مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

في نقد الإصلاح: شعاره وشعريته

بالإعلان عن موعد الانتخابات المقبلة، الذي مايزال حتى الساعة، موعداً معلّقاً على عمل السحر والرجم بالغيب، يكون شعار التوجه الإصلاحي قد أنهى دورة كاملة. وفي الدورة هذه التي حصدت من السنوات أربعاً، استجرّ إليه.. كما وعليه، كثيراً من المعجبين والحانقين على السواء. وفيما راح المعجبون يسطرون ملاحم ذوبانهم في الشعار (شعار العهد الجديد) من خلال الصحف وأشعار (النبط) الشعبي وبيانات التأييد وطقوس الولاء، طاف الحانقون الشوارع والساحات وعبأوا خيالاً خصباً وضافرياً، ضداً على "شعرية" الشعار، على كثافة المجازي والاستعاري فيه مقابل ضآلة المحسوس والمادي.

 في الحالين، كانت لعبة الاختلاف بين الطرفين تدار عبر الخطابات؛ حتى أولئك الذين فضلوا غير مرة، أن يوسّعوا من مجال اللعب باستدخال عناصر جديدة فيه (حرق إطارات السيارات، أسطوانات الغاز والصدامات الفخمة مع رجال الأمن) كانت الجهود تنشط حثيثة لإعادتهم إلى حدود اللعب المسموح به، إلى أداته الوحيدة، إلى الخطابات. وقد سمعنا، كيف أن رئيس تحرير صحيفة زميلة تدخل في اللحظة الحاسمة ليوقف صداماً محققاً بين رجال الأمن ومتظاهرين من منطقة بني جمرة، بعد أن تمكن من إقناع الأخيرين أن بإمكانهم الذهاب معه إلى مبنى الصحيفة، ومن ثمّ سيتكفل بعض محرريه بعمل لقاءات معهم ونشر الرسالة التي يريدون إيصالها إلى السلطة في إصدار اليوم التالي، مقابل فكّ التظاهرة.

إن التوجه الإصلاحي شعار، لكنه أيضاً ليس شعار أيّة مرحلة. إنه شعار مرحلته هو، شعار ماسيتأسس عليه وإليه من لحظة رفعه، لاشعار ما تأسس على وإلى/ ما.. ومَن قبله. لذا فإن اللعب مع الشعار(الآن)، يختلف عن اللعب مع الشعار(أمس). ولقد قيل كلام كثير هنا، عن أن الأدوات التي أديرت بها مطالبات التسعينات ليست صالحة بالضرورة للمطالبات المرفوعة الآن.

ومن هنا، توجّب على اللعب أن يتقلص، ينهدم وينبني من جديد، يمّحي في شعار المرحلة الذي حدّد شروط اللعبة في الخطابات وبالخطابات. وِتبعاً لذلك، كان على متظاهري بني جمرة أن يصيغوا احتجاجهم، أيّاً كان، في رسالة تُنشر، أن يحولوا الممارسة الاحتجاجية إلى خطاب، أن يكثروا من الخطابات ويُكاثروها. أن تحتج؟ لايهم؛ المهم ألا تدير عملية الاحتجاج خارج سلطة الانضباط (نظام الخطاب) المنبثقة عن شعار المرحلة. تعترض؟ ذلك شأنك؛ إنما يتوجب عليك أن تحفظ الدرس جيداً: إن خروجاً على الشعار، بل حتى على شعريته، كفيلٌ بأن يجعلك (الشخص الخارج) أجنبياً من كل اللعبة  الدائرة.

وإذا كان الشعار، هو لازمة المرحلة، فإن الشعرية، هي لازمة الخطابات التي ستدور حول الشعار، لازمة اللعبة كما وأداتها. سيتوجب على الفاعلين في المجال الذين أقروا بحدود اللعب المتاحة، أن يتسلحوا، زيادة على هذا الإقرار، بشعرية رهيفة عند كل نقد أو اعتراض على خط سير العملية الإصلاحية. سيكون الإصلاح والمشروع الإصلاحي وجلالة الملك، لازمةً لاغنى عنها لأي خطاب يريد اللعب في (العهد الإصلاحي). ستكون الإشادة بالإصلاح مقدمة لنقد الإصلاح، الاحتفاء بألقاب السموّ والفخامة مقدمة لكيل الشتائم وملاحم الهجاء، تحرير أجمل الاستعارات مقدمة لنقد أبشع الممارسات.

إن الاحتجاج بأدوات المرحلة، التي هي الخطابات والمزيد من الخطابات لايكفي، لابد من إضافة لمسة السحر عليها، لابد من شعرنتها. إن من لايجيد السحر، لايلعب وفق الأصول. سيكون وقحاً وفجّاً وناكراً للجميل، أو... في الأقل، سيكون قد أمّن لنفسه، بإرادة منه، عائقاً اتصالياً يكفل لرسالته بألاّ تصل، وكذا لتحفظه ولنقده واعتراضه واحتجاجه (كذا يُتصوّر). صار السحر جزءاً من لياقة الخطاب، الشعر والشعرنة وسيلة التحدث إلى المرحلة الإصلاحية.

والحال أنه، ليس المعجبون وحدهم من عليهم يقع تسطير الملاحم ومدائح الشعر (النبط، النظم) إنما أولئك الحانقون أيضاً؛ فحتى يصل هؤلاء إلى مستوى التحدث مع شعار المرحلة الجديدة، لابد من الشعرية. إن شعار الإصلاح لايكتفي بشعريته فقط، إنما يمرر شعوراً إلى الذوات المتحدثة إليه بأن عليها، وحتى تضمن انعقاد كرنفال الإصغاء المشترك، بأن تتحول إلى إما شاعرة أو ساحرة. إنه يسعى باستمرار إلى أن يرى نفسه في الذوات المتحدثة إليه، أن يرى سلطته عليها، وعبر الشعرية تتجلى سلطة الإصلاح في الذوات المتحدثة، كما وعبرها تغدو الذات المتحدثة إصلاحية، تماماً كتلك المُتَحدّث إليها.

وعلى ذلك، تتكفل الشعرية بتأمين فضاء تواصلي بين شعار الإصلاح والمتحدثين إليه، كائناً من

 كانوا، معجبين طامعين فيه أو حانقين ناقمين عليه. فالخطابات المنتجة، هي تلك التي تحافظ على طقسية الشعر؛ حتى في الوقت الذي تكون متوجهة إلى جلد شعار التوجه الإصلاحي، شعره وشعائره. اللهم لا اعتراض، الخشية فقط، من أن يؤدي فائض الشعر إلى فساد البضاعة!     

 
 نشر في صحيفة "الوقت" البحرينية بتاريخ  28 يونيو/ حزيران 2006
 لمشاهدة المقال مصوراً اتبع الوصلة التالية:
 

"تخزية" السؤال

تصوير: حسين المحروس

 
 لماذا السؤال المطروح على جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، الآن على الأقل، هو سؤال "الأمر" لا سؤال "السراة
لماذا تُبدي الجمعية حماسة جامحة في الإجابة عن هذا الأخير، بينما تُدرج الأول في خانة المحرمات والممنوعات المستحيل التفكير فيها؟
لماذا علينا ألا نستجيب، صحافيين وكتاباً، لسياسة الحقيقة هذه، ونفضل أن ننطلق بالمقلوب، من الأول (الأمر) إلى صيرورته الأخيرة (السراة)؟
ثم أخيراً، لماذا نعتقد أن على الجمعية أن تراجع موقفها من النظر إلى الحديث (حديث الفراشة، حديثنا، حديثهم) عن الأول باعتباره فعلاً "مخزياً" غرضه "الإيذاء" و"الاستباحة"، كما أن تراجع موقفها من النظر إلى الحديث عن الثاني باعتباره الدال الوحيد المحول على "جدية" اللعب (جادون كلّ الجد ولسنا من هواة اللعب)؟

        آثرنا البدء بكتلة "اللماذيات" هذه، تمهيداً للقول، إن فعل القراءة الذي هو فعل الفحص، فعل النظر، فعل النقد، فعل الحفر، فعل الكشف، فعل التفسير، فعل التنقيب، فعل التأويل، كما وأيضاً، فعل الإساءة (إساءة القراءة)، فعل الغلط، فعل السلطة، فعل التبرير، فعل الصرف، فعل التحويل، فعل التدمير، فعل التخريب؛ ليس مطلوباً منه، ولايجب أن يكون مطلوباً منه، الخضوع لسياسةٍ واحدة في الحقيقة. إن عملية القراءة لاتتحرر وتغدو فعلاً إرادياً، مالم تُصرفُ إلى فضاء اللعب الحر، اللعب بالدوال والأسماء وأشيائها. أن تبدأ من اليمين أو تبدأ من الشمال، من فوق أو من تحت، من الأول أو من الثاني، من الأمر أو من السراة، ليست تلك هي المشكلة؛ إنما المشكلة في إعاقات القراءة، في إرادة السلطة التي يراد لها أن توجه فعل القراءة إلى.. السراة أولاً.. والسراة أخيراً.

        إن سؤال "من أين لك هذا؟" الذي يروق للإخوة في جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أن يفعّلوه لممارسة بعض الفحص على التواريخ التدشينية في التراث، وقادهم في مرحلة متأخرة (عبر سلسلة كتب السراة) إلى تحديد نقاط ارتكاز (تواريخ) مغايرة، هو سؤال القراءة؛ لكن هذا السؤال لايجب أن يتوقف عند هذاالمستوى؛ فحتى لا يتحول إلى سؤال أيديولوجي، إلى سؤال سلطوي موجه، عليه ألا يتجمد عند نقطة ارتكاز واحدة، عند السراة ومابعدها. إننا نتساءل مثلاً: لماذا لايُسأل ما (قبل) السراة: من أين لك هذا؟ لماذا لايُسأل "الأمر": من أين لك هذا؟ "الحلم": من أين لك هذا؟ "الباب": من أين لك هذا؟ "الوكلاءالخمسة": من أين لكم هذا؟ "تاريخ النشأة" نفسه: من أين لك هذا؟ وكل هذه الأسئلة، لنجيب على جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية: من أين لك كل هذا؟

        ثم أخيراً، لماذا حين يُجاب على هذه الأسئلة، من طرف بعض الخارجين، قديما أو حديثاً، والذين (ليست صدفة) ينقلون سيراً متشابهة (إلى حد ما) عن أصل التكوين وتطور الجماعة ومفاهيم التمركز لديها، تُتَلقى (الإجابات، إجاباتهم) برشقات "الخزي"  و"التغرير" و"العجمة" و"الابتذال". أفلا يحق لنا أن نسأل (من طرفنا هذه المرة) رشقة "الخزي": من أين لك هذا؟ وكذا رشقة "التغرير والعجمة والابتذال": من أين لك هذا؟

        إن المطلوب، لايتعدى مسألة توسعة مجال اللعب الحر لسؤال "من أين لك هذا؟"، ليكون شاملاً لحظة الانبثاق وتاريخ النشأة وتاريخ القطائع (القطائع مع مفاهيم سابقة) ومفاهيم التمركز وأنظمة الرغبة (الأحلام). فتلك هي نسّابية (جينالوجيا) نيتشة التي يعوِّل عليها في دراسة الظواهر وتكوّن الجماعات (البحث عن أصل النشأة). وتلك هي متعلقة بيير بورديو الذي يعتقد أن دراسة موضوع ما تستدعي دراسة كل متعلقاته "حين يتم استدعاء موضوع ما، فإنه تُستدعى معه جملة متعلقاته". وبالبناء على ذلك، فإن قراءة جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أو قراءة سلسلة كتب السراة، تستدعي معها قراءة كل متعلقاتها، و(الأمر) هو واحد من هذه المتعلقات. بل حتى متعلق (الأمر) نفسه؛ حين قراءته، يحتاج إلى أن يتم تنسيبه إلى سياق أعقد من المتعلقات، يرتبط بما يطلق عليه "جماعات الخلاص". فسؤال "من أين لك هذا؟" لايجب أن يقف عند حد، وإلا فإنه يكف عن أن يصبح سؤالاً، يكف عن أن يصبح تجديدياً، وعملية القراءة التي تريد جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية أن تحصرها (علينا) في السراة.. وفي التالي من السراة، هي قراءة غرضية موجهة، وتِبعاً لذلك، هي قراءة تنتمي إلى إرادة السلطة، لا إلى إرادة اللعب الحر.

        مرة أخرى: لماذا علينا ألا نستجيب، صحافيين وكتاباً، لسياسة الحقيقة هذه، ونفضل أن ننطلق بالمقلوب، من الأول (الأمر) إلى صيرورته الأخيرة (السراة)؟ لأننا نحتاج إلى أن نضع (جماعة) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية في سياقها الصحيح، كجماعة في التاريخ. وهذا لا يعني أننا نبحث عن تاريخ نشأتها فقط (المرحلة السجنية ومتعلقاتها)؛ إنما أيضاً، عن الشروط الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أثرت في استخدامها (الجماعة) للأسطورة والتقديس والتعالي والعقل. ولنا في ذلك وقفة أخرى. 
 
مواضيع ذات صلة:
 

سامحك الله ياجوليد

... إذن، صار فوزي جوليد الآن مقيماً بصفة غير قانونية. صار العامل الهارب من القانون الذي يتوجّب عليه أن يصطفَّ في طابور منتهيي الإقامة من المضبوطين والمخالفين والمكبّلي الأيدي؛ إلى أن يتسع صدرُ موظف إدارة الهجرة والجوازات للقائه. وبالقانون، كان عليه أن ينافح من أجل تمديد إقامته لثلاثة أسابيع؛ حتى يستطيع، ولن يستطيع، ابنه (جوليد) تتمة عامه الدراسي. كما كان عليه، وبالقانون أيضاً، أن يسارع إلى تصفية متعلقاتهفوزي جوليد، عفشه وحسابه البنكي، ومغادرة البحرين على أول طائرة.

 سامحك الله ياجوليد!! أما كان عليك أن تعرف، أنت الذي لم تفوِّت سانحةً دون أن تقوم بتذكيرنا في جميع لقاءاتك بنا، أنك ومعهدك وسلسلة بيوتات الإن دي آي من خلفك، لاتتعامل إلا مع الهيئات والمؤسسات المختومة بشمع القانون، وتبعاً لذلك، لم تكن تتحمس كثيراً، ولن تتحمس، للقاء الفعاليات الرمزية والسياسية التي لاتعثر لها في القانون، مهما ضاق صدر حائكه، على ثوب يتسع لسمنة صراخها، (أما كان عليك أن تعرف) أن الدولة التي أوليتها كل هذا القدر الفخم من القانون والقانونية، هي دولة لاتطرب كثيراً لضروب القانون؛ إلا إذا كان ضرباً تعبِرُ به هي، لا أن يُعبَرَ به إليها.

          أن تعبر به هي، فمعنى ذلك أنها هي من يملكُ سلطة فرضه على المجال العمومي، وهي من يملك سلطة تأويله، وتبعاً لذلك سلطة تحريكه في الوقت الذي تنتوي تحريكه. فتلك هي السيادة المتواترة في خصوصياتنا العربية المعنعنة. لكن أن تعبر به أنت، أن تؤوله، أن تجتريء على تحريكه في صالحك، فمعنى ذلك، أنك تضربَ بعرض الحائط لاهوتاً ضخماً من السيادة كانت الدولة العربية سباقة في إبداعه بوحي من القوة والخصوصية معاً.

وعلى الرغم من أن الدولة عندنا، في السياق الذي نتحدث منه، قصير عمرها زمنياً، قصير إلى الحدّ الذي مازال هناك بين ظهرانينا من يتحدث عن "إنجاز الدولة" في الوقت الذي راح العالم الحر (عندكم) يُثَمِّرُ أحاديثَ عن "مابعد الدولة"؛ إلا أنها استطاعت أن تكيّف لصالحها جهازياتٍ كاملة من المفاهيم والأداوات والإحداثيات التي يكفي حاصلُ مجموعها كوكبةَ المتمجدين حجّتَهم: "إن عندنا دولة". لكن أي دولة هي، حديثة أو قروسطية؟ لا أحد يتكلم.

          وعليك أن تتذكر هنا، أن الدولة التي استضافتك، ثم من بعد لأيٍ طردتك، وجعلتك ترسل لأحبائك رسائل الإس إم إس مُذيّلةً بالوداع الأخير، هي من دول الندرة التي تريد الدخول إلى سوق التحول الديمقراطي، مع الاحتفاظ بكامل بضاعتها التقليدية. تريد الدخول إلى الحداثة القانونية مع الاحتفاظ بكامل حزم القوانين التي تشكلت في مرحلة ماقبل الحداثة. تريد الدخول إلى المدنية مع الاحتفاظ بكامل آليات القسر والقهر والإكراه ومجتمع ماقبل الاجتماع. تريد الدخول إلى النادي العولمي مع الاحتفاظ بكامل التعاضديات والعصبيات والمجاميع البدائية، كائنا ماكانت، إثنية أو قبلية.

        كنت تتحدث عن السياسة بالسياسة، وتحاول إقناعنا ما استطعت، بأن اللعبة، ومادامت قد بدأت، فإن علينا أن ننخرط فيها، أن ننفد من إليها من التخوم، أو على الأقل ألاّ نعمل على إيقافها، وكنا على العكس منك، عنيدين ومشاكسين، نقول لك إن لدى السلطة جهازياتها التي هي من الضخامة؛ بحيث تمنحها قدرة فائقة على المناورة والاحتواء وصهر تاج الحديد الذي على رؤوسنا، ثم كنا ننتهي، فلا أنت اقتنعت ولا نحن اقتنعنا.

كنت تتحدث عن مجتمع المؤسسات، ولم توفر ذلك حتى ليلة وداعك، وكنت توصينا وتوصي علينا، أن المؤسسة ومشتقاتها هي، الخيار الوحيد الذي يمكن أن تتقوم عليه سيادتنا، على جهة أننا أفراد أولاً، ومجتمع ثانياً، وأن مجال عملك لايتعدى مسألة التقريب بين هذه السيادات وإزالة الهوة الواقعة بينها وبين سيادة أخرى أكبر، هي سيادة الدولة، وكنا نشاغبك بما كان قد تحدث عنه عزمي بشارة غير مرة، بأن المؤسسات التي تنتعش فيها فكرة السيادة، هي تلك التي تنشأ وتنمو بمنأى عن آليات القسر وإكراهات الدولة.

... ثم أنك كنت تنصت لكل ذلك، وتنتظر دورك في الحديث كأي واحد منا، وكنت تنهض بعبء آخر إضافي، هو محاولة العثور على الخيط الرفيع المفقود بين مثالية الثقافي كما عندنا، وواقعية السياسي كما عندك، فكنت تعثر عليه أحياناً، كما كنت تخفق في المهمة أحياناً أخرى. ثم لا أنت سئمت، ولا نحن سئمنا.

سامحك الله ياجوليد، أما كان عليك أن تعلم، أن قومنا لديهم من الحساسية مايكفي لإيقاف كرنفال الإصغاء المشترك هذا، وبرافعة، هي من أفخم وأفحم الرافعات التي اخترعها الاجتماع الإنساني، وهي القانون. انظر.. أنت في أميركا الآن!

 

 

إنها ضواحي باريس هنا

الصدامات في قرى البحرين

 
ما من وجه شبه مقنع، بين حوادث الشغب الأخيرة التي ضربت غير قرية من قرى شارع البديع وسترة، وتلك الحوادث التي اجتاحت أواخر أكتوبر-تشرين الأول الماضي الضواحي الفقيرة (الغيتوهات) المحيطة بباريس في فرنسا، ومع ذلك، فإن عقد مقارنة بين الحالتين، مع تثبيت الفارق، لايمكن أن يخلو من فائدة. 

فالآن، وبعد أن خَفَتَ هديرُ الإدانات وبياناتُ التنديد ورسائل الشجب والاستنكار واستعراضات القوة، صار ممكناًً التساؤل عمّا إذا كان من المفيد تثمير نوع من التفهمية بخصوص حوادث الشغب، لا على مستوى تجسدها الأخير في أشكال العنف السافر؛ إنما على مستوى ذاك النمط من العقلانية الذي يشتغل عبرها، والذي يجعل من العنف أمراً ممكناً (ولانقول مشروعاً)، أو قل تجلياً واحداً من تجلياتها العديدة.

إن الحديث عن وجود عقلانية في ظاهرة مثل ظاهرة عنف الشوارع، لايعني تبريرها بأية وجه، كما لايعني نسبتها إلى العقل، كما قد يُفهم ذلك من استعمال كلمة عقلانية، إنما هو محاولة لقراءة هذه الظاهرة من خلال صلتها بنظام المصالح الخاص بها وبالسياق الذي تتحدث منه وتنشط داخله. لذا، فإن القياس على حوادث باريس، يمكن أن يفيدنا في فهم نظام المصالح المتعلق بفعل العنف كظاهرة عالمية أولاً، وكظاهرة محلية ثانياً.

أشير بداية، إلى أنني وطوال الشهرين الماضيين، عمدتُ إلى استغلال مكان سكني في القلب من أحد مسارح الحوادث الأخيرة (سنابس) الذي شهد صدامات متكررة بين ملثمين وقوات مكافحة الشغب، بالمغامرة والتواجد قريباً، ما استطعت، من بؤرة الأحداث. وهو ما كلفني دفع نوعين من الضريبة، اختناقاً وضيقاً في التنفس وتنمُّلاً في العين والوجه أحياناً، وزجراً من أحد الطرفين المتخاصمين أحياناً أخرى، وأحياناً الضريبتين معاً.

تبدأ الأحداث عادة، بقيام مجموعة من الشبان الملثمين بقطع الشوارع الرئيسة أو المنافد الداخلية المؤدية إليها، بالإطارات المحروقة وحاويات القمامة المتنقلة، فيما يُتركُ مسارٌ واحدٌ لعبور السيارات. أحياناً، يتولى شاب أو اثنان من الملثمين عملية تنظيم المرور في هذا المسار؛ وبالنسبة لي، يمكنني القول هنا إنني كثيراً ما عوملتُ من قبلهم بلطافة.

أما شرطة مكافحة الشغب، فعادة مايتجه تصرفهم مع الموقف إلى سدّ المداخل الرئيسة بداية، ومن ثم تخفُّ مجموعات راجلة منهم، وبعضُهم ملثم، بالتقدم إلى مكان الحدث. وفي العادة، لايتم السماح لأحد بالمرور؛ حتى لمن هم على شاكلتي، ممن يعتقدون أن ختم وكيل وزارة الإعلام المطبوع على بطاقتهم الصحافية، يمكن أن يمنحهم جواز مرور.

على مدى الشهرين الماضيين؛ وحيث تكرّر هذا المشهد أمامي عشرات المرات؛ وحيث عاينتُ ملياً أعمدة الدخان المتصاعدة من الإطارات المحروقة والغازات المسيلة للدموع، لم أنفك من طرح هذا السؤال على نفسي: لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا يتبرع شباب للقيام بكل هذه التظاهرات الإرادية، وتبعاً لذلك تعريض أنفسهم لكل هذا الحشد الفخم من القوة؟ لماذا يحدث أن يلجأ شباب إلى تخريب الممتلكات العامة، ولماذا الإمعان في هذا الفعل؟

إنني؛ وإذ أستخدم صيغة سؤال (لماذا)، فإنني أفترض مسبقاً أن لاشيء عدمياً في هذه الظاهرة. لاشيء مما يقال عن العنف لأجل العنف أو التخريب لأجل التخريب أو الشغب لأجل الشغب. كما إنني أفترض مسبقاً أيضاً، أن هناك صورة ما من صور العقلانية تشتغل في هذه الظاهرة، هي حتماً غير كون الفاعلين فيها شباباً يائساً أو مندساً أو ضحيّة خطب التحريض وكره الدولة، كما أنها حتما، هي غير كونهم حاملي مطالب وناطقين باسم أهداف سامية وغايات نبيلة.

لنترك الآن الحكم على هذه الظاهرة ونأتي إلى مثال فرنسا.يشير تقرير نشرته مجلة "نيوزويك" عقب إسبوع من شغب باريس، إلى أن الحوادث التي أطلقت فيها النار على الشرطة وحصدت في ليلة واحدة 900 سيارة حرقاً كما وعشرات المعتقلين والجرحى، فتحت عيون المسئولين في الحكومة على "فشل عقود من السياسات الفرنسية المراد منها إجبار المهاجرين على الإندماج".

كما يذكر التقرير بأن وزير الداخلية الفرنسي ساركوزي وصف العصابات التي تقوم بعمليات الحرق بـ"الحثالة"، وحين وبخه رئيس الوزراء دوفيلبان بأنه لايجب "أن نصم بالعار أحياء كاملة"، تدخل الرئيس شيراك، فعادوا جميعاً للوقوف جبهة واحدة خلف شعار "الحزم والعدالة"[1].

إن الفرنسيين لم يخفوا رغبتهم في التعامل "حازمين وعادلين" مع المتسببين في الشغب، لكنهم أيضاً، لم يخفوا إن أمامهم مهمة مراجعة "سياساتهم لعقود حيال المهاجرين". وفي التحليل، يحوّل الحزم على "نظام القوة" المتصل بعمل الدولة؛ في حين تحوِّل عملية مراجعة السياسات على "نظام المصالح" المتعلق بعمل الدولة في علاقتها مع المجتمع.

 إن لكلا الطرفين (الدولة، المجتمع) نظام مصالحه الخاص، عقلانيته الخاصة، التي تشتغل عبرها مجمل آلياته. فالدولة لها اقتصادياتها كما أن للمجتمع اقتصادياته، وللدولة تنظيمها وهيكلتها كما أن للمجتمع تنظيمه وهيكلته، وللدولة إكراهاتها التي تحيا بها وتدوم كما أن للمجتمع إكراهاته التي يحيا بها ويدوم، وللدولة أحلامها وأوهامها كما أن للمجتمع أحلامه وأوهامه. لكن أيضا، ثمة نظام المصالح العام والمشترك، نظام الأنظمة المتعلق بالمصالح والرغبات والأحلام والمنافع والاقتصاديات المتبادلة بين الدولة والمجتمع معاً. وعملية "مراجعة السياسات الفاشلة" تتعلق بهذا النظام الأخير.

إن كثيراً من المشاكل عائدة في الأساس إلى سوء تدبير هذا النظام العام والمشترك. فحين تكف "سياسات  العقود الطويلة" عن إقناع المجتمع بأنه شريك في هذا النظام، حين يكف النظام العام عن أن يكون عاماً، فإنه ينتج الرغبة في تدميره.

من هنا، فإننا نفهم حوادث العنف في فرنسا والبحرين على أنها تعبير بالوسائل الأكثر عنفاً وبدائية، عن اختلال في نظام المصالح المشترك. من هنا أيضاً، نفهم عقلانية ظاهرة مثل ظاهرة العنف، نفهمها باعتبارها سلوكاً بدائياً موجهاً، لكن أيضاًَ معبراً عن الصراع الحاصل على نظام الحلم والرغبة بين الدولة والمجتمع[2].

وكما في فرنسا، فإن مطالباً واضحة ومعلنة لم يرفعها المسؤلون عن شغب الضواحي، فإن مطالباً واضحة ومعلنة لم يرفعها المسؤلون عن شغب قرى شارع البديع وسترة. كما أنه، ومثلما أن أحداً من الملثمين في فرنسا (قالت الشرطة الفرنسية إن معظم المحتجين هم بين الـ14 والـ25 من العمر) لم يتبرع بالكشف عن هويته، فإنه من غير المتوقع هنا أيضاً أن يتبرع أحد من الملثمين (نفس الفئة العمرية تقريباً) بالكشف عن هويته. يبقى الفارق أنه، هناك في فرنسا يوجد من يتحدث عن "مراجعة سياسات"، بينما لايتحدث عن مثل ذلك أحد عندنا.

 

[1] كريستوفر ديكي، إنه الحريق هذه المرة، نيوزويك، ع: 15 نوفمبر-تشرين الثاني 1995.

[2] لانعني بكلمة "المجتمع" وحدة من نوع ما؛ حيث نقر باختلاف أنظمة المصالح للجماعات المتصارعة فيه.

 

عن "الديمقراطيين" والصّورة وبيضةِ القبّان

من اليمين عادل المعاودة وعبدالهادي مرهون منتبهاً جيداً للكاميرا

 

           يحرص عبدالهادي أحمد عيسى مرهون أن يجعلَ من صورته ضيفاً على مختلف الصحف الصادرة صباحاً. ولاينسى أن يعزّز طغيان الصورة بمانشيتات "صاخبة" يبثُّ عبرها رسائلَ تتعلق بسيل الأحداث التي تشغلُ الفضاء العام. لكن التصاقه بالصورة لايتوقف هنا، إنما يتمدّد ليشغل مساحةً مهمة من حيّزه الخاص. ودون عناء بحث، يطالعنا مجلسُه الكائن في "ضاحية السيف" بصورة تَمَّتْ بروزتُها بعناية، يطلُّ منها مبتسماً في وجه الأمين العام لحزب الله اللّبناني حسن نصر اللهأ .ما مكتبه "الفخم" الواقع في مبنى البرلمان، فلقد استعاضَ له بدلاً من الصورة، بصفحةٍ أولى من جريدة يومية يقول مانشيتُها الرّئيس أكثر ممّا تقوله صورةٌ أُخذت بعدسة فنان محترف: (فليصمتْ مرهون).

        إلى جانب مايوفّره عديدُ الصور هذه من دلالات "إشهارية"، لاتخفى على بال أي راءٍ سريع، تكشف من جانب آخر، عن غريزة تعويضية تتصل بانحسار الجغرافيا السياسية التي يمكن أن يضع فوقها رجلاه "الثقيلتان" داخل البرلمان، هو واثنان من "رفاقه" –والرفاق ذات دلالة هنا!-، تسالم معهما على تسمية أنفسهم بـ(كتلة الديمقراطيين).

        وإذا كان من المهم هنا، الإشارة إلى اسمي عبدالنبي سلمان ويوسف زينل اللّذين يشكل بمعيتِهما صورةً كاملة Image، فمن المهم أيضاً، الإشارة إلى أن هذه "الإيميج" ثلاثيّة الأبعاد، تظلّ مبتورةً من أطرافها، في ظل هيمنةٍ طاغية لأطراف يصفها هو، بـ"المتشدّدين" و"الموالين". إن ذلك مايجعله يصرُّ على كونه والتيار الذي يمثله "ضحايا" ماأسماه "عجرفة" السلطة من جهة، و"المتشددين" من جهة ثانية.

        أمام إحساس "الضحية" هذا، تأتي الصورة بكثافتها ورمزيتها لتغطّي على جانبٍ من الاضطغان المتأتّي من كونه ورفاقه "أقلية" كان لايُمكن أن تكون كذلك أولاً، ومايستتبعُ ذلك من تحوّلهم إلى "ضحايا" ثانياً.

         والأمر في مجمله، لايعدو أن يكون خلْق توازن في قبال "قسمةٍ ضيزى" تسبب فيها –والكلام له- موقفُ المقاطعين، الذي ترتبت عليه هيمنةٌ كاسحة للأطراف الموالية.

        لكن الصورة ليست كلّ شيء. إذ تبدو "إرادةُ التوازن" نصاً مؤسِّساً في سلوك "الديمقراطيين" الأكثر مشاكسةً في برلمان يتفق المعارضون مشاركون ومقاطعون على كونه منقوصاً؛ حتى ولو اجتهد "الديمقراطيون" أنفسهم في نفي حضوره، ولو قسْراً، في مطاوي أدبياتهم.

        وهذا تحديداً مايفعله عبدالهادي مرهون، الذي يرى أن سلوكَ كتلته في البرلمان ينسجمُ تماماً مع قناعاتها، وإذا حدث وأن استفادت منه السلطة في إضفاء نوعٍ من التنوّع على البرلمان يعينُها على تسويق التجربة أمام الرأي العام داخلياً وخارجياً، فذلك مرده إلى "المقاطين" الذين هيئوا للسلطة كيما تكون لاعباً وحيداً، بل اللاعب الوحيد -هكذا بألف ولام التعريف- من غير منازع.

        ويجادل مرهون بقائمةٍ من المشاريع التي لم يكن بمقدور السلطة تمريرها، لو كان المقاطعون متواجدين بين قبة البرلمان. منها (قانون الجمعيات السياسية) الذي سبّب ويسبّب للساعة خيبة أمل كبيرة.

        فإذا كانت السلطة بنفوذها الطاغي، وبمعاونةِ الأغلبيّة من "المتمجّدين"، قد تمكّنت من تمرير هذا القانون؛ فإنه ورفاقه، رغم قلة العدد ونفاد الحيلة، قد تمكّن من ترحيل التصويت على (قانون التجمعات) من الدور الثالث إلى الرابع، أي مايقرب من أربعة شهور. يقول: "ولك أن تتصوّرَ كم كان سيبدو الأمر مختلفاً لو كانت المعارضة بأطيافها في الداخل".

         لكن ذروة التصعيد التراجيدي بنظره لاتكمن هنا، فهي تتعدّى "المقاطعة" إلى إرادة "القطيعة"، أي عزْل "المشاركين" من طرف "المقاطعين" وترْكهم يواجهون هيمنةَ السلطة بلاظهير. مثال على ذلك، يتابع: "أننا صغنا قانوناً للأحزاب، يتوفّر بين ثناياه، على كل ماتطالب به الجمعيات السياسية الآن. ثم أننا رجونا الجمعيات، عِوَضاً عن مؤسسات المجتمع المدني الأخرى التي أطلعناها مجتمعةً على القانون، إمدادنا بمرئياتها؛ بيد أنّ أحداً لم يفكر حتى في الرّدّ علينا".

        أما النتيجة المتحصّلُ عليها من ذلك، فهي –بحسب مرهون-:"تمرير قانون الجمعيات السياسية بتحالف كلٍّ من: السلطة والمتشددين في البرلمان، ومن طرفٍ بعيد مؤسسات المجتمع المدني". فالمسألة إذن، كما يرى إليها، إهمالٌ من "المقاطعين"، أكثر مما هي مسألة "توازن" صَدَفَ وأن التقت عليها إرادةُ "الديمقراطيين" و"السلطة" معاً.

        غير أنّ "البعض" يفضل أن ينظر إلى الصُّورة ذات الأبعاد الثلاثة من الزاوية الأبعد. ففضلاً عن تهافت "الديمقراطيين" على تسويق صورة للرأي العام هي على قدرٍ كبير من "الختْل" و"الزيف"، تورّطهم، من جانبٍ آخر، في ابتذال قضايا لها وقعها النفسي الخاص لدى "جماعة محددة"، عبر "مقترحات" يعرف أكثر المتفائلين بأنها "لن تمر". بينما الهدف من ورائها لايعدو أن يكون كرنفالاً "استعراضياً" من قبيل الـShwo للظهور بمظهر من يحملُ آلام الجماعة. (الطعْن في دستورية مرسوم 56 مثالاً).

         وفي حين يُهدَفُ من ذلك إلى إحداث نوعٍ من "التوازن النفسي" بين مطاليب الجماعات الأكثر تضرراً ومؤسّسة البرلمان غير القادرة على الاستجابة بأي شكل لها، يُهدفُ أيضاً إلى إحداثِ نوعٍ من "التوازن الطائفي" عبر طمأنةِ الأطراف المناوئة "بأن شيئاً مثل هذا لن يمر، فماهي إلا جعجعةٌ بلا طحين".

        والحال، أن مرهون يرى في ذلك حُكماً "لايصح"، لأن بعض المقترحات التي قدّمتها كتلتُه، حتى في ضوء الممانعة التي قوبلت بها من طرف البرلمان، لم تخلُ من فائدة. ثم أنه، ومن منطلق عقيدته "اليسارية"، من الاستحالة عليه بمكان، الولوج إلى السياسيّ من البوّابة الطائفية.

        ذلك أن الصراع -كمايقرّر تِبْعاً إلى الديالكتيك الماركسي- طبقي قبل أن يكون مذهبي أو هووي أو قبلي أو ما إلى غير ذلك. وإذا حدث وأن انعطفَ مسارُه، فذلك من قبيل "ضياع البوصلة" أو "الخطأ المؤقت" الذي لن يلبث ويعود إلى دورته التاريخية الطبيعية.

        من بعيد، لايزالُ عبدالهادي أحمد عيسى مرهون يحتلّ مساحةَ مانشيت أو اثنين في الصحف الصادرة صباحاً، وإنْ انحرفَت بيضةُ القُبّانِ قليلاً!

لاتعتذر عمّا فَعَلت

 

-أ-

ما المخيف في تدريس الأديان: اليهودية، المسيحية، البوذية!؟

ما المخيف في الخروج من نسق الواحد إلى المتعدد، من عبادة الذات إلى لعبة المرايا المتناظرة!؟

كيف أن الحق في "الغيرية" غدا يُعتذَرُ عنه!؟

كيف أن الواحد التام التوليتاري غدا يُعتذر إليه!؟

نعم، يُخافُ من ذلك، ويُعتذر، لأنه يضعنا وجهاً لوجه، أمام إمكان أخلاقي لم نختبره في ثقافتنا: التسامح؛ لأنه يكشف عن سويّةٍ لا إنسانية ظللنا نداري عليها باسم الدين تارة، وباسم الحقيقة تارة أخرى: الكراهيّة.

نعم، يُخافُ من ذلك، ويُعتذر، لأنه يُخرّب الثقافة التي تمجد الموت، ترسلُ المرضى النفسيين/ الانتحاريين إلى العراق ولندن ونيويورك؛ لأنه يُصادرُ على اختزال الدين في مجموعة من الطقوس: إطالة اللحى، حجاب المرأة، شجّ الرؤوس، ملاحقة الخارجين على أيديولوجيا الامتثال بالحطب والعصيّ.

ما الذي يُخافُ عليه في المناهج الدراسية!؟ السوكولائية التعليمية القائمة على التلقين والتكرارية الاجترارية؛ أم العلوم العقلية الغائبة/ المغيبة؛ حتى في شكلها البدائي البسيط. لا، ليس السؤال ما الذي يُخافُ عليه، السؤال الصحيح ما الذي يخافُ منه!؟

 

-ب-

يتنطّعُ قائلاً: تدريسُ الأديان مفتاحٌ إلى تدريس المذاهب الخمسة.

-         ما وجهُ اعتراضِك؟

-         ...!!

إن كانت الأديان مفتاحاً إلى المذاهب الخمسة، فهي المفتاح الصّحيح. لكن هذا المفتاح يمكن أن يتحوّل إلى قفل، إذا ما جيءَ به على أرضيّة الترضية والتسويات السياسية. ليس صحيحاً أن التمثيل الإثني والديني هو، مايرفدُ المشروعية على تدريس الأديان؛ الأصحّ من ذلك، أن تدريس الأديان يفتحُ على التنوع، وتِبعاً لذلك، على نبْذِ الأحاديّة.

- ما التنوع؟

- فتح المجال أمام التأويل، أمام حوار العقلانيات، تقليص سلطة الحقيقة، أو في الأقل تشتيتها؛ حتى لاتتضخم، تستبد، فتموت وتُميت!

- لكن، ما الأحادية؟

- نزوع توليتاري باتجاه حدّ الحقيقة في إسار فكرة أو اجتهاد أو نظرية؛ وهو مايعني أن تكون الحقيقة سلطة، أن تكون مدلولاً يُحاطُ أو سطاناً يُستحوَذُ عليه.

إن مايجب أن يشتغل عليه أيّ نظام تعليمي، هو المتنوع، والمتنوع باستمرار؛ لأنه مامن تفكير حر يغتني من الواحد، فالواحد ملاكُه الإذعان، بينما المتنوع ملاكُه التجاوز وإعمالُ النقد. ينبني على ذلك، أن النظام التعليمي الذي لايؤسس إلى التفكير الحر، التفكير بالمطرقة –على حد عبارة نيتشة- الذي يعني فيما يعني، وصْل الذات بموضوعها عبر مسافة نقدية، نظامٌ أقل مايمكن أن يقال في حقه كلمةٌ لابن عربي: لايعوّل عليه!

 

-ت-

        أنْ يرفضَ برلمانُ البحرين مُقترح إدراج المذاهب الخمسة: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي والجعفري، في تدريس المادة الدينية، معنى ذلك، إفساحُ المجال أمام نظام المزايدات والاحتجاجات والمطالب المشاكسة. فليس هناك من شيء أشدّ على هويةٍ من الهويّات، من شعورها الدائم بالحاجة إلى الانحراف خارجَ المسرح في كل مرةٍ تسعى فيها للتعبير عن نفسها. وإذا ماتضافر ذلك، مع لاوعي "الظلامة التاريخية"، كما في سردية مثل السردية الشيعية، يصبح الخروج على النص، كتقنية من تقنيات "المقاومة بالحيلة" -على حدّ تعبير جيمس سكوت- سلاحاً أوحداً أمام كلّ الشّاعرين بالاحتقان لجهةِ الهوية.

        ومن زاويةٍ سوسيولوجية، تؤشر حاجةُ الجماعات للانحراف خارج المسرح، حاجتهُا للهمس مثلاً أو لتحرير خطابٍ مستتر تتدبّرُ عبره شؤون اجتماعها، عن اختلالٍ في علاقات القوة؛ إذ كلما تفاقم هذا الاختلال، تفاقم في موازاةٍ منه، اللجوء إلى الهوامش لممارسة (أنا الجماعة)، وذلك بوصفها -أي هذه الهوامش- الحيز الوحيد المُتاح لتحقيق إرادة الاختلاف، بعد أن أنَفَ عن ذلك "الحيّز العام".

        والحاصل أنه، كلما انشرخت الثقة في "الحيز العام"Public Sphere، التأمَت على نحوٍ أثيرٍ، الثقة في "الحيّزات الخاصّة"؛ فهي، وعلى مايفيد مجازُ عزمي بشارة (ملجأٌ أخيرٌ للنذّل)!! ولاعزاء حينئذٍ، لكل أولئك المتعيّشين على فوبيا/... الرُّهاب من "الأجندة السرية للأقليات!".

        لكن الأمر، من الزاوية الأعمق، أبعدُ من نصٍّ يُبتنى خارج المسرح، أبعدُ من مقاومةٍ يُحتالُ بها على القوّة في أوج قوتها، بل هو، أبعدُ من زيادة فصْل مأساة على فصولِ مأساة التعليم الديني في المدارس الحكومية. إن الأمر متصلٌ بسيستام تربويّ كامل مازال يستعيضُ عن العلوم الإنسانية الحديثة بسيكولائية تعليمية تقوم على الاجترار والدّعاية؛ حيث علوم "الملّة"، هي أعلى درجة من "تاريخ الأديان المقارن"؛ حيث علاقات "التبجيل والامتثال"، هي أوفر حظاً من "المسافة النقدية" بين الطالب والعقائد الأكثر رسوخاً وتجذراً وتقديساً.

        لذا، قد يفلحُ مقترحٌ مثل مقترح المذاهب الخمسة في تخفيف علاقاتِ التوتر الواقعة بين الأرثوذكسيات المذهبية، وهو شيءٌ مطلوبٌ، لكنه... لايفلح، أبداً، في تخفيف الأرثوذكسية ذاتها!

 

-ث-

الدفاع عن المناهج التعليمية، في الصورة التي هي عليها الآن.. وأمس هو، دفاع عن الجمود، دفاع عن السلطة (نص السلطة). والعصاب المتبدي من جانب "البعض" إزاء الدعوة لتدريس الأديان: اليهودية، المسيحية، البوذية؛ بلْه، تدريس المذاهب: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي والجعفري هو، عصاب أصيل يقع في العمق من الثقافة العربية. ذلك لأنها ثقافة السلطة بامتياز، ثقافة الأصول التي لاتتبدل، التراث الذي لايتحول، الدين الذي لايتزعزع لتقلب الزمان واختلاف أحواله.

- ما السلطة!؟ إذا لم تتمسك بالقوة، إذا لم تكافح ضداً على خلخلتها، وعلى التعريض بمناطق نفوذها.

مرة أخرى، لنسأل: ما المخيف في تدريس الأديان!؟

هل يكفي القول بانحسار التمثيل الإثني والديني، دليلاً على انتفاء الحاجة لذلك!؟

يجب أن نلاحظ، في هذا الصدد، أن لاعلاقة موضوعية بين السؤالين. إذ ينتمي السؤال الأول إلى حقل التربية والتكوين؛ في حين ينتمي السؤال الثاني إلى الإيديولوجيا، إلى السياسة. وبرغم ذلك، وظف هذا السؤال الأخير حجاجياً ضداً على دعوة تدريس الأديان.

- سيظل السياسي يعتدي أبداً على الحقول النظيرة له، مادام قانون اللعب في الثقافة والاجتماع، يقوم على "العدوان"، أي على تداخل الحقول، لاعلى تمايزها وفرادتها.

أقول ذلك، لأنه من زاوية تعليم حديث علماني، يحل "علم الأديان المقارن" محل "علم الملة"، "تاريخ الأديان" محل "ميتافيزيقا الدين"، "الأشكلة الأنتروبولوجية للأديان" محل "تكرارية التلقين والتبجيل".

انطلاقاً من ذلك، يُسأل الممانعون، بالتساذج نفسه الكامن في نفرتهم من تدريس الأديان: تقصدون الدفاع عن المؤسسة!؟ حسناً، ليكن ذلك، ولكن بالسياسة. لأن فكرة الدفاع نفسها تنتمي إلى حقل المعركة، وتِبعاً لذلك، إلى السياسة. بالنسبة إلى التعليم، فهو يقاس بحساسية أخرى هي، مطواعيته لأن يتصل بالزمان- الآن، لا الماضي- أمس. تلك هي المسألة!

 

 

 

فلتة لسان لم يقِ الله النواب شرّها

      النائب علي مطر لرئيس مجلس النواب: لست ابن قبيلة
     
تُظهرُ الصورةُ النائب علي مطر واقفاً، مُديراً ظهره لعدسات المصوِّرين، في الوقت الذي راح ينزع عنه، بإحدى يديه، عباءته (البشت)، في تلويحةٍ دلالية، لايمكن التيقن تماماً، ما إذا كانت تعكس غضبَه أو، كانت تعكس ضيقَ صدرِه من سرّايات شهر أبريل/ نيسان العاصفة. صورة ثانية له، أمامية، تبدو أكثر وضوحاً، وأشدّ إيحاءً، يظهر فيها واقفاً مُشَوْبِراً، يداه مرفوعتان، إحداها مَرْخِيّةً لكن قابضةً على العباءة، والأخرى مُصَوَّبةً ببلاغة نحو نقطةٍ ما.  صورة ثالثة، أمامية أيضاً، تنمّ الحركة فيها عن فاصلٍ زمني متأخر عن الصورتين السالفتين، لا أثر للعباءة، إنما نفرٌ من النواب يدارونه بأيدٍ خفيضة، فيما يده وحدها المرفوعة، حدّ أنها لامَسَت مستوى "البورد" الخلفي الذي كُتبَت عليه بخط الثلث الآية "38" من سورة الشورى "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم" (كذا في الصورة).

        من بعيد، لاتخبر هذه الصُّور الثلاث شيئاً، سوى عن مشهدٍ غير انضباطيّ جرى لهنيهةٍ تحت قبة البرلمان، تسبّب فيه احتدادُ أحد النواب، وسرعان ما هبّ زملاؤه لاحتوائه. هذا جزء من "صنمية الصور"، أنها لاتقول كل الحكاية، على حد عبارة جان بودريار.

وبما أن الحكاية هنا، هي من ذاك النوع الذي لايرضي إرادة الانضباط في المؤسسات الرصينة؛ لذا توجّب أن تُمحى، ألا تتحول إلى مشهد، أن تُنفى إلى النسيان، سواء عبر حذفها من مضبطة الجلسة، كما دعا إلى ذلك النائب الثاني لرئيس مجلس النواب عادل المعاودة، أو عبر الإيعاز للصحافة "عدم نشر الخلاف الذي حصل بيني وبين الرئاسة، لا بالخبر ولا بالصورة" كما جاء في رسالة من النائب مطر مرّرها إلى الصحافيين الحاضرين في الجلسة.

        لكن المفاجأة جاءت من تحت عباءة رئيس مجلس النواب نفسه خليفة الظهراني، المسؤول عن تسيير نظام الانضباط (المراقبة والمعاقبة)، حين صرخ في مصوِّري الصحف المحلية: "صوّروه". ولمّا طلب النائب مطر إعطائه الحديث للاعتذار، رفض الرئيس ذلك، قائلاً "إن الاعتذار الآن لاينفع، فالصحافة كتبت والمصوّرون أخذوا لقطاتهم".

لم يكن مطر يريد لسلطة الكشف (عدسات التصوير) أن تُظهِر لاطواعية الجسد، أن تُري عصيانه، تفضح وجوده الآخر، عنفه اللفظي المستتر خلف تكتيكات الهيبة والرزانة.

من جهته، كان رئيس المجلس يريد العكس، أن يعطي المشادة نوعاً من المشهدية، تصعيدها لتكون حَدَثاً يُروى وسيرةً تُتَناقل. ذلك أن خرق نظام الانضباط يستوجب عقوبة؛ وهل هناك عقوبة أكثر من الكشف، أكثر من التحويل على نظام انضباطي آخر، هو عين الجماعة؟ فلئن مُحيت المشادة من مضبطة المجلس، من ذا يمحوها من تلك المضابط المحفورة في أذهان الناخبين والمريدين؟

        لكن النائب مطر، الشيخ وخطيب جامع أبي بكر الصديق في المنامة، كان أكثر تفطناً لذلك، أكثر دراية بدرجة الإيلام التي يمكن أن يستجرّها عليه هذا المستوى من العقوبة؛ لذا سارع للقول "لن أترشح مرة أخرى، ولا أسعى لإعادة انتخابي من خلال الصور أو الإعلان".

كانت هذه العبارة موجهة لرئيس المجلس ورداً على اتهامه له بـ"افتعال المشاجرة للظهور أمام الصحافة والإعلام"، لكنها أيضاً موجهة للخارج، لأفق الجماعة –المحبوب فيه كما ينقل مطّلعون-، كما لو أنه أراد أن يقول لهذا الأفق: ها إنني أعود إليك، من دون أن أتلوث بهالات الحظوة؛ حتى أنني لن أترشح مرة ثانية.

        على أن الأمر لايقف عند هذا المستوى؛ إذ أن فن العقاب في النظام الانضباطي، لايعتمد على الفضح أو الكشف السافر فقط، لتمرير آثار السلطة، كما في الإيحاء للمصورين "صوِّروا" أو للكَتبَة "دوِّنوا"؛ إنما على سلسلة من الاستراتيجيات التي تدعم إحداها الأخرى، منها استراتيجية التصنيف والترتيب، التي يخبرنا عنها ميشيل فوكو بأنها "استراتيجية تقيم رؤية على الأفراد، ومن خلال هذه الرؤية تتم المفاضلة بينهم ومعاقبتهم (...)  تقوم على توزيعهم إلى مراتب ودرجات، والتفريق بينهم، من حيث طبيعتهم وقواهم الكامنة، من حيث مستواهم أو قيمتهم" [1].

وفي موضوعنا، بإمكاننا أن نفهم الآن، بعضاً مما جرى فلتةً على لسان مطر في معرض محاججته مع رئيس المجلس "لماذا (تطنيش) النائب؟ هل لأنني لا أتبع قبيلة أو عائلة ومن فقراء الناس؟".

 لقد كشفت فلتة اللسان هذه، عن آلية من آليات الانضباط الضمنية التي لم يكن مسموحاً لها أن تُرى، والتي تقوم على تصنيف الأعضاء وفق بناء تراتبي، إثني وطبقي: قبيلي وغير قبيلي، عربي وغير عربي، غني وغير غني. الأمر الذي تطلب بأن يتدخل الشيخ المعاودة للتخفيف من وطأة هذا الكشف "أرجو من الصحافيين الحاضرين في الجلسة عدم الإشارة إلى كلمة (القبيلة) التي جاءت على لسان مطر، لأن البحرين بعيدة كل البعد عن هذه النعرات، فالجميع أبناء آدام وآدام من تراب".

لكن، لئن جاءت مداخلة المعاودة كيما تعيد تغليف الحدث، تلطيفه وتجميده عند مستوىً معينٍ من المشهدية، تبقى فلتة لسان مطر الخارجة في لحظةِ عصبية، هي الأبلغ تعبيراً، ليس فقط عمّا يشتغلُ في جوهر مؤسسة حديثة كالبرلمان، إنما في جوهر بناء سياسي أكبر، لازلنا غير قادرين، سلطة ومجتمع، على إخراجه من أفق المُتّحدات (الأطر) التقليدية، القبلية والطائفية، إلى مُتّحدات (أطر) أكثر حداثة.   
  

 [1] ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة، تر: د. علي مقلد، مركز الإنماء القومي – بيروت.

القانون.. تلك الاستعارة التي تقتل

         إلى حدٍّ بعيد، يمكن القول إنّ الإسبوع الماضي كان من أكثر الأسابيع قانونية. ليس لجهة تشكّل ثقافة مدنية تعلي من شأن الامتثال للقانون، إنما لأن ساحةَ الهَذْر الكلامي حول القوانين وفي القوانين وبالقوانين كانت على أشدّها.

        فبالقانون، بَسَطَ مستشارون لطفاء، الدواعي من نشْر صور المتهمين في حوادث الديه والسنابس في الصحف المحلية؛ وبالقانون أيضاً، برّر معارضون موقفهم الرافض لنشر الصور.

        وبالقانون، انتعشت سلسلة من المنطوقات الخطابية في الصحافة، تقول إن نشر الصور أمرٌ مقبول، لأنه يوفّرُ سياقاً ردعياً، يقطعُ على من مايزال يحتكم إلى الشارع في إدارة خلافه مع السلطة؛ حتى قال قائلٌ "نؤيد نشر الصور.. وبالقانون"؛ وبالقانون أيضاً، انتعشت في المقابل، منطوقات خطابية أخرى، اعتبرت نشرَ الصّور أمراً غيرَ مقبولٍ ولا أخلاقياً، لأن إدانةً من المحكمة بحق المتهمين لم تصدرْ بعدُ، وتِبعاً لذلك، أعلن محامٍ باسم أهالي المتهمين إنه أعدّ "لائحة دعوى" ضدّ الصحف، فضلاً عن النيابة العامة المسئولة عن تسريب الصور.

        لكن الأمر لن يقف عند هذا الحد؛ إذ حَمَل الإسبوع الماضي، إلى جانب حروب القانون هذه التي تضافَرَت جرّاء نشر الصور، مصفوفتين من القوانين، الأولى مشروع قانون أحالته الحكومة إلى مجلس النواب لتضمين مرسوم مباشرة الحقوق السياسية "حرمان كل من حكم عليه بعقوبة أو جناية، أو حكم عليه بالحبس لمدة تزيد على الستة أشهر، من تقييد اسمه في جداول الانتخاب لمدة عشر سنوات؛ حتى وإن صدر بحقه عفو خاص"[1]، والثانيةمشروع آخر، للحكومة أيضاً، لتضمين قانون الجنسية "حق المجنسين في الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية، والخليجيين الذين أقاموا إقامة مشروعة ومستمرة لمدة 3 سنوات في الحصول على الجنسية البحرينية"[2].

(يجب ألا ننسى هنا أيضاً، الدعوة التي وُجِّهت الإسبوع الماضي إلى الصحافيين في الصحف المحلية من طرف رئيس جمعية الصحافيين عيسى الشايجي، بالتواجد في قاعة البرلمان أمس "السبت"؛ حيث تُناقش التعديلات المُحالة من الحكومة، على قانون الصحافة).

        من بعيد، تبدو الأمور أثيرةً في المملكة الفتيّة، جمهرةٌ من المواطنين الأحرار يتجادلون بالقانون، ويستعينون به على اختلافاتهم ونوازعهم وشرّ طبائعهم وعصبياتهم، كما ولتسيير نظام مصالحهم وسياسات معيشهم وشئون اجتماعهم.

        أيضاً، يبدو الحكم، من فوق كل هذه الجمهرة المتراصّة، رباً حكيماً، في قدرته على نقل النزاع على المصالح من فضاء النقاش العمومي إلى فضاء اللعبة؛ حيث القانون "أبو الجميع"؛ حيث البرلمان "أبو أبو الجميع" –أي أبو القانون-.

        السؤال هنا، ماوجه الزيف في كل هذه اللعبة؟ ما الذي يختفي وراء هذا المستوى من اللعب؟ ما الذي لايقوله الدستور ولا قانون العقوبات ولاقانون مباشرة الحقوق السياسية ولاقانون الجنسية ولاقانون الصحافة ولا قانون الجمعيات السياسية ولا اللائحة الداخلية لمجلس النواب ولا مرسوم 56؟

        إن أول مستوىً من الإجابة على كتلة الأسئلة هذه، يمكن كشفه من خلال استعارة "الدولة/ حرب" التي يحلل بها ميشيل فوكو علاقات السلطة التي تنشأ مع تأسيس الدولة وتظلّ سائرةً معها. فاستعارة "الدولة/ حرب" تستوجب النظر إلى سلسلة الأدوات المكوِّنة للدولة، مثل السيادة والقانون والأجهزة القضائية ومؤسسات التشريع وغرف المستشارين ولجان القوانين وتعديل القوانين، باعتبارها تقنيات إخضاع تهدف في النهاية إلى الهيمنة على الجسد الاجتماعي وفرض إرادة الانضباط. وعبر هذه التقنيات تنشأ، مايسميها فوكو، الحرب التي لاتنتهي مع تأسيس الدولة (كما هو التصور الهوبزي) إنما تبدأ معها.

 لكن الحرب المقصودة هنا، ليست من شاكلة تلك الحروب الأكثر بدائية التي تأتي معمّدةً بالدم والعنف المادي، إنما هي حرب تدار بأدوات غير حربية، حربٌ سلاحها التصورات والتمثيلات والرموز واستعراضات القوة والتظاهرات الفخمة والإرادية. لكن في لحظة ما، قد تتحول الحرب من هذا المستوى "المخملي" إلى مستوىً آخر، قريب مما استقرّت عليه أذهاننا، من أن الحرب، هي العنفُ السافر، بكل تجلياته (الحرب الحيوانية).

إن المجرم قد يحجم عن ارتكاب جريمة ما، لأن بمقدوره أن يتصوّر رد الفعل أو كمية العقاب التي يمكن أن تستجلبها عليه هذه الجريمة، لكنه أيضاً، يمكن أن يقدم على تنفيذها، في حال تصوّر أن رد الفعل أو العقاب، هو أدنى مستوىً من الجريمة نفسها، أو إنه سيستطيع الإفلات من العقوبة، أو إنه لن يعاقب أصلاً. وبحسب النموذج الفوكوي، تلك هي الحرب بامتياز، الحسابات الموزونة والإرادية حول حجم الخصم وقوته، والتي تستوجب في المحصلة، حجم المعركة، وقوتها.

إننا نفهم الآن، وهذا مستوىً ثانٍ من الإجابة،كيف أن القانون، هو محصّلة علاقات القوة هذه، قوة الحسابات والتصورات والتمثيلات والعبارات الفخمة والمتحايلة لدى الخصوم المتحاربين، لكن أيضاً، وهذا ما لايجب أن ننساه، قوة العنف والدم والفتك والدمار والاحتواء والإبادة.

يقول فوكو "يقتضي الأمر تحديد واستكشاف، تحت أشكال العدل القائمة، ونظمه المفروضة، والمؤسسات كماهي مقبولة، ذلك الماضي المنسي للصراعات الواقعية والانتصارات الفعلية (...) يقتضي إيجاد الدم المجفف في القوانين والتشريعات، وبناء عليه، لايمكن القول بإطلاقية القانون"[3].

أما مايمكن البناء عليه من كل ذلك، وهذا هو المستوى الثالث والأخير من الإجابة، فهو أن القوانين، تلك التي أشرنا إليها سلفاً، قانون العقوبات الذي استندت إليه الحجاجات والحجاجات المناوئة حول مسألة نشر الصور، أو قانون الصحافة الذي نوقش أمس في البرلمان...إلخ؛ إنما هي في مجموعها حاصل كل عمليات الحرب والإخضاع التي أديرت بين الحكم والمعارضة. فإلى إلى أي مستوى كان الحكم قوياً/ ضعيفاً، وإلى أي مستوى كانت المعارضة ضعيفة/ قوية؛ ذلك هو المخفي وما لاتقوله حُزَم القوانين والتشريعات، على الرغم من أنها حصيلته. فهل لا يزال بيننا، من مازال يعتقد ببراءة القوانين وطهارتها؟

 

[1] (مشروع بقانون لتعديل بعض أحكام مباشرة الحقوق السياسية لسنة 2002).

[2] (مشروع بقانون لتعديل قانون الجنسية لسنة 1963).

[3] ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، تر: الزواوي بغورة، دار الطليعة - بيروت.

 

 

قد فات أوان الوطنية فماذا عن المواطنية؟

        فجأةً، اكتشف الرئيسُ المصري حسني مبارك أنّ ولاءَ إحدى الأقليات الإثنية في العالم العربي، ليس إلى دُوَلها، إنما لإيران. فجأةً أيضاً، ارتفع خطابُ الوطنيّات، مُندِّداً أو منافحاً أو مُستَدرِكاً، وتختّمَت به البيانات والتصريحات والمواقف وافتتاحيات الصحف وأعمدة الرأي وبلاغيات النواب ووزراء إعلام الدول ومؤسسات التقديس والأحزاب.

        لكن ماليس بفجأة، أن يظلّ غائباً، سواء عن الرئيس مبارك، أو عن أولئك الواقعين في الطرف الضديد، مافعلته الدول المركزية في الفكرة الوطنية، مافعلته أيديولوجيا السيادة في نظرية الدولة نفسها، وكيف تحوّلت هذه الأخيرة، بفعل ذلك، من جهاز لاحتكار العنف، إلى جهاز لتصريفه، بحق أو بغير وجه حق.

فما فعلته الدولة العربية الحديثة، مُتسلِّحةً بالسيادة واحتكار القوة، وعبر الاستئناس إلى غطاء الشرعية التقليدية، كفيلٌ بأن يفتح أذهاننا ليس على عدم ولاء  أقلية إثنية كالأقلية الشيعية لوحدها؛ إنما كل الأقليات الأخرى التي ضاعت في ممْسحات الدولة القوميّة مرّةً، وها هي تضيع، مرةً ثانية، في ممْسحات الدولة الوطنية.

لقد سُمِّمَت الفكرة الوطنية في الاجتماع السياسي العربي، إلى الحد الذي صارت فيه مجازاً خاملاً فقيراً من أي مضمون. وقد أُعيدَ إنتاجُها بطريقة تلائم إدامة أنظمة الأمر الواقع التي اطمأنت إلى الشرعية التقليدية، المُتَحَصَّل عليها، حسب ماكس فيبر، إما بواسطة الدين أو العصبية القبلية. وتِبْعاً لذلك، أصبحت الوطنية فكرة رجعية مُحَوِّلة على نمط من العلاقات البدائية التي تقوم على الامتثال والحب والافتداء والتفاني، لا أكثر ولا أقل.

فأنت وطني بقدر ماتكون قادراً على التفدية والدفاع حتى الموت عن وطن-أرض بمنتهى الحماسة. وأنت وطني بقدر ماتكون متفانياً في حب شيخ العائلة أو العاهل أو الرمز أو الزعيم. وأنت وطني بقدر ماتكون ممتثلاً لآليات الانضباط التي تفرضها الأعراف والقوانين الضمنية، لا القوانين المكتوبة.

وبالعودة إلى خطاب مبارك، نكتفي هنا بالإشارة إلى تصريح مسئول كبير في إحدى الدول الخليجية، أراد أن يدفع بشبهة ولاء فئةٍ من مواطنية إلى دولة خارجية، فقال "إن التاريخ يشهد بأنهم، وعلى مرِّ السنين، وقفوا إلى جانب الشرعية ومساندين للنظام" مبدِّداً بذلك، كل التصريفات السياسية الداعية إلى مواطنية دستورية.

إن مفهوم المواطنية Citizenship، الذي ننحاز إليه هنا، ونطرحه بديلاً عن مفهوم الوطنية، جرّاء ما لحق بهذا الأخير من تشويه وابتذال، يقوم على ثنائية "الحق والواجب" لا على علاقات الحب والتضحية، يقوم على القوانين المكتوبة (التعاقد)، لا القوانين الضمنية أو القوانين الخاصة. فالمواطنية لا يتم فهمُها أو العمل من خلال أدواتها إلا عبر التعاقد والمصالحة، وهو ما أخفقنا في إنجازه حتى الساعة، وهو أيضاً ما يجعل الدولة في السياق الذي نتحدث منه، عربياً كان أو بحرينياً، عملية غير منجزة، على حد تعبير عبدالهادي خلف.

 أما التفاني والوفاء والحب والامتثال والتفدية، فهي مقتضيات لتحقق هذا المفهوم مادياً، لا العكس، وهي نتيجة لإنجاز عملية المواطنة، بعد أن يتم الكفّ عن الاستعانة بالتعاضديات الإثنية والطائفية والقبلية في بناء الدول.

ومثل الفكرة الوطنية، فإن مفهوماً وثيق الصلة بالدولة الحديثة، كمفهوم السيادة، تعرّض هو أيضاً، لعملية إعادة إنتاج بما يتناسب مع أختام الخصوصية، المرفوعة اليوم من جانب الأنظمة، بأكثر مما كانت مرفوعة في وقتٍ سابق من جانب الحركات الأصولية. فالسيادة، كما هو عليه الحال في الدمغة العربية، تعني القوة، والقوة وحدها؛ قوة الهيمنة، عبر الاستخدام المفرط لكل عناصر القانونية، على الأرض والإنسان وموارد الطبيعة؛ قوة الدولة في فرض إرادة الانضباط على المجتمع، بغض النظر عما عليها إليه من واجبات. وهو ما أدى إلى أن تتضاءل لازمتا العدل والقانون، اللتان تُعدّان في الفكر السياسي المعاصر، مكوِّنين رئيسين لاتنتظم من غيرهما قوة السيادة لدى الدول.

أما الحاصل من كل ذلك، فإن على الرئيس مبارك أن يتوقع رؤية المزيد من اللاّولاءات في المستقبل؛ ذلك أنه، وما لم تتنبه الدولة العربية إلى أهمية إنجاز مهماتها، على النحو الذي يحد من إفراطها في التعويل على أنماط الشرعية التقليدية، وعلى السيادة المقصورة على عنصر القوة وحده، وعلى الوطنية المفرّغة من علاقات الحق والواجب، فإن علينا أن نتقبّل المزيد من إعلانات عدم الولاء، لاولاء الشيعة والأكراد والأقباط والبربر والتركمان والأرمن والآشوريين، وكل الأقليات في العالم العربي.

لكن... ما الذي فعله اليسار الصغير باليسار الكبير؟

في مُحاججةٍ من المُحاججات السمْجة لبعض "عتاولة" اليسار، استكثر الزميل بدر عبدالملك أن يكون شابٌ من جيل اليسار الجديد في المنبر الديمقراطي التقدمي، في حجم علي مجيد، خليقاً بحيازة  نيشان "عضو اللجنة المركزية". ليس ذلك فقط، بل استكثر عليه أيضاً، شرف "الرفقة"، ومن موقعه الفخيم الممنوح ختْماً على "الفانيلات الغيفارية"، فضّل مناداته "زميلاً"؛ ذلك أنه، وكما يقول "مايزال شاباً يتفقه في السياسة والكتابة". وتِبْعاً لذلك، استحقّ مجيد في المحاججة تلك، أن يحظى بلقب "الانقلابيين المتآمرين الذين يتسللون في الظلام"، لاجنديٍّ بدرجة "رفيق" على رقعة الشطرنج، وهو لقبٌ كبير، كما سنرى، مقارنة بإرادة "التقزيم" التي صدر عنها عبدالملك في مقاله ذاك، الذي أراد له أن يكون "خفيفاً على النفس" وأقل من "مكاشفة كبرى" لايرى أن أوانها قد حان بعدُ.

ليس المكان هنا للدفاع عن علي مجيد؛ فهو قد استأهل موقعه في "اللجنة المركزية" من خلال الاقتراع السري (184 صوت من أصل 227 شاركوا في انتخابات اللجنة المركزية) إنما هي، جردةُ حسابٍ سريعة مع نوع من الخطابات الظافرية، المشحونة بكل معاني الحيازة والامتلاء، والمعطوفة على"جرأة" في المناقدةِ جسُورة، لكن في الموضوع الغلط. فزميلنا الذي بدا مُبَلبَلاًللتقاطبات الدائرة في المنبر، الابن الشرعي لجبهة التحرير، وأراد لمناقدته أن تجيء نوعاً من  التنفيس الخفيف أو "فشة الخلق" إزاء تفاقم وطأة خلافات "الرفاق"، وهو بالمناسبة، شعور يشاركه فيه كثيرون داخل المنبر وخارجه، لم يجد طريقاً لـ"فشة الخلق" هذه، إلا عبر ممارسة دور "كاهن المعبد" المسئول عن توزيع خيرات الألقاب والكنى الرمزية.

وهو عبر تمثل هذا الدور، والتفاني فيه إلى حد التماهي، استمرأ الوظيفة الرسولية التي تتقنها كل الأرثوذكسيات الأصولية، وهي حراسة ثمار الحقيقة –هنا في موضوعنا، هي الحقيقة اليسارية-. فلأنّ مجيد مايزال "متفقهاً" في هذه الحقيقة، مايزال الشابّ الذي لم يتطهّر من خلال "قسائم العناء والمعاناة والملاحقة"؛ لذا فإن تشريفه بلقب "الرفيق"، هو، خروجٌ على قانون المعبد وتقاليده. والقانون هنا، هو قانون الكاهن، لا قانون الحزب أو المؤسسة، قانون العرف والتقليد، لا قانون المدينة، قانون بدر عبدالملك لاقانون المنبر أو جبهة التحرير. وهو، أي مجيد، نتيجة لذلك، نتيجة لعدم كونه مشمولاً بأختام السلف الماركسي الصالح، الممنوحة من لدن الكاهن، توجب عليه، ألا يكون أجنبياً من الحقيقة اليسارية فقط؛ إنما أن يتحمل من بين من عليهم أن يتحملوا، زيادة على ذلك، الإخفاقات الكبيرة للرفاق الكبار: "التكتلية والشللية، النزعات الإقصائية والتآمرية، إهانة الصغار للكبار، قوائم المنبر (التحرير، الليبراليين) وسرقة جبهة التحرير".

على أن الحقيقة، كما في قانون الكاهن، ليست جهْداً أو عملاً، ليست خلقاً وصناعةً، ليست موضوعاً يُستعانُ عليه بالدأب والتفقّه؛ إنما تكمن في التماهي، والمزيد من التماهي مع الأصول. وإذا كانت الأصول، في الأرثوذكسيات الدينية، يُتحصّل عليها من خلال الوصْل مع "المتعالي"، فإنها في الأرثوذكسيات التقدمية تُكتنه بواسطة "طويلي العمر" الذين خبروا لحظة الانبثاق الأولى، انبثاق الحقيقة الماركسية؛ وإلا فكيف "نُعلقُ صور الموتى [على الجدران] تعبيراً عن الاحترام لهم؛ بينما نترك للصغار فرصة إهانة الأحياء من الكبار"، يتساءل عبدالملك مستنكراً، ويضيف "مافعله الصغار في الكبار لايعبر عن احترام تاريخي".

والحاصل من ذلك، فإن علي مجيد، وتِبعاً للنسبة التي حصل عليها في انتخابات اللجنة المركزية، وهي الأعلى، والتي نفترض أن كباراً يشار لهم بالبنان من القائمتين (التحرير، الليبراليين) قد اقترعوا لصالحه، لايمثل أكثر من "إهانة" مسددة إلى الرأسمال الرمزي المُوكَلُ على حراسته الجيلُ الكبير من اليسار. لكن السؤال: أي يسارٍ هذا الذي يُرادُ لنا أن نقتنع أنه فخمٌ وكبير، بينما يهينه فوز علي مجيد "الصغير"!؟

هذه المرّة.. اليسار الذرائعي

 

قبل نحو عامين، وغضون زيارته إلى البحرين، دعا عضو الكنيست الإسرائيلي عزمي بشارة، في محاضرة له بجمعية المنبر الديمقراطي التقدمي، "اليسار" إلى إعادة مراجعة موقفه من الدين. كان بشارة، كما بدا في المحاضرة، أو كما بدا قبل ذلك، في البيان الذي صاغه تحت اسم "البيان القومي الديمقراطي"، ينطلق من "موقفٍ تفهميّ" واعٍ للإشكاليات التي لاتنفك وتولِّفها البيئة العربية، والتي يحتل فيها الدين، بوصفه مكوناً ثقافيا، مكاناً جوهريا لم يعد مجدياً إخراجه من دائرة "المعقولات"التي ينبغي التفكير فيها، بقصد استيعابها (راجع  د. عزمي بشارة،  البيان القومي الديمقراطي، نوفمبر- تشرين الثاني 1999).

اليوم، يستجيب "اليسار" عندنا إلى دعوة بشارة، يعيد مراجعة موقفه من الدين، ولكن بطريقة يمكن القول عنها إنها "مثيرة للشفقة" إلى حد بعيد. ودرءاً للاشتباه، أعني هنا تحديداً، موقف "الديمقراطيين" في البرلمان، المحسوبين تاريخياً على "اليسار"، من مسألة الأحوال الشخصية. فكتلة الديمقراطيين، وعلى لسان اثنين من أعضائها، ومنهم رئيسها عبدالهادي مرهون، أعلنت أنها: "سنستجيب لموقف العلماء (...) ونساند مطلبهم القاضي بتوفير ضمانات دستورية للقانون، أو إصدار مدونة تعتمد رأي المرجع الشيعي الأعلى".

إن المراجعة –نسميها مراجعة مجازاً- التي يقوم بها "اليسار"، كما تبدّت في هذا الموقف الهزيل، ليست لها علاقة بأية "تفهمية"، من أي نوع، للدين بوصفه قوة روحية تهيمن على متخيلات الجماهير في المجتمعات العربية الإسلامية؛ لأن المؤدي إلى ذلك، ليس الطريق الذي يمر من بوابة "الخبرة" في التعامل مع الفاعلين في الميدان، إنما من بوابة "الإبداع" النظري والسهر على صرْف بدهيّات المفاهيم وتحويلها. إذن، ماذا يمكن أن نسمي ذلك؟  سمها ذرائعية سياسية -لكيلا نقول انتهازية!- تتمازج فيها إرادة "الخضوع" أمام القوة الكاسحة التي يتحصل عليها التيار الديني في البحرين، وإرادة "الإدامة"؛ فلا بأس أن تضيع "الكليشيهة اليسارية" في الخطابات "المتخشبة" التي صدرت عن غير واحد باسم "الديمقراطيين"، بُعَيْد اللقاء الذي جمع كبار رجال الدين ونواب البرلمان "الشيعة"، نظير إدامة التمثيل، وتجديد اللعب، في فضاء انتخابي، غدا قاب قوسين أو أدنى. تماماً، كما ضاعت "الكليشيهة" نفسها، في الانتخابات الماضية؛ حين لم يترشح إلا واحد من بين 4 مترشحين، باسم برنامج المنبر الديمقراطي.

مراراً، أعاب "المنبر" على رفقائه "الألداء" في جمعية "وعد" بأن تحالفهم مع التيار السياسي الشيعي، ممثلاً في جمعية "الوفاق"، قد أضاع البوصلة من بين أيديهم، فصاروا أكثر تخففاً من حِمْل "الإيديولوجيا" (اليسارية القومية) –في "وعد" يُطلق على هذه العملية "تعويم الإيديولوجيا"!- التي ينبغي أن تكون، وفقاً للقالب المنبري، أكثر صرامة فيما يتعلق بالتعبير عن نفسها، ولو أدى ذلك إلى "زعل" الحلفاء؛ لكن مايحدث هذه المرة، هو العكس تماماً، أناسٌ صارمون جداً، وغير مستعدين لمجاملة أحدٍ، شريكاً كان أو خصماً، في مايتعلق بهواماتهم "اليسارية"، يدخلون "كرنفال" المزايدة على طاعة "الرمز الديني".

يوماً ما، قال الطاهر لبيب، وهو عالم سوسيولوجي تونسي: "إن السياسيين يعرفون قيمة الرمز الديني، وتِبعاً لذلك، هم يستثمرونه، بمهارة تفوق تلك التي تتوفر لدى المتدينين أنفسهم". إنه محق إلى حد بعيد!

فيما بين الروحي والزمني: الفكاك المستعصي

على ماهو بادٍ، يكاد التباس الديني بالسياسي يختزل الظاهرة الدينية اليوم. في البدء كان الدين، وكانت السياسة احتمالاً واحداً من بين احتمالات عديدة رَشَحَت عن إعمال التأويل على النص الديني. وَحَدَثَ أن تمّ تكثيف هذا الاحتمال، فكبُرَ وتضخم على الظاهرة الدينية نفسها. صار السياسيّ الدين نفسه، صار احتماله الوحيد لا الواحد، جوهرَه لا عَََرَضَه.

غدا الدين ساحة الحرب، أيديولوجيا الشهادة، جهاز الشريعة، السلطة، والصراع على السلطة. وفيما غدا كذلك، بارت طاقتُه الروحية، لم تعد الروحانية جوهرية في الدين، بأكثر مما هي السياسة.

عبثاً، تتضافر أصواتٌ اليوم، فاقت على إيقاع البشاعة المتأتية من خواتيم هذا الالتباس. وعبثاً، مرة أخرى، وجدت الحلّ في عودةٍ أثيرةٍ إلى دينٍ "أصيل". ما الدين الأصيل، إلا القوة قد استبدلت بقوة أخرى؟ إلا السلطة قد دالت وآذنت بقيام أخرى؟ وحسب"نيتشة"، فإن لشيء ما من المعاني بعدد القوى القادرة على الاستيلاء عليه. وتِبعاً لذلك، تتحول الظاهرة الدينية، تنصرف، تغدو أصيلة أو غير أصيلة، كلما طرأ تغيرٌ على علاقات القوى المتعاقبة عليها. فليس للدين معنى واحد، ولا أصل واحد، لأنه يخدم على التوالي قوى متعددة.

لقد قاومت المؤسسة الدينية في المشرق، الفصل بين الديني والزمني، وفلحت في تخريبِ عديدِ المحاولات التي سعت إلى عتْق الدين من السياسي، كما واستعادته من إكراه المؤسسة إلى حرية الفرد؛ وبدت لحظة إنجازها لهذا التخريب كما لو تخلصت من جملة مآزقها البنيوية المحدقة بها في الصميم. فانطلقت جراء ذلك، ماسُمِّيَت في أنحاء المشرق "تيارات الصحوة" التي لم تكن سوى انتصار لمشروعية "الوصْل" بين الديني والزمني على مشروعية "الفصْل".

وفي اللحظة التي سُجِّل فيها هذا الانتصار، وخُتِمَ به في الصدور وعلى الجباه، جرت في الأثناء، التهيئة لما سيُعرف بعد ذلك بالإرهاب. ما الإرهاب، إلا السياسي قد التبس بالدين، قد احتكره، هيمن عليه وعلى ثمار تأويله؟ إلا الدين قد غدا المشروعية الوحيدة لتفسير الإنسان والأشياء والعالم، ليس المشروعية وحدها، إنما الوحيدة؟

حتى الآن، ليس هناك مايؤشر على قرب ضمور هذه العلاقة. ويوماً بعد يوم، تثبت مشروعية "الوصْل" قدرتها على الانبعاث وعلى إدامة نفسها. وعلى ماكشفت عنه صناديقالاقتراع في العراق وفلسطين ومصر، ومايؤمل أن تكشف عنه في البحرين عما قريب، فإن أملاً بانحسار هذه المشروعية مايزال بعيداً. ترى، كم علينا أن نردد مع جيل كيبيل "إن اللاهوت هذه الأيام في أحسن أحواله"؟

أنّى له أن يعتذر؟

الفضالة: الطائفية والفئوية وراء الحملة علييعتذر؟ لا.. أنّى له ذلك، لمْ يتحوّل الاعتذارُ، بعدُ، إلى قيمة في الثقافة السياسية للعربي. يعترفْ؟ لا.. ففي بيئة نرجسية،  تغتني على المتعالي وعلى التمركز حول ذاتها، أنّى له أن يعثرَ إلى الاعتراف سبيلاً. ماذا يفعل إذن؟ يقاوم، ينافح، يذودُ، يفنّد، يغلّف، يسوِّغ، يحجبُ، يموّه، يحرفُ، يكابرُ، يستعدي، يستريب، يتسلح بخيال بَدَويّ جامحٍ، يغدو "الاعتذارُ" معه، رديف المساس بالعرض وهدراً للفحولة.

        يعتذر؟ لماذا عليه أن يعتذر؟ لماذا يخرق سائداً جرت العادة فيه على ألاّ أَجْرَ للمعتذر؟ يكاد الحقل السياسي العربي يكون الوحيد الذي مازال يَنظر إلى الاعتذار بوصفه أجنبياً عنه. وحتى الآن، مانزال فقراء إلى مثال واحدٍ ينشط ذاكرتنا بأن سياسياً قد اعتذَر أو تنازل طوعاً، لاغَلَبَة. وهاهو ذا سياسيٌّ محترم يعيد إنتاج هذه القاعدة، فلايكاد يشذ عنها مليمتراً واحداً.

يعتذر؟ عن ماذا؟ ملكية فكرية عَنّ لقلمه أن يهتكها، غير مرة، وبسابق إصرار سماها  "إشاعة مغرضة يحاول البعض ترويجها بين الناس من أجل اللعبة الانتخابية"، أم  تبريرية ذرائعية اطمأن إلى أنها ملاذه ضداً على "طائفية أو فئوية وراء سبب الحملة علي".  يعتذر؟ عن أي جرمٍ يعتذر؟ سرقة أدبية لم تنفكْ طريّةً، تحلّي الفضاء الإنترنتي، في الوقت الذي تتضاءل عنده إلى "اقتباس بعض الفقرات والعبارات من إحدى مقابلات عمرو خالد"، أم شجاعة أخلاقية، لم يُصب منها شيئاً، حين اختزل الأمر في "خلافات شخصية بيني وبين شخص في المحرق".

يعتذر؟ ربما كان ذلك أفضل مايمكن أن يرد به سياسيٌّ في وزن رجل دين مثله. وربما كان سيوفر ذلك عليه عِظات "حسدة، غوغاء" من أمثالي، وهو الذي تعود على أن يعظ لا أن يوُعَظ. أما أن فلاناً قد ترصده أو تقصد إيذائه أو تطوّع للتشهير به؛ فتلك أمور لاتغني عن الملامة شيئاً. دع عنك تلك المحاججة السمجة من أن هناك فرقاً بين "كتابة البحث، وكتابة المقال"، دع عنك أيضاً فتواه "بأن الإصلاح لايأتي بهذه الصورة"، لأن ماهو متوفرٌ تحت  العين أوضحُ من شمس في رابعة نهار يومٍ أغسطسيّ لاهب.

يعتذر؟ نعم، لم لايعتذر؟ ذلك أدعى من سكّ الحجج الرهيفة الباحثة عن "عفريت"، هنا أو هناك، وراء كل إخفاق ذاتي. وبالطبع، هو أدعى، من  الاطمئنان إلى مؤامراتٍ تعفي من الخطأ. وأي خطأ في أن يعتذر؟
 
* فيمايلي لقاء صحيفة "الوقت" مع الشيخ ناصر الفضالة:

ناصر الفضالة : لست لصا وما فعلته اقتباس جائز

 

أجرى الحوار - أحمد العرادي:

لم يكن يعتقد الشيخ ناصر الفضالة يوما بأن صورته ستنشر على صفحات الانترنت ليتهم بالسرقة الأدبية.

فالموقع الكويتي  "نادي لصوص الكلمة" تطوع بعرض صورة الشيخ الفضالة في موقعه لا مديحا ولا إكراما له، وإنما ليتهمه بسرقة مقالات الآخرين ونسبها إلى نفسه. وهذا ما أثار زوبعة متباينة سواء من أصدقاء الفضالة ومعارفه أو في الوسط الصحافي ... بل يبدو أن الأمر قد تجاوز هذين المجالين ليتم استعراض صورة ومقالات الفضالة على كثير من المنتديات البحرينية.

على الهاتف من "الوقت"  اتصلت بالفضالة، لتسأله:

* هل صحيح ما يتم تناقله حاليا حول أنك سرقت عدد من المقالات ونسبتها إلى نفسك؟

- أنت تتحدث عن الإشاعة التي يحاول البعض ترويجها بين الناس من أجل اللعبة الانتخابية... شخصيا كنت أتوقع مثل هذه الأمور في هذا الوقت بالذات على الرغم من أن  هذه الطرق الدنيئة جديدة على منطقتنا.

* هل أفهم من ذلك أنك تنكر ما نسب إليك من سرقة؟

- ما يحدث شيء من التزوير ولا يحتمل الموضوع الأخذ والرد... فالموقع الذي نشر أنني سارق للمقالات، موقع شخصي ... وقد تطوع البعض في البحرين لترويج هذه الإشاعة المغرضة، والأصل في كل هذه المسألة أنني اقتبست من إحدى مقابلات عمرو خالد بعض الفقرات والأدبيات التي أعجبتني، ليس أكثر.

* بين يدي عدد من المقالات التي نشرتها، كلها تحوي فقرات طويلة جدا "مقتبسة" كما تقول، بل إن هناك خطبة كاملة منقولة من كتاب.. فكيف تعلل ذلك؟

- ما أعرفه أن الموقع الالكتروني الذي اتهمني بالسرقة يحوي ثلاثة مقالات فقط.

* هل ترغب أن أقرأ لك المقالات التي نشرتها ومقالات الغير المنشورة مسبقا كمقال للشيخ يوسف القرضاوي والشيخ ناصر الأحمد وأحمد الخميسي و...؟

- (مقاطعاً) عموماً ، لم أطلع على تطورات الموضوع ، فأنت صحافي وتعلم أن كتابة المقالات تختلف عن البحوث والكتب، ففي البحوث هناك مساحة للكاتب لتوثيق المصادر المقتبسة التي تعجبه، لكن في المقالات لا توجد مثل هذه المساحة. وتعلم جيدا أنني كنت قادرا على الدخول بالموضوع والرد عليه من الباب الصحافي لمواجهة من يريد الإساءة إليّ شخصيا والذي تم طرده من أكثر من موقع ومنزل في مدينة المحرق بسبب تصرفاته. لكنني تربيت في منزل فاضل أترفع عن مثل هذه الأمور.

* ما مصلحة الموقع الكويتي في أن ينشر المقالات ويشهّر بك؟

- هناك خلافات شخصية بيني وبين شخص في المحرق، لذا أنا لا أريد النزول لهذا المستوى من المهاترات، كما أنك بمجرد الرجوع إلى هذا الموقع ستجد أسماء كثيرة قد دست فيه وهذه الأسماء ليست بحاجة للسرقة وما دس الأسماء إلا لأسباب قد تكون طائفية أو فئوية أو غير ذلك.

* هل تعتقد أنك على حق وأنك قد وقعت ضحية للإشاعات؟

- لقد اختصرت تفاصيل الموضوع، ولا أحب الانجرار إلى المهاترات لأغراض انتخابية كما يفعل الآخرون، وقد جاءتني اتصالات تأييد عديدة فأنا واثق من نفسي والناس مستويات في الفكر والممارسة.

* هل تحب أن تضيف شيئا؟

- إذا رغبت في نشر الموضوع تناوله باقتضاب ولا تجعله رداً مني على الاتهامات... فالحرب قذرة وأنا لست من المولعين بمثل هذه الحروب، ومن المهم أن تتذكر بأننا كمجتمع مسلم لسنا مجتمع فضائح، ولو كنت أرغب لنشرت حقائق حول سرقات مادية وعينية من هذا الشخص الذي يروج الإشاعات، لكنني مؤمن بقضية الإصلاح ولا يأتي الإصلاح بهذه الصورة.

 
* لمزيد من المعلومات عن الموضوع، يرجى الضغط علي الوصلة التالية:
 

 



<<الصفحة الرئيسية
لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com