

فيما يصدر مرسوم ملكي بتعيين الشيخ ضياء الموسوي عضواً في مجلس شورى "البصامين"، يكون قد مر على صديقه وزميل دراسته طبيب الأسنان "الشاعر" محمد سعيد أربعة أسابيع في السجن. الأول نال الثقة الملكية من جراء مداومته على تأدية طقوس "الولاء والطاعة"، والثاني لم ينلها لأن عصابة من القراصنة والمرتزقة الأجانب ضبطته فيما كان يهمّ بطباعة "منشورات تهدف إلى زعزعة نظام الحكم" حسب لائحة الدعوى. وبذلك، تكون القاعدة واضحة: "الولاء" يُذهب إلى مؤسسة الشورى الواقعة في شرق العاصمة البحرينية (المنامة)، و"طباعة المنشورات" تذهب إلى مؤسسة قريبة منها (تبعد حوالي الكيلومتر)، إنما تحت مسمى آخر: الإصلاحيّة. وإذا كانت المسافة الواقعة بين المؤسستين قريبة، قريبة جداً، فإنها على مستوى القناعات بعيدة مثل صحراء، بين الصديقين القديمين، منذ أيام الدراسة، شيخ الدين "الموديرن" وطبيب الأسنان "الشاعر".
***
حين عاد رجل الدين، كان اللقاء حافلاً. مرحباً بمارتن لوثر "الإسلامي" الذي يقود ثورة التغيير ضداً على رياح التعصب والانغلاق والتطرفية. إلا أن اللقاء، والصحيح الالتقاء، لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما حدث الاشتباك. كتب فيما أتذكر، نحو سبع مقالات، في صحيفة "الأيام" ضداً على شلة الشبيبة "الحداثيين" الذين "يفتون في الدين من غير ما تخصص". وكتبت أنا –وأعوذ بالله دوماً من شر هذه الأنا، خصوصاً ونحن في مقام الحديث عن رجل دين!- كما كتب علي الديري أيضاً، ردوداً على ما كتبه في الصحيفة نفسها، وتطور الأمر إلى مناظرة بينه وبين الديري التأمت في جمعية "الوفاق" ضمن برنامجهم الثقافي الأسبوعي. فَتَرَت العلاقة قليلاً من الوقت؛ لكنها سرعان ما عادت إلى سابق عهدها، مع شيء من البرود لم يكن أي من الطرفين قادراً على التنازل عنه.
والمهم الذي أريد أن أخلص إليه من كل هذا، هو أن شيخ الدين الذي كان متهيباً من "تفكيكية" جاك ديريدا عليّ، والذي خاض حرباً ضافرية في الصحافة ضدّ الشبيبة "الأركونيين"، هو نفسه من غدا يتحدث اليوم عن ضرورات "الشك الديكارتي" لدى الشباب المتدين وفائدة "العلوم الإنسانية". كما يبدو أيضاً، أن شيخ الدين الذي كان ينطبق عليه ما ينطبق على جميع فصائل المعارضة الوطنية التي بغتتها ردة الشيخ حمد على ميثاقه، نسى كل ذلك، فأصبح يقدم نفسه بوصفه رائي الرؤيا، وليس مجرد سياسي "صغير" به مابغيره من السياسيين من وهن وسوء تقدير، زائداً على كل ذلك ضعفه الشديد الذي حتى الآن لم يثبت عكسه، أمام إغراء المناصب وهيلمان السلطة.
***
وفي أثناء لقاء شخصي لم يكن خالياً من مداولات حول المأزق الذي وضع الشيخ حمد الجميع فيه، التقط شيخ الدين "الموديرن" خيط الحديث، وبادر بالقول: أعتقد أن الحكم خدعنا. أما أحدنا، وكان هذا شخصية وطنية معروفة لستُ في حلٍّ من ذكر اسمها، فاكتفى بالتعليق عليه: صحّ النوم يا سيد!. كان ذلك، قبل جريان ماء السلطة بارداً من تحت رجليه وعلى قلبه. الآن ليس بوسع الموسوي أن يقول شيئاً من هذا، فهذا كلام كبير، كبير جداً، وداخلٌ فيما يحلو له تسميته باستمرار "عنتريات سياسية ما قتلت ذبابة"؛ بل ليس بوسعه أن يكتب حتى حرفاً، وهو كاتب العمود اليومي في كل ما هبّ ودب، في حق صديقه القديم، القديم جداً، طبيب الأسنان "الشاعر" الذي ورغم ما عنده من اختلاف سياسي معه، إلا أن ذلك لم يمنعه من توجيه اللوم لي قبل حوالي الأسبوعين من اعتقاله، لأنني كتبت نقداً في حق صديقه، رجل الدين والمعمم والوسيم والمفكر والصحافي. سامحك الله يامحمد سعيد، يا صديقي، والحرية لك دوماً.













09 ديسمبر, 2006 11:48 م