دائماً، هناك مكان في الإصلاحية لكتابة الشعر. وصديقي الذي اختطفه القرصان شاعر بامتياز. ليس لأنه يتقن الشعر، فلا أظنه كذلك؛ إنما لأن الشعر كامن فيما يؤمن به. يؤمن طبيب الأسنان، صاحب العيادة، أن شيئاً جوهرياً له قوة الشعر ولكنه ليس الشعر. أن شيئاً يأخذ مكان الشعرية في النص أو القصيدة، ولكنه ليس النص أو القصيدة. أن الشعر، هو في الانسجام، والمزيد من الانسجام، بين دورة الإيمانيات ودورة المسلكيات. وصديقي الذي يزور الإصلاحية للمرة الثانية، هو المنسجم على مستوى الاثنتين، المنسجم حدّ الغواية. أما خاطفه القرصان، فشرفه أنه هو المتفتّت!.
***
هل من عزاء؟.
إلى الخاطف: لا.
***
على مقربة من مريضه يجلس الطبيب المغدور. لا ينسى أن يضع الكمامة على فمه، ثم يهم بتوضيب الآلة. يحكّ السنّ تلو السنّ، فيتساقط الكلس والجير والحقد والضغينة وما بقي من لحم الغيبة. أنى لخاطفه أن يدرك شعرية "تنظيف الأسنان"، مادام لم يسبق له، ولا مرّة، أن شرّفه داخل العيادة!؟.
***
آخر مرة كنتُ مريضه، كان ذلك قبل ستة شهور. هل من مرضى آخرين؟. بعد الواحدة ظهراً: لا. قال. جاء دوري إذن. مثل كل الضحايا، أتمدّد على الكرسيّ. أفغر فاهي، فيما يبدأ هو بتهيئة أدوات شغله. يضع الكمامة على فمه، ثم يهم بتوضيب الآلة. يحكّ السنّ تلو السنّ، فيتساقط الكلس والجير والحقد والضغينة وما بقي من لحم الغيبة. ومعي، فإن هذه العملية تطول. تطول لأن كورس حكّ الأسنان يتمدد ليشغل فَسَحات أخرى، ليس أولها، تسديد رشقات النقد إلى الطريقة التي تدار بها أمور الشأن العام. وبخبرة من يتقن، بحكم عمله، إزالة قشرة الجير، يتقن طبيب الأسنان إزالة القشرة من على شخصيّات المسرح. هناك طبقات جيرية خارج الفم، وتحديداً داخل المجتمع، لكننا هنا نزيلها بالآلة، أما هناك فنحن بحاجة إلى "بلدوزر". يقول طبيب الأسنان، ويقفل دورة الشغل، فيما أتسمر أنا أمام المرآة، مبتهجاً بإعادة دورة الحياة إلى أسناني.
***









20 نوفمبر, 2006 03:13 م