مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

ضد حكم الإعدام

 
... لسببين، الأول: لأن الإعدام، هو العقوبة الأكثر جاهلية. والأكثر بدائية. والأكثر حيوانية. والأكثر غرائزية. والأكثر مَجْلَبة للثارات، ولثارات الثارات. والثاني: لأن آخر ما تحتاجه مجتمعاتٌ، ظلت على الدوام، هي الأكثر جاهلية. والأكثر بدائية. والأكثر حيوانية. والأكثر غرائزية. والأكثر استجابة لمنطق الثارات، ولثارات الثارات، هو شيء مثل هذا. شيء مثل أعواد المشانق وساحات القصْل. ضد حكم الإعدام، ضد حكم الإعدام.. ضد.. ضد.. ضد، ولا شيء بعد!.

لاتصدقوا مارون.. صدقوني!

 

انقطعت حوالي الشهر عن الاهتمام بالمدونة، وليست لديّ أسباب وجيهة أسوقها هنا، سوى باقة من الاعتذارات، والمزيد من الاعتذارات، أقدمها لكل من مرّ من هنا من الأصدقاء والصديقات وترك أثراً وراءه. أستثني واحداً من كل هؤلاء، وهو مارون، الذي أخصه دون غيره بباقة من اللعنات، بعد أن جرّ عليّ من الكوارث ما يعادل منسوب تلك التي تهطل عليّ غضون شهر. فمارون زوجني يابانية، وهو ما فتّح شهيّة الصديقة ابنة بطوطة لكي تبحث عن زواج من أي نوع، ياباني، أميركي، ألماني، أي شيء أي شيء. ولأنني من رافضي الزواج المتعدد، وبدرجة أقلّ ابن عمه المهجّن؛ لذا فسأكتفي بلعن مارون على استثارته لهذه النعرة، في أوساط البريطانيات خصوصاً. فابنة بطوطة بريطانية، وهي تتقن العربية أكثر مني ومن أمي، وبريطانيا كما لايخفى صاحبة إرث امبراطوري وقومية وتاريخ عريق، ولست أضمن كثيراً، في حال استشراء النعرة هذه، ألا يؤثر كل ذلك على سياسة بريطانيا الخارجية، خصوصاً مع خطورة بوار البضائع المحلية ورواج أختها المستوردة!.
إلى هنا وأكتفي بالتنبيه إلى الخطر الذي استجرّه مارون عليّ وعلى بريطانيا بمزحته، وأنهي بدعوة الأصدقاء والصديقات لعدم تصديق ما يكتبه؛ حتى ولو جاء مدعماً بالصور.
وأبقى مع ابنة بطوطة، التي كنت بصحبتها رفقة بعض الأصدقاء والصديقات قبل يومين على وجبة غداء مع علاء الأسواني صاحب رواية "عمارة يعقوبيان". الوجبة كانت في مطعم أوليفيتو، وهو مطعم إيطالي يقع في العدلية أدخله لأوّل مرة. ابنة بطوطة استشكلت بدايةً على خبر وقعت عليه عينها في "صحيفة الأيام"، فحواه الحكم بإدانه ثلاث فتيات كويتيات قمن باغتصاب رجل كويتي. قالت "استشكالي تقني لا أكثر ولا أقل". أما أنا، فقد حاولت تقديم تفسير للحدث متوسلاً بكل ما أتوفر عليه من قاموس في الرمز والرمزية.
لم نفلح في حل المعضل، إلى أن دخل علاء الأسواني، الذي لحقنا متأخراً قليلاً إلى المطعم. لم نتوقف كثيراً عند الحدث، لكنه فتحنا على إشكال أكثر استعصاء، وهو العلاقات المثلية التي أشار إليها في روايته. سألته عما إذا كان قادراً على تثمير نظرة تفهمية إلى شخصية الإنسان المثلي مختلفة عن تلك الرائجة في المجتمع؟. "شخصياً، أحب جميع شخوص رواياتي"، قال.. وأضاف "نعم أتفهم سلوك الإنسان المثلي لكنني لا أعده بطلاً قومياً". ذلك كان رأيه، وأكتفي بهذا الحدّ لكيلا أحرق حواري معه. الزميلة تمام أبو صافي كانت تشير إلي بيديها من بعيد بأنها ستذبحني، فهي قد أجرت حواراً مع علاء قبلي، وهي فهمت من أسئلتي –التي كانت في مجملها عن المثليين!- بأنها أسئلة حوار صحافي، رغم أن الدردشة كانت دردشة غداء لا أكثر ولا أقل. وأنا وإن كنت لا أنفي ذلك، إلا أنني اتفقت معها على أن تنزل حوارها قبلي، ثم أنزله أنا على هيئة تقرير. وهي وافقت على ذلك وأنا ملتزم ببرّ وعدي لها.  
مثيرٌ الحديث مع علاء الأسواني، لكن الحديث مع خولة مطر التي جاءت من لبنان مطلع هذا الأسبوع مثيرٌ أكثر. فهذه المرأة البحرينية التي أحببناها، كما لم نحب أحداً مثلها من قبل، لا تنفك وتبتكر الأثير الخلاّب في شخصيتها.
أتت خولة من أفق الاستعصاء في لبنان، الذي لا يشبهه إلا أفق الاستعصاء هنا في البحرين. فالاستقطاب الطائفي الذي يسم طبيعة الاجتماع اللبناني، وبحبة أسبرين زائدة هذه الأيام، هو مثله ذاك الذي يسم طبيعة الاجتماع البحريني، وقت غادرتنا قبل ثلاثة أشهر. زائدٌ عليه ربما، أن التركيبة الإثنية والطائفية المعقدة هناك، هي غيرها هنا، وهو ما يستوجب على قومنا "من الطائفتين الكريمتين!" أن يستحوا على وجوههم ويسارعوا إلى كبح شياطينهم التي في دواخلهم، لأنهم بصراحة "قرّفونا".
خولة هربت من لبنان لأنها، كما قالت، لم تعد تقوى على التنفس، مع استشراس شياطين الطوائف هناك، وأنا أقول لها، أن البحرين ليست المكان الصحيح للهروب. أختك مثلك!. وخولة تعرف ذلك ما من شك، بحسها الإنساني الرهيف وتكوينها اليساريّ الأشدّ مبدئية، وربما ذلك ما يدعوها إلى طرح حلول جذرية. لن أتحدث عن حلول خولة، وأكتفي بالهمس في أذنها بأن لقاءنا بها، أنا ومارون "اللعين"، كان هو الأقرب إلى النفس طيلة هذا الشهر. إلى أن نلتقيها مرة ثانية، فهذه لعناتي على رأس مارون مرة ثانيةً باقية ما بقيت الأرض وظلت السماء مرفوعة. وهنيئاً مريئاً.

 

علاء الأسواني من الوسط

وداعاً أبا جميل

 قبل ساعات قليلة من اعتقاله، أدار الفاكس رقم 009478855215، وبعث بالرسالة التالية إلى ابنه في لندن:

"أنا والعائلة نعيش الحصار داخل البيت وقد طوقنا بعشرات الجنود وعدد من السيارات، بل حوصر جيراننا في بيوتهم وهم الذين بجانبنا وخلفنا حتى المغتسل، وشرقا حتى بيت طه جاسم، ويمتد غرباً إلى بيت ميرزا آدم، ولم يسمح لأحد منا بالخروج إلا الأطفال إلى المدرسة ويفتشون في خروجهم ودخولهم تفتيشا دقيقا. نحن في حال سئ جدا ً. لا أدري ما سيجري بالنسبة إلينا وللشعب من تطور وتصعيد للعنف... هذا وإذاعتهم وتلفزيونهم وصحفهم تتكلم ضدنا وتربط الأحداث (احداث العنف) التي استدرجوا الناس إليها بنا وبالمساجد وتزعم أننا استغلينا المساجد. الآن يحاولون إسكات الأمة من خلال اعتقال عدد من العلماء وجميع الشيالين (خطباء المواكب الحسينية) وأعداد كبيرة من الشباب... ولم يبق إلا الأمل فـي الله والرجاء منه. ولعلمكم، من جانبنا لا تراجع عن مطالب الشعب ونحن – إن شاء الله - على الدرب سائرون... مع السلامة"*.

عبرت هذه الرسالة التي كتبها الشيخ عبدالأمير الجمري يوم 21 يناير/ كانون الثاني 1996، عما آل إليه "اتفاق تسكين الأوضاع" الذي جرى بين القيادات الشيعية المسجونة والقيادة الأمنية، ممثلة في  مدير الأمن العام وقتذاك إيان هندرسون.

فبعد أربعة أشهر من إعلان "ضبط الأعصاب" (حسبما جاء نصاً في توصيف لعبدالوهاب حسين) الذي أُعلن عنه في أغسطس/ آب 1995، وتنشطت جراءه أحلام الكثيرين بإمكانية التوصل إلى "مفاهمة" تنهي عاماًً من العنف المتبادل بين الشرطة والمتظاهرين، عاد شبح الخوف يستولي على الناس في الأرخبيل الصغير المتناثر وسط الخليج.
وابتداءً من أكتوبر/ تشرين الأول 1995 (أي بعد شهرين مما عرف بالمبادرة) أخذت تبرز ملامح "الانسداد" في اتفاق التهدئة الهشة. وأدى تصاعد التراشق بين الحكم والمعارضة، إلى قيام سبعة من القياديين الشيعة بتنفيذ "اعتصام إضراب عن الطعام" اعتبرته السلطة بمثابة "المسدس السياسي المشهور على رأسها" حسبما صرح مسئول كبير في البلد.

 

*  من رسالة بعثها الشيخ عبدالأمير الجمري أبو جميل – رحمه الله- بالفاكس إلى ابنه منصور في لندن يوم 21 يناير/ كانون الثاني 1996 قبل ساعات قليلة من اعتقاله. والنص مأخوذ عن ملف "التسعينات.. العقد المر" المنشور في صحيفة "الوقت"، في الأعداد من 1 إلى 14، العام 2005، وهو من إعداد غسان الشهابي وحسين خلف وفاضل عنان وحسين مرهون.

 

ذاكرة ليست للنسيان

قال لي يوماً إنه سيذهب إلى أوروبا، أوروبا الاشتراكية في الغالب، ليتابع دراسته. وكان الخبر مفرحاً.

ثم جاءني يوماً مودعاً.

إلى أين؟ أللدراسة؟ قال: نعم، لكني سأزور البحرين زورةً قصيرة، أرى فيها الأهل والأصدقاء، وبعدها أذهب إلى حيث أستكمل الدراسة. وكان حدثني عن صحيفةٍ هناك كتب فيها.

سألته إن كان مطمئناً إلى رحلته. قال إنه لن يطيل المكْث في البحرين: هكذا كان الوداع.

سعيد العويناتي أطال المكث في وطنه.

سعيد العويناتي قتل في 12/12/1976.

سعيد العويناتي هُشّم رأسه تعذيباً.

 

* من مقدمة الشاعر العراقي سعدي يوسف للطبعة الثانية من ديوان الشهيد سعيد العويناتي "إليك أيها الوطن.. إليك أيتها الحبيبة" الذي تصادف ذكرى استشهاده هذه الأيام.

- قم بتحميل المقدمة كاملة من هذا الرابط.

- للمزيد زر مدونة عبدالهادي خلف.
- لزيادة الخير اقرأ هذا الخبر في في صحيفة "الوقت".

أول المكابدات

 

        مُطرقٌ

        كأنكَ الندَم!

 

            * ابن أختي هاشم ضياء العلوي، ساحل السِيف، 2004.

السيد لم يصحّ النوم

 

فيما يصدر مرسوم ملكي بتعيين الشيخ ضياء الموسوي عضواً في مجلس شورى "البصامين"، يكون قد مر على صديقه وزميل دراسته طبيب الأسنان "الشاعر" محمد سعيد أربعة أسابيع في السجن. الأول نال الثقة الملكية من جراء مداومته على تأدية طقوس "الولاء والطاعة"، والثاني لم ينلها لأن عصابة من القراصنة والمرتزقة الأجانب ضبطته فيما كان يهمّ بطباعة "منشورات تهدف إلى زعزعة نظام الحكم" حسب لائحة الدعوى. وبذلك، تكون القاعدة واضحة: "الولاء" يُذهب إلى مؤسسة الشورى الواقعة في شرق العاصمة البحرينية (المنامة)، و"طباعة المنشورات" تذهب إلى مؤسسة  قريبة منها (تبعد حوالي الكيلومتر)، إنما تحت مسمى آخر: الإصلاحيّة. وإذا كانت المسافة الواقعة بين المؤسستين قريبة، قريبة جداً، فإنها على مستوى القناعات بعيدة مثل صحراء، بين الصديقين القديمين، منذ أيام الدراسة، شيخ الدين "الموديرن" وطبيب الأسنان "الشاعر".

 

***

ومثل طبيب الأسنان، فإن رجل الدين "الموديرن" والمعمم الوسيم والمفكر (على ذمة فضائية العربية!) والصحافي (وهذه من عندي!) هو صديقي أيضاً. وتمتد صداقتي معه إلى أواخر التسعينات فترة إقامته في المنفى، في إيران، أي إلى ما قبل تفضل الشيخ حمد عليه والسماح له بالعودة إلى البحرين وبدء سلسلة الانقلابات "العتية". يومها كنت في بدايات محنتي الشخصية مع الأشياء من حولي، وكان هو، بقدر إبدائه قدراً كبيراً من المرونة حيال المواضيع الأكثر استعصاء في حياتنا، بقدر ما كان يخاف عليّ من شيء يُدعى "جاك ديريدا" و"تفكيكية".
 لكن وبرغم غريزة الخوفيات هذه التي يمكن تفهمها، كونها جزءاً أصيلاً من شخصية أي شيخ دين، فإن علاقتي توطدت معه أكثر - رحم الله زمان ICQ -، فكنت من جهتي أرى فيه شيخ دين منفتحاً، وكان يرى من جهته فيّ شاباً مراهقاً مثقفاً "يُعوّلُ عليه" –أعوذ بالله!-. والتعويل عليّ امتدّ إلى تحميلي مسؤولية ابتياع الإصدارات الحديثة من الكتب النازلة إلى الأسواق أو، تلك الكتب التي تتم مصادرتها من معرض طهران لسبب أو لآخر، وابتعاثها إليه عبر أهله الذين يعودونه بشكل دوري.

حين عاد رجل الدين، كان اللقاء حافلاً. مرحباً بمارتن لوثر "الإسلامي" الذي يقود ثورة التغيير ضداً على رياح التعصب والانغلاق والتطرفية. إلا أن اللقاء، والصحيح الالتقاء، لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما حدث الاشتباك. كتب فيما أتذكر، نحو سبع مقالات، في صحيفة "الأيام" ضداً على شلة الشبيبة "الحداثيين" الذين "يفتون في الدين من غير ما تخصص". وكتبت أنا –وأعوذ بالله دوماً من شر هذه الأنا، خصوصاً ونحن في مقام الحديث عن رجل دين!- كما كتب علي الديري أيضاً، ردوداً على ما كتبه في الصحيفة نفسها، وتطور الأمر إلى مناظرة بينه وبين الديري التأمت في جمعية "الوفاق" ضمن برنامجهم الثقافي الأسبوعي. فَتَرَت العلاقة قليلاً من الوقت؛ لكنها سرعان ما عادت إلى سابق عهدها، مع شيء من البرود لم يكن أي من الطرفين قادراً على التنازل عنه.

حين جاءت انتخابات 2002 لم يكن الشيخ الوسيم قد دشن أعتى انقلاباته بعد، وكان لما يزل ساعتها كاتب رأي مغموماً بالكتابة عن آلام الفقراء والفساد الوزاري المستشري في وزارات الدولة. وهنا أسجل شيئاً لايقوله الموسوي عادة، فلدى سؤالي إياه في إحدى المكالمات الهاتفية معه، عما إذا كان يرى المقاطعة أو المشاركة في الانتخابات، ردّ عليّ السؤال بمثله، وبدا عليه من التردد الشيء الكثير. أقول الشيء هذا؛ حتى أعيده إلى شيء من الحيرة الذي ضرب على عقل الجميع، غداة انقلاب نظام الحكم على وعوده، أي ليس كما يقول الآن بشأن أنه جاهر بالمشاركة واصطبر على رشق الحجارة، في وقت كان الجميع يقول العكس.

والمهم الذي أريد أن أخلص إليه من كل هذا، هو أن شيخ الدين الذي كان متهيباً من "تفكيكية" جاك ديريدا عليّ، والذي خاض حرباً ضافرية في الصحافة ضدّ الشبيبة "الأركونيين"، هو نفسه من غدا يتحدث اليوم عن ضرورات "الشك الديكارتي" لدى الشباب المتدين وفائدة "العلوم الإنسانية". كما يبدو أيضاً، أن شيخ الدين الذي كان ينطبق عليه ما ينطبق على جميع فصائل المعارضة الوطنية التي بغتتها ردة الشيخ حمد على ميثاقه، نسى كل ذلك، فأصبح يقدم نفسه بوصفه رائي الرؤيا، وليس مجرد سياسي "صغير" به مابغيره من السياسيين من وهن وسوء تقدير، زائداً على كل ذلك ضعفه الشديد الذي حتى الآن لم يثبت عكسه، أمام إغراء المناصب وهيلمان السلطة.

 

***

وفي أثناء لقاء شخصي لم يكن خالياً من مداولات حول المأزق الذي وضع الشيخ حمد الجميع فيه، التقط شيخ الدين "الموديرن" خيط الحديث، وبادر بالقول: أعتقد أن الحكم خدعنا. أما أحدنا، وكان هذا شخصية وطنية معروفة لستُ في حلٍّ من ذكر اسمها، فاكتفى بالتعليق عليه: صحّ النوم يا سيد!.  كان ذلك، قبل جريان ماء السلطة بارداً من تحت رجليه وعلى قلبه. الآن ليس بوسع الموسوي أن يقول شيئاً من هذا، فهذا كلام كبير، كبير جداً، وداخلٌ فيما يحلو له تسميته باستمرار "عنتريات سياسية ما قتلت ذبابة"؛ بل ليس بوسعه أن يكتب حتى حرفاً، وهو كاتب العمود اليومي في كل ما هبّ ودب، في حق صديقه القديم، القديم جداً، طبيب الأسنان "الشاعر" الذي ورغم ما عنده من اختلاف سياسي معه، إلا أن ذلك لم يمنعه من توجيه اللوم لي قبل حوالي الأسبوعين من اعتقاله، لأنني كتبت نقداً في حق صديقه، رجل الدين والمعمم والوسيم والمفكر والصحافي. سامحك الله يامحمد سعيد، يا صديقي، والحرية لك دوماً.

أقليات ثقافية

إحدى "الكليشيهات" المرشحة للتصاعد، وبقوّة، في الأيام المقبلة، هي تلك "الكليشيهة" القائلة: إن مزاج البحرينيين إسلامي. وهي بالمناسبة ليست "كليشيهة" طارئة؛ إذ سبق وأن جرت على غير لسان ومن غير جهة طيلة الأعوام العشرة الماضية، لكنها الآن غدت مدعمة بالأرقام، وبما يكفي من إجماع "شعبوي". حسناً، للذاهبين في هذا الاتجاه، نقول، معكم الحق، هنالك مزاج إسلامي، لكن أيضاً، هنالك مزاج آخر، ليس داخلاً ضمن التصنيف "الكليشيهوي"، وعليكم أن تحموه. أن تحموا آخركم، بكل ما فيه من آخرية ومشروعية ثقافية لاتستند إلى المزاج الإسلامي الذي حزتم عليه نصيب "الأكثرية"، هو التحدي الأكبر لديمقراطية "أكثريتكم".

***

مشروعٌ بعد أن بلغت بنا الأحوال المبلغ هذا، تفعيل مصطلح "الأقلية"، بدلاً عن مصطلح آخر، هو "الأغلبية الصامتة". والأخير مصطلح وهمي ظلّ يقتات عليه من لا حول لهم أو قوة. مشروعة، عملية إعادة الاعتبار إلى شريحة اجتماعية مورست ضدها أشد أنواع الإكراهات من طرف تيارات إسلامية متطرفة وتيارات مثلها داخل السلطة. وأخيراً، مشروعٌ القول: نحن الأقليات الثقافية، نطالب بحمايتنا من الأكثرية، إن لم تسعَ الأخيرة إلى حمايتنا من نفسها.

***

من أوجه البؤس، أن ينتهي نموذج اجتماعنا في القرن الواحد والعشرين إلى ما انتهى إليه: ثنائية ضدية، تكاد تختصر كل ما على هذه الجزيرة ومن على هذه الجزيرة في رمزين ثقافيين معبّرين، لحية من جهة وعمامة من جهة أخرى. ومن أوجه البؤس المصاحبة، أن الكلّ، بما فيهم الأكثرية الكاثرة، واعٍ لطبيعة التناقضات الواقعة بين الرمزين هذين، إنما من دون حيلة. أما الأكثر بؤساً من هذا وذاك، أن من له اليد الطولى في هندسة نموذج الاجتماع هذا، هي دولة مقتدرة.
 

***

هل هناك شيء مفاجيء؟. في النتائج: لا، لكن العنف الذي مورس على الأقلية الليبرالية، من طرف الدولة خصوصاً، هو عنف ليس لمثله نظير. وهو عنف أقل ما يمكن أن يقال عنه، إنه يوازي في التخلف المخرجات التي نتجت عنه. بدائية آلة العنف، أنى تجمّلت واتخذت من المساحيق، بدائيٌّ الناتج عنها، وبدائي أخيراً، شكل الثقافة المتوخى من مجمل العملية هذه.

 
***

ما المخرج؟. على ما يبدو، ليس هناك مخرج. فأمام دولة ترى في غلبة الحسابات السياسية على داعي الاجتماع، مصلحة لها، لا مخرج. وأمام دولة، تستمريء اللعب مع/ وفي حقل الأيديولوجيات الصلبة، مع تناسي خطورة كل ذلك على داعي الحداثة والتحديث، لامخرج. وأمام مجتمع منقسم، مستجيب أبداً إلى أشكال اللعب هذه، لامخرج. وأمام هذا اللامخرج، لايوجد أي مخرج. للأسف الشديد.



<<الصفحة الرئيسية
لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com