مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

طبيب الأسنان "الشاعر"

دائماً، هناك مكان في الإصلاحية لكتابة الشعر. وصديقي الذي اختطفه القرصان شاعر بامتياز. ليس لأنه يتقن الشعر، فلا أظنه كذلك؛ إنما لأن الشعر كامن فيما يؤمن به. يؤمن طبيب الأسنان، صاحب العيادة، أن شيئاً  جوهرياً له قوة الشعر ولكنه ليس الشعر. أن شيئاً يأخذ مكان الشعرية في النص أو القصيدة، ولكنه ليس النص أو القصيدة. أن الشعر، هو في الانسجام، والمزيد من الانسجام، بين دورة الإيمانيات ودورة المسلكيات. وصديقي الذي يزور الإصلاحية للمرة الثانية، هو المنسجم على مستوى الاثنتين، المنسجم حدّ الغواية. أما خاطفه القرصان، فشرفه أنه هو المتفتّت!.

 

***

هل من عزاء؟.

إلى الخاطف: لا.

***

على مقربة من مريضه يجلس الطبيب المغدور. لا ينسى أن يضع الكمامة على فمه، ثم يهم بتوضيب الآلة. يحكّ السنّ تلو السنّ، فيتساقط الكلس والجير والحقد والضغينة وما بقي من لحم الغيبة. أنى لخاطفه أن يدرك شعرية "تنظيف الأسنان"، مادام لم يسبق له، ولا مرّة، أن شرّفه داخل العيادة!؟.

 

***

آخر مرة كنتُ مريضه، كان ذلك قبل ستة شهور. هل من مرضى آخرين؟. بعد الواحدة ظهراً: لا. قال. جاء دوري إذن. مثل كل الضحايا، أتمدّد على الكرسيّ. أفغر فاهي، فيما يبدأ هو بتهيئة أدوات شغله. يضع الكمامة على فمه، ثم يهم بتوضيب الآلة. يحكّ السنّ تلو السنّ، فيتساقط الكلس والجير والحقد والضغينة وما بقي من لحم الغيبة. ومعي، فإن هذه العملية تطول. تطول لأن كورس حكّ الأسنان يتمدد ليشغل فَسَحات أخرى، ليس أولها، تسديد رشقات النقد إلى الطريقة التي تدار بها أمور الشأن العام. وبخبرة من يتقن، بحكم عمله، إزالة قشرة الجير، يتقن طبيب الأسنان إزالة القشرة من على شخصيّات المسرح. هناك طبقات جيرية خارج الفم، وتحديداً داخل المجتمع، لكننا هنا نزيلها بالآلة، أما هناك فنحن بحاجة إلى "بلدوزر". يقول طبيب الأسنان، ويقفل دورة الشغل، فيما أتسمر أنا أمام المرآة، مبتهجاً بإعادة دورة الحياة إلى أسناني.

 

***

رن الهاتف قبل أسبوعين. من؟. طبيب الأسنان على الخط. استنكر عليّ، لأنني هجوتُ مثقفاً طفيلياً في إحدى مقالاتي، في الوقت الذي أنأى بنفسي، قال، عن هجاء مثقفين آخرين، هم بنظره يستحقون الهجاء. معه الحق، لكن الهاتف رنّ مرة أخرى بعد أسبوعين. من؟. صوتٌ أجشّ يقول: إن طبيب الأسنان المنسجم قد اقتيد إلى الإصلاحية. لم يكن لينتهي به الأمر إلى هذا المكان، لو أنه ارتأى لنفسه أن يعيش مثل خاطفه المتفتت. الحرية لطبيب الأسنان "الشاعر"!.
 
[حسين مرهون، طبيب الأسنان "الشاعر"، صحيفة "الوقت"، العدد 275 - الأربعاء غرة ذو القعدة 1427 هـ - 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 ].


أضف تعليقا

تأملات تافهة من لبنان
20 نوفمبر, 2006 03:13 م
سلامااااات شقيق:

ربما أنا أكثر من يفهم مقالتك هذه.
سأبوح لك بسر مقابل سرك: لكرسي طبيب الأسنان شاعرية لا تقاوم... أنا شخصيا أغرم بي طبيبا أسنان بعدما تمددت على كرسيهما و انهالا على أسناني حفاً و حفراً, و لوهلة اعتقدت اني مغرمة بأحدهما, يومها كنت في السابعة عشرة من العمر.
كان إذا أراد أن يتغزل بي يقول: (ما أروعك بعد الإصلاحات... لزوم إعطاء نفسه حقها من العمل).
يومها اكتشفت أن 99% من مريضاته مغرمات به, و ان بعضهن يعاكسنه.

و تماماً, كمحمد سعيد, كان ناقماً على الظروف المحيطة به, داعياً إلى تغييرها علماً أن أحد أخوته أمضى ما يزيد عن الخمس سنوات في السجن, لا لشيء سوى كونه شيوعي الهوى سياسياً...

ربنا ينهي محنة الدكتور محمد و يعيده إلى أهله و عيادتةه و مرضاه, و أنت عليك بالخيط و الليسترين...
زينب.

لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com