انقطعت حوالي الشهر عن الاهتمام بالمدونة، وليست لديّ أسباب وجيهة أسوقها هنا، سوى باقة من الاعتذارات، والمزيد من الاعتذارات، أقدمها لكل من مرّ من هنا من الأصدقاء والصديقات وترك أثراً وراءه. أستثني واحداً من كل هؤلاء، وهو مارون، الذي أخصه دون غيره بباقة من اللعنات، بعد أن جرّ عليّ من الكوارث ما يعادل منسوب تلك التي تهطل عليّ غضون شهر. فمارون زوجني يابانية، وهو ما فتّح شهيّة الصديقة ابنة بطوطة لكي تبحث عن زواج من أي نوع، ياباني، أميركي، ألماني، أي شيء أي شيء. ولأنني من رافضي الزواج المتعدد، وبدرجة أقلّ ابن عمه المهجّن؛ لذا فسأكتفي بلعن مارون على استثارته لهذه النعرة، في أوساط البريطانيات خصوصاً. فابنة بطوطة بريطانية، وهي تتقن العربية أكثر مني ومن أمي، وبريطانيا كما لايخفى صاحبة إرث امبراطوري وقومية وتاريخ عريق، ولست أضمن كثيراً، في حال استشراء النعرة هذه، ألا يؤثر كل ذلك على سياسة بريطانيا الخارجية، خصوصاً مع خطورة بوار البضائع المحلية ورواج أختها المستوردة!.
إلى هنا وأكتفي بالتنبيه إلى الخطر الذي استجرّه مارون عليّ وعلى بريطانيا بمزحته، وأنهي بدعوة الأصدقاء والصديقات لعدم تصديق ما يكتبه؛ حتى ولو جاء مدعماً بالصور.
وأبقى مع ابنة بطوطة، التي كنت بصحبتها رفقة بعض الأصدقاء والصديقات قبل يومين على وجبة غداء مع علاء الأسواني صاحب رواية "عمارة يعقوبيان". الوجبة كانت في مطعم أوليفيتو، وهو مطعم إيطالي يقع في العدلية أدخله لأوّل مرة. ابنة بطوطة استشكلت بدايةً على خبر وقعت عليه عينها في "صحيفة الأيام"، فحواه الحكم بإدانه ثلاث فتيات كويتيات قمن باغتصاب رجل كويتي. قالت "استشكالي تقني لا أكثر ولا أقل". أما أنا، فقد حاولت تقديم تفسير للحدث متوسلاً بكل ما أتوفر عليه من قاموس في الرمز والرمزية.
لم نفلح في حل المعضل، إلى أن دخل علاء الأسواني، الذي لحقنا متأخراً قليلاً إلى المطعم. لم نتوقف كثيراً عند الحدث، لكنه فتحنا على إشكال أكثر استعصاء، وهو العلاقات المثلية التي أشار إليها في روايته. سألته عما إذا كان قادراً على تثمير نظرة تفهمية إلى شخصية الإنسان المثلي مختلفة عن تلك الرائجة في المجتمع؟. "شخصياً، أحب جميع شخوص رواياتي"، قال.. وأضاف "نعم أتفهم سلوك الإنسان المثلي لكنني لا أعده بطلاً قومياً". ذلك كان رأيه، وأكتفي بهذا الحدّ لكيلا أحرق حواري معه. الزميلة تمام أبو صافي كانت تشير إلي بيديها من بعيد بأنها ستذبحني، فهي قد أجرت حواراً مع علاء قبلي، وهي فهمت من أسئلتي –التي كانت في مجملها عن المثليين!- بأنها أسئلة حوار صحافي، رغم أن الدردشة كانت دردشة غداء لا أكثر ولا أقل. وأنا وإن كنت لا أنفي ذلك، إلا أنني اتفقت معها على أن تنزل حوارها قبلي، ثم أنزله أنا على هيئة تقرير. وهي وافقت على ذلك وأنا ملتزم ببرّ وعدي لها.
مثيرٌ الحديث مع علاء الأسواني، لكن الحديث مع خولة مطر التي جاءت من لبنان مطلع هذا الأسبوع مثيرٌ أكثر. فهذه المرأة البحرينية التي أحببناها، كما لم نحب أحداً مثلها من قبل، لا تنفك وتبتكر الأثير الخلاّب في شخصيتها.
أتت خولة من أفق الاستعصاء في لبنان، الذي لا يشبهه إلا أفق الاستعصاء هنا في البحرين. فالاستقطاب الطائفي الذي يسم طبيعة الاجتماع اللبناني، وبحبة أسبرين زائدة هذه الأيام، هو مثله ذاك الذي يسم طبيعة الاجتماع البحريني، وقت غادرتنا قبل ثلاثة أشهر. زائدٌ عليه ربما، أن التركيبة الإثنية والطائفية المعقدة هناك، هي غيرها هنا، وهو ما يستوجب على قومنا "من الطائفتين الكريمتين!" أن يستحوا على وجوههم ويسارعوا إلى كبح شياطينهم التي في دواخلهم، لأنهم بصراحة "قرّفونا".
خولة هربت من لبنان لأنها، كما قالت، لم تعد تقوى على التنفس، مع استشراس شياطين الطوائف هناك، وأنا أقول لها، أن البحرين ليست المكان الصحيح للهروب. أختك مثلك!. وخولة تعرف ذلك ما من شك، بحسها الإنساني الرهيف وتكوينها اليساريّ الأشدّ مبدئية، وربما ذلك ما يدعوها إلى طرح حلول جذرية. لن أتحدث عن حلول خولة، وأكتفي بالهمس في أذنها بأن لقاءنا بها، أنا ومارون "اللعين"، كان هو الأقرب إلى النفس طيلة هذا الشهر. إلى أن نلتقيها مرة ثانية، فهذه لعناتي على رأس مارون مرة ثانيةً باقية ما بقيت الأرض وظلت السماء مرفوعة. وهنيئاً مريئاً.











28 ديسمبر, 2006 04:19 م