مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

ليلة العزف على اللؤلؤ

 

اعتذرت هذا الإسبوع للزميل محمد فاضل عن كتابة مقالي الأسبوعي ليوم الأحد. "ضيقة نفس"، قلت له في رسالة نصية بعثتها له بواسطة خدمة الـ"إس إم إس". "هون عليك، ردّ عليّ، وإن احتجت لقليل من الإصغاء فقلبي مفتوح لك". شكراً أبو إياد، عشمي فيك لا يخيب أبداً. وأمس (السبت) اخترت أن أهرب من يوميات السياسة اليابسة، مثل يباس خشب الساج، ومن جعجعة الحملات الانتخابية، وهي جعجعة بلا طحين، بالذهاب إلى حفل افتتاح مهرجان البحرين الخامس عشر للموسيقى الذي رُفع الستار عنه في الصالة الثقافية جوار متحف البحرين الوطني.  وكاد أن يكون هروبي كاملاً، لولا صدفة جلوس عضو اللجنة المركزية في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي (يسار) عبدالجليل النعيمي إلى جانبي. (هي ذي السياسة إذن مرة أخرى!).

استمتعت بالاستماع إلى معزوفات أوركسترا الحجرة التابعة إلى معهد بيلاروسيا للموسيقى التي تتكون من مجموعة من العازفين حديثي السن من طلبة المعهد. مؤلفات لموتسارت وتشايكوفسكي، كلها كانت حاضرة، وقلبي كان يخفق  يخفق. ليس فرحاًًًًً، إنما هلعاً. كيف لهذه الأصابع الصغيرة القدرة على خلق كل هذا الجوّ العاطفيّ الكبير والخلاّب.

تصاعد هلعي حين أطلت العازفة البحرينية الشابة نور القاسم التي عزفت مقطوعة لموتسارت رفقة أوركسترا بيلاروسيا. كنت أدقق في حركة أصابعها وهي تنهمر على آلة البيانو مثلما تنهمر أصابع الغواصين، ومنهم جدي لأبي عبدالرسول رحمه الله، على حبات اللؤلؤ (والمجاز لحسين المحروس). لحظات إصغاء سادت الصالة، ثم ترجّلَتْ منحنية بذراعيها أمام الجمهور وسط إيقاع التصفيق الحار.

المفاجأة الأكبر، جاءت من عازف هندي صبي عمره 14 عاماً، واسمه سد رمشندر. كأن أصابعه التي عزفت إيقاعاً عاطفياً وسريعاً، على البيانو هي البيانو نفسه. وقف الجمهور ليصفق له طويلاً، فيما تقدمت امرأة شقراء، أخمن أنها مدرسته في معهد كريستوفر، لتقدم له باقة وردٍ حمراء. شكراً رمشندر، يا سليل الهنود الفقراء والطيبين.

الأهم من كل ذلك، وهي المفاجأة السارّة لي ولكثيرين، أن فرقة البحرين الموسيقية، وهي بحرينية بالاسم فقط لأن معظم عازفيها مصريون لهم كروش كبيرة!، وكذلك فرقة محمد بن فارس، لن تشاركا في مهرجان هذا العام، وحسناً فعلت إدارة المهرجان، حين هي رحمت آذاننا بعفّها عن الاستماع إلى إيقاعات الطبول والطارات التي أكرهها مثل كرهي لثلاثة قراصنة أدعو الله أن يأخذ أرواحهم منذ صغري (واحد منهم مات بالمناسبة!).

 وسط هذا الجوّ العاطفي وأثناء فاصل استراحة قصير، ملت على النعيمي هامساً "لو أن جميع السياسيين كانوا حاضرين هنا يستمعون إلى أنغام الموسيقى البيلاروسية أما كانوا أقلّ بشاعة؟.". ابتسم لي، وراح يحدثني بحماس عن فترة إقامته في روسيا، ومدى عشق الروس للموسيقى. (قد لايكون دقيقاً سؤالي، لأن طبولاً كاملة من وزراءً ومرتشين وحرامية كانوا حاضرين، ويا جبل ما تهزك ريح!).

خرجت من الصالة على أمل أن أعود في الليلة الأخرى، أي أمس (الأحد)، للاستماع إلى موسيقى الهنود التي سيقدمهما الهنديان رونو ماجمدار وبومبي جياستري وفرقتيهما. والفنانان يمثلان اتجاهين مختلفين في الموسيقى الهندية، ففيما يمثل ماجمدار التقاليد الموسيقية المعروفة باسم "الميهار غارانا" التي أوصلت العديد من الفنانين كرافي شنغار وعلي خان إلى قمة المجد، تمثل جياشري الجيل الموسيقي الصاعد الذي يتشبث بالأصالة الموسيقية والفنية "الكرنتيكية".

لم يحصل لي ذلك، واخترت أن أذهب إلى الجامعة لحضور محاضرة الدكتور عبدالله الحيدري، خوفاً من حرماني من الامتحان النهائي لكثرة تغيبي، غير الإرادي طبعاً.

الأمل أن أتمكن الليلة (الاثنين) من حضور حفل الموسيقى الإيرانية. لكن قبل ذلك، علي أن أصحو في الصباح الباكر لحضور محاضرة الدكتور عبد ربه في الصخير. محمد عبدالله، أيقظني!.

 

العازفة البحرينية نور القاسم

 

أوركسترا معهد بيلاروسيا

 
   


أضف تعليقا

smbs من البحرين
30 اكتوبر, 2006 01:42 ص
أَخيراً هُناك أحد في العائلة
تَليقُ بِه الموسيقى .. مثلي ..

" جان وديتني وياك لـه !! " ..

الموسيقى لذيذة .. لَمن يَفقه التذوق .. صَدَقَ مَن قال الموسيقى لُغة الملائكة ..

رُبما .. سأتقن العزف الغجري يوماً .. " لأحلل " مدخراتي التي دفعتها ثَمناً لـ " جيتاري " العزيز .. يومها سأعزف لك " عشان قلبك يخفق يخفق " ..

حسسينو صير عاقل و تخرج زتات

الإمبراطور سنبس
هدى المهدي من المملكة العربية السعودية
30 اكتوبر, 2006 07:54 ص
بالفعل

الموسيقى غذاء للروح، كنت أحسب ان تلك المقولة ما هي إلا إحدى الديباجات المشهورة

ولكنني الآن - بعد أن أدمنت الموسيقى الكلاسيكية- أصبحت مؤمنة بها


ما شاء الله عليك أخ حسين تحمل النقيضين بين رقة الموسيقى وعذوبتها وخشونة السياسة وقسوتها

ولكن لندع الله أن لا تسيس الموسيقى في بلدنا أيضا

لك كل التحية
مارون من البحرين
30 اكتوبر, 2006 05:51 م
شكرا شقيقي، نقلت لنا أجواء جميلة ودافئة..
تحياتي الباردة من حقل السياسة.
حسين مرهون من البحرين
30 اكتوبر, 2006 09:15 م
الإمبراطور سمبس؛
لا تسمع عنك الأم العودة عاااد، رح يطردوك من البيت :- )
جيتار؟. يلااا ننتظرك يا باكو سنبس، ذكرتني بمقطوعة "الديناصور الدليع" التي ألفها الأدفايزر فاضل، يوم ابتاع عدد من الأصدقاء جيتاراً، اختلفوا على ملكيته تالياً، فكسروه لكيلا يكون لأحد : - )
شخصياً أعشق الجيتار الكهربائي، سماعاً طبعاً، لأني في العزف ما جربت روحي.
حسين مرهون من البحرين
30 اكتوبر, 2006 09:24 م
عزيزتي هدى؛
هل تصدقين؟. في الاثنتين، الموسيقى والسياسة، أنا فشوووش. ورحم الله من عرف قدر نفسه. إذ لا تعدو علاقتي بالاثنتين مسألة المتابعة. أتابع الموسيقى من دون أن أتورط فيها، وذلك طبعاً من غير إرادة، وأتابع السياسة وأيضاً من دون أن أتورط فيها، لكن الفارق هنا أن ذلك بإرادة محضة مني، ومع سبق الإصرار والترصد. أطل على الموسيقى بروح الهاوي، فيما أطل على السياسة بروح المتضرر. وأنا في الحالين، كما يقول محمود درويش: آه!

التحيات
حسين مرهون من البحرين
30 اكتوبر, 2006 09:26 م
عزيزي مارون؛
يلاااا ننتظر البوست المضاد. وشكراً لي لأنني استطعت، وهذا أضعف الإيمان، أن أنقلك من حقل السياسة إلى حقل الموسيقى، ولو للحظة :-)

هدى المهدي من البحرين
31 اكتوبر, 2006 12:04 ص
قد يأتي يوم وتطل علينا من السياسة من موقع العارف والخبير والمتورط ؛)

بالمناسبة لا ادري ماذا اصاب اتصالي كي ينفيني الى خارج البحرين في تعليقي الأول

ربما هي حالة من التنبأ

لك كل الود وتصبح على خير
حسين مرهون من البحرين
31 اكتوبر, 2006 01:09 ص
هدى المهدي؛
لاحظت ذلك، وخمنت على ما تقول زينب باستمرار، أن الجماعة، أي جيران، حابين يفسحونك على هااه دولة حلوة:-) وهل أحلى من جزيرة العرب:-) إن شالله شميتي هوا وغيرتي جو بس!؟ :-) :-) :-)
حسين مرهون من البحرين
31 اكتوبر, 2006 01:09 ص
هدى المهدي؛
لاحظت ذلك، وخمنت على ما تقول زينب باستمرار، أن الجماعة، أي جيران، حابين يفسحونك على هااه دولة حلوة:-) وهل أحلى من جزيرة العرب:-) إن شالله شميتي هوا وغيرتي جو بس!؟ :-) :-) :-)
محمد فاضل من البحرين
02 نوفمبر, 2006 04:59 م
شقيقي..

قلبي مفتوح لك دائما بس لا تزعلني وتقول انك ما تطيق الموسيقى الشعبية..

شقيقي..
اذا حضرت وصلة من فنون البحر وخصوصا فن "الفجري" وقمت فيما بعد باخذ احد ضاربي الايقاع وطلبت منه ان يعيد عليك بعض الايقاعات التي كان يؤديها فلن يتمكن من ذلك. هل تعرف لماذا؟.
لان هذا اللون شقيقي بالذات يؤدى بالاحساس ولا يمكن للعازف ان يؤديه الا بالاحساس مع الجماعة الاخرين.. في الوصلة الواحدة يعزف هؤلاء حوالي 74 نوعا من الايقاع لكنهم لا يدرون ولا يحصونها.. اما المؤدين اي (النهامين) فانهم ينتقلون من مقام الى اخر بطريقة لا يستطيع ان يؤديها المغنون المحترفون المدربين.. هل تعرف لماذا يا شقيقي؟

يؤدون بالاحساس.. اذا كنت مهتما مكتبتي مفتوحة لك لكي تعرف شيئا من الكنوز الثرية التي ترقد عليها جزيرتنا .. لكنها كنوز مهملة ومنسية..

محمد

لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com