أمام التأويل، أمام حوار العقلانيات، تقليص سلطة الحقيقة، أو في الأقل تشتيتها؛ حتى لاتتضخم، تستبد، فتموت وتُميت!

- لكن، ما الأحادية؟

- نزوع توليتاري باتجاه حدّ الحقيقة في إسار فكرة أو اجتهاد أو نظرية؛ وهو مايعني أن تكون الحقيقة سلطة، أن تكون مدلولاً يُحاطُ أو سطاناً يُستحوَذُ عليه.

إن مايجب أن يشتغل عليه أيّ نظام تعليمي، هو المتنوع، والمتنوع باستمرار؛ لأنه مامن تفكير حر يغتني من الواحد، فالواحد ملاكُه الإذعان، بينما المتنوع ملاكُه التجاوز وإعمالُ النقد. ينبني على ذلك، أن النظام التعليمي الذي لايؤسس إلى التفكير الحر، التفكير بالمطرقة –على حد عبارة نيتشة- الذي يعني فيما يعني، وصْل الذات بموضوعها عبر مسافة نقدية، نظامٌ أقل مايمكن أن يقال في حقه كلمةٌ لابن عربي: لايعوّل عليه!

 

-ت-

        أنْ يرفضَ برلمانُ البحرين مُقترح إدراج المذاهب الخمسة: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي والجعفري، في تدريس المادة الدينية، معنى ذلك، إفساحُ المجال أمام نظام المزايدات والاحتجاجات والمطالب المشاكسة. فليس هناك من شيء أشدّ على هويةٍ من الهويّات، من شعورها الدائم بالحاجة إلى الانحراف خارجَ المسرح في كل مرةٍ تسعى فيها للتعبير عن نفسها. وإذا ماتضافر ذلك، مع لاوعي "الظلامة التاريخية"، كما في سردية مثل السردية الشيعية، يصبح الخروج على النص، كتقنية من تقنيات "المقاومة بالحيلة" -على حدّ تعبير جيمس سكوت- سلاحاً أوحداً أمام كلّ الشّاعرين بالاحتقان لجهةِ الهوية.

        ومن زاويةٍ سوسيولوجية، تؤشر حاجةُ الجماعات للانحراف خارج المسرح، حاجتهُا للهمس مثلاً أو لتحرير خطابٍ مستتر تتدبّرُ عبره شؤون اجتماعها، عن اختلالٍ في علاقات القوة؛ إذ كلما تفاقم هذا الاختلال، تفاقم في موازاةٍ منه، اللجوء إلى الهوامش لممارسة (أنا الجماعة)، وذلك بوصفها -أي هذه الهوامش- الحيز الوحيد المُتاح لتحقيق إرادة الاختلاف، بعد أن أنَفَ عن ذلك "الحيّز العام".

        والحاصل أنه، كلما انشرخت الثقة في "الحيز العام"Public Sphere، التأمَت على نحوٍ أثيرٍ، الثقة في "الحيّزات الخاصّة"؛ فهي، وعلى مايفيد مجازُ عزمي بشارة (ملجأٌ أخيرٌ للنذّل)!! ولاعزاء حينئذٍ، لكل أولئك المتعيّشين على فوبيا/... الرُّهاب من "الأجندة السرية للأقليات!".