مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

المثقف السلطاني

يقول: لم أنت مستبسلٌ في التفضيح به، مسترسلٌ في شحذ السيف عليه؟. 

أقول: ليس صحيحاً ما تقول، فهذا الذي هو السياسي، وهو المثقف المعتمر نسيج العمامة السوداء، لا يرقى لأن يكون في مستوى فضيحة. حلقة، هو إن شئت، في سلسلة حلقات طبعت تاريخاً مديداً من اجتماعنا السياسي، العربي قبل القطري، والإسلامي قبل التاريخ الشخصي. وإن شئت اسماً لها، فهي حلقة تندرج في سياق ما أسماه أجدادنا، عليهم ما عليهم من الرحمة: "الآداب السلطانية". وفي الآداب هذه، حفلت دوماً العلاقة بين السلطان (ممثل السلطة الدنيوية) والفقيه أو، رجل الدين (ممثل سلطة التقديس) بأشكال من التخادم المشترك. ولم يشذّ عن ذلك نموذج اجتماع واحد، لا تلك التي قامت تحت راية "الأمة" ولا تلك التي قامت على أختام "الدولة القطرية".

ظل الدين وسيلة السلطة، والسلطة كلها، وظلت السلطة وسيلة الدين، والدين كله، يدور أحدهما حيثما دار الآخر، وحيثما درّت الشرعية على صاحب السلطان ودرت المعايش على صاحب الدين. ألم تسمع عما تحدث عنه أبونا العلامة ابن خلدون (1332 – 1406) عن أن "الدعوة الدينية تزيد العصبية (السلطة الزمنية) قوة على قوة". ذلك، هو هو، ما نسميه بنظام التخادم المشترك. فإذن، ليس هذا الذي، هو السياسي، وهو المثقف المعتمر نسيج العمامة السوداء، إلا فصلٌ في كتاب "الآداب السلطانية" هذا، وحتماً ليس هو المرتقي إلى درجة "الفضيحة"، ذلك أن مناط الفضيحة مرتبطٌ بالجدة والصادم والمفاجيء، فيما مناط صاحبنا، السياسي والمثقف والمعتمر نسيج العمامة السوداء، مرتبط بالقديم والمبتذل والمُجترّ والبائد.
ولماذا البائد؟. لأن حتى هذا الذي طبع تاريخاً مديداً من اجتماعنا السياسي، على النحو الذي أسلفنا، قد أصابه شيء من التبدُّل والنقلة، فتطوّر مسار الآداب السلطانية، وضمن العقدية الدينية نفسها، من مسار التخادم المشترك القائم على العلاقات البدائية، علاقات الحب والولاء، إلى النظام القائم على العلاقات الدستورية، عندما وعى فقهاء إصلاحيون منذ بدايات القرن الماضي،أهمية الحياة الدستورية. وذلك ما اعتبره عالم اجتماع معاصر، هو وجيه كوثراني نوعاً من "القطيعة" مع النموذج السابق القائم على التخادم أو ما أطلق عليه "العلاقة الوظيفية"*. وما يفعله صاحبنا، غفر الله له، هو الردة على التاريخ هذا، تاريخ الانتقال في العلاقة بين الديني والسياسي إلى الوعي الدستوري، والعودة به إلى القهقرى. فبدلاً من أن يعيد دبّ الروح في هذا التراث، الذي افتتح به العلامة النائيني، رحمه الله، القرن التاسع عشر، أتى ليقطع معه. وما استبساله في إعادة استنساخ أشكال الآداب السلطانية المدرسية والقديمة، التي ما انفكت تنظر إلى مواطني الدولة باعتبارهم حشداً من الرعايا، السوقة الغوغاء، والطبول الفارغة التي لا ينقصها سوى الخبز والحنطة ولقمة العيش، إلا دليلٌ على ما نذهب إليه.
أقول: متى يتواضع المثقف هذا!؟ متى يعي أن الجدة، كل الجدة فيما يرى إليه برسم النرجسية المستفحلة، هي القدامة، كل القدامة، فيما نرى إليه برسم التاريخ!؟

 

* وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان، جدلية الدين والسياسة في إيران الصفوية – القاجارية والدولة العثمانية، دار الطليعة، ط 2، 20001.



أضف تعليقا

بحرانية من البحرين
19 نوفمبر, 2006 04:57 م
عزيزي مداس..
أرى ان الحرب بين من يدعون الحداثة قد بدأت ..وبين من يدعون الثقافة ...جميل هو التنوع في التوجه..والتذوق لثقافة..ولكن ان يسترزق احدهم بهكذا امور على حساب الناس..فاسمح لي...كيف يكون الشخص مثقفا..ويدعي هو التثقيف بنفسه؟المفترض ان الناس هي من تضع تلك المقاييس لتطلق اسممثقف او غيره...اما ان ياتينا أأمر من جلالة السلطان ان فلان مثقف لأنه حفظ بعض الدروس وبعض الكتب..فاسمح لي..لا مكانه له بيننا..سواء كان عالما او معمما..ومع ذلك كله
لا نتدخل في شخصنته
بل في افكاره...

وسلامتك

بحرانية
smbs من البحرين
19 نوفمبر, 2006 06:17 م
تستغرب حين تقرأ فتاوى بعض الشيوخ الكبار .. و لكن عندما تُدرك التعايش بَين رجال الدين و رجال السلطة .. يزول العجب و تعي لماذا نُسِبَ للدين ما هو بريئ مِنه

marhoon1978 من البحرين
19 نوفمبر, 2006 10:59 م
بحرانية؛
بنظري، لا توجد حرب؛ إنما هناك اختلاف. وبدون ادعاءات، أعتقد أن صاحبنا بحاجة إلى أن يجرب قليلاً أن نوعاً من سادية القصف التي يجربها، وبأرعن ما تكون سادية، على ضحايا لا حول لهم ولا قوة. وفي مستوى آخر، المسألة منهجية. ذلك أن مثقفاً عقله في رأسه، لايمكن أن ينتهي به المطاف، مهما اختلف وتغير، إلى بازار تلميع وجه السلطة. وعلى من؟ على مجتمع مستباح من طرف هذه السلطة. شخصياً، لديّ قناعة شبيهة بتلك التي عبر عنها فوكو في محاضراته بالكوليج دي فرانس: "يجب الدفاع عن المجتمع". يجب، وكفى!

مداس
مداس من البحرين
19 نوفمبر, 2006 11:01 م
يا سنبس؛
يتعايشون باستمرار، واحد يعطي المال وواحد يعطي الشرعية! كل واحد يتمصلح من الثاني. ليذهب هذا الشيخ المثقف إلى الجحيم، هو وعمامته وسلطانه!

لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com