مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

بس محمود اليوسف

محمود اليوسف
 
         أتذكر قبل نحو عام ونصف، أن السيد وزير الإعلام محمد بن عبدالغفار دعانا، نحن المحررين الثقافيين في الصحف المحلية إلى مكتبه في مبنى الوزارة للتشاور معنا (يابختنا!) في ما أسماه مشروعه "للتشجيع على القراءة". وأتذكر أنني تحدثتُ من بين من تحدثوا في مداخلة لي (ويستطيع أن يطلب من سكرتيره الخاص أن يحضر له محضر الاجتماع للتأكد!) عن أمرين: غلاء أسعار الكتب مقارنة بالدخل المحدود للمواطن البحريني (نحو 33 ألف بحريني، أي 47 % من العاملين البحرينيين في القطاع الخاص يتقاضون أجوراً تقل عن 200 دينار، حوالي 530 دولار أميركي)، داعياً إياه للتفكير الجدي، إن كان جاداً في مشروعه (بعد عام ونصف يبدو أنه نساه!) من موقعه كمسؤول في طريقة ما لدعم الكتاب، مستشهداً في ذلك بتجربتيّ مصر وسوريا في هذا الصدد، وعن مسألة أخرى تتعلق بسياسات التعليم، وكيف أن التعليم عندنا رجعي وفاشل ولا يخلق أي حسٍّ نقديّ حيال القضايا الأكثر ثباتاً لدينا، ولا أية قابلية للاطلاع على الكتب التي تناقش بحسٍّ نقديّ هذه القضايا.
          وعليه، رجوته ألاّ يستغرق كثيراً في طرح سؤال: لماذا لا يقرأ الناس؟، والاستعاضة بدلاً عنه بسؤال آخرتكويني: ماذا يقرأون؟. لأن العبرة ليست بالتكثير، ولأنه وإذا ما قدر له زيارة أي معرض كتاب أو أية مكتبة عامة، سوف يكتشف أن أكثر الكتب مبيعاً، هي الكتب الخلافية، فضلاً عن تلك، المتعلقة بالسحر والشعوذة!.
بس محمود اليوسفومما أتذكر أيضاً، أنه تحدث بإسهاب عن كتاب الزميل محمد البنكي، سامحه الله دوماً، "ديريدا عربياً"، الذي قرأ مقالة عنه في صحيفة الحياة اللندنية، وحاول توظيفها في المزايدة على "الطاقات الوطنية التي لدينا". ثم اختتم حديثه بطرح السؤال التالي: ولكن لا أدري، ما إذا كانت العلوم الإنسانية تؤكل عيشاً أو لا!؟. لا، علقت، وحين أبدى استغرابه، رحت شارحاً له مأساة الصديق الدكتور نادر كاظم، وهو من جيل البنكي، وكيف تحالف لوبي الإخوان المسلمين والسلف من قسم اللغة العربية بجامعة البحرين ضداً على تحويله إلى سلك التدريس في القسم، وكل ذلك بسبب ما رآه بعضهم هجوماً على الدّين في كتابه: "صورة الآخر.. تمثيلات الأسوَد في العصر العربي الوسيط" الذي حاز به على درجة الدكتوراه برتبة امتياز من مصر.

 وأتذكر أخيراً، أنني خرجت من الاجتماع وليس في نيتي أن أكتب شيئاً عما أسماه الوزير "مشروع التشجيع على القراءة"، وهكذا جرت الأمور معي، مقتنعاً بأن الأمر لا يعدو أن يكون مسألة "بروباغندا" يريدنا أن نشتغل برسمها، وهو ما أثبتته الأيام.

اليوم نسمع، أن الوزارة نفسها التي يقع على رأسها الوزير نفسه والذي كان قد استدعانا قبل نحو عام ونصف من أجل أن نكتب عما أسماه مشروعه "في التشجيع على القراءة"، هي نفسها التي أصدرت قراراً بحرماننا من قراءة مدونة الزميل المدون محمود اليوسف ابن المرحوم الفنان ناصر اليوسف وأشهر المدونين البحرينيين وصاحب حملة "بس بحريني"!! وهي نفسها التي أصدرت قراراً بحرماننا من قراءة موقع "الحوار المتمدن" و"منتدى اللادينيين العرب"، فيما المواقع الطائفية والسلفية المتشددة تسرح وتمرح (مع ذلك هذه ليست دعوة لحجب الأخيرة!).

عيب، عيب جداً أن يختتم سعادة الوزير آخر شهر له في الوزارة بهذا القرار الجاهل والغبي. وعيب أكثر أن يؤول ما أسماه مشروعاً للتشجيع على القراءة إلى مجرد مشروع قمعي يصادر على القرّاء وعلى القراءة، وذلك لمجرد أن ما نقرأه لا يروق له ولا يسعفه بجرعةٍ إضافية يزايد بها على "الطاقات الوطنية التي لدينا". ألم أقل لك يا سعادة الوزيرة، أن المشكلة، كل المشكلة في: ماذا نقرأ!؟.

ليلة العزف على اللؤلؤ

 

اعتذرت هذا الإسبوع للزميل محمد فاضل عن كتابة مقالي الأسبوعي ليوم الأحد. "ضيقة نفس"، قلت له في رسالة نصية بعثتها له بواسطة خدمة الـ"إس إم إس". "هون عليك، ردّ عليّ، وإن احتجت لقليل من الإصغاء فقلبي مفتوح لك". شكراً أبو إياد، عشمي فيك لا يخيب أبداً. وأمس (السبت) اخترت أن أهرب من يوميات السياسة اليابسة، مثل يباس خشب الساج، ومن جعجعة الحملات الانتخابية، وهي جعجعة بلا طحين، بالذهاب إلى حفل افتتاح مهرجان البحرين الخامس عشر للموسيقى الذي رُفع الستار عنه في الصالة الثقافية جوار متحف البحرين الوطني.  وكاد أن يكون هروبي كاملاً، لولا صدفة جلوس عضو اللجنة المركزية في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي (يسار) عبدالجليل النعيمي إلى جانبي. (هي ذي السياسة إذن مرة أخرى!).

استمتعت بالاستماع إلى معزوفات أوركسترا الحجرة التابعة إلى معهد بيلاروسيا للموسيقى التي تتكون من مجموعة من العازفين حديثي السن من طلبة المعهد. مؤلفات لموتسارت وتشايكوفسكي، كلها كانت حاضرة، وقلبي كان يخفق  يخفق. ليس فرحاًًًًً، إنما هلعاً. كيف لهذه الأصابع الصغيرة القدرة على خلق كل هذا الجوّ العاطفيّ الكبير والخلاّب.

تصاعد هلعي حين أطلت العازفة البحرينية الشابة نور القاسم التي عزفت مقطوعة لموتسارت رفقة أوركسترا بيلاروسيا. كنت أدقق في حركة أصابعها وهي تنهمر على آلة البيانو مثلما تنهمر أصابع الغواصين، ومنهم جدي لأبي عبدالرسول رحمه الله، على حبات اللؤلؤ (والمجاز لحسين المحروس). لحظات إصغاء سادت الصالة، ثم ترجّلَتْ منحنية بذراعيها أمام الجمهور وسط إيقاع التصفيق الحار.

المفاجأة الأكبر، جاءت من عازف هندي صبي عمره 14 عاماً، واسمه سد رمشندر. كأن أصابعه التي عزفت إيقاعاً عاطفياً وسريعاً، على البيانو هي البيانو نفسه. وقف الجمهور ليصفق له طويلاً، فيما تقدمت امرأة شقراء، أخمن أنها مدرسته في معهد كريستوفر، لتقدم له باقة وردٍ حمراء. شكراً رمشندر، يا سليل الهنود الفقراء والطيبين.

الأهم من كل ذلك، وهي المفاجأة السارّة لي ولكثيرين، أن فرقة البحرين الموسيقية، وهي بحرينية بالاسم فقط لأن معظم عازفيها مصريون لهم كروش كبيرة!، وكذلك فرقة محمد بن فارس، لن تشاركا في مهرجان هذا العام، وحسناً فعلت إدارة المهرجان، حين هي رحمت آذاننا بعفّها عن الاستماع إلى إيقاعات الطبول والطارات التي أكرهها مثل كرهي لثلاثة قراصنة أدعو الله أن يأخذ أرواحهم منذ صغري (واحد منهم مات بالمناسبة!).

 وسط هذا الجوّ العاطفي وأثناء فاصل استراحة قصير، ملت على النعيمي هامساً "لو أن جميع السياسيين كانوا حاضرين هنا يستمعون إلى أنغام الموسيقى البيلاروسية أما كانوا أقلّ بشاعة؟.". ابتسم لي، وراح يحدثني بحماس عن فترة إقامته في روسيا، ومدى عشق الروس للموسيقى. (قد لايكون دقيقاً سؤالي، لأن طبولاً كاملة من وزراءً ومرتشين وحرامية كانوا حاضرين، ويا جبل ما تهزك ريح!).

خرجت من الصالة على أمل أن أعود في الليلة الأخرى، أي أمس (الأحد)، للاستماع إلى موسيقى الهنود التي سيقدمهما الهنديان رونو ماجمدار وبومبي جياستري وفرقتيهما. والفنانان يمثلان اتجاهين مختلفين في الموسيقى الهندية، ففيما يمثل ماجمدار التقاليد الموسيقية المعروفة باسم "الميهار غارانا" التي أوصلت العديد من الفنانين كرافي شنغار وعلي خان إلى قمة المجد، تمثل جياشري الجيل الموسيقي الصاعد الذي يتشبث بالأصالة الموسيقية والفنية "الكرنتيكية".

لم يحصل لي ذلك، واخترت أن أذهب إلى الجامعة لحضور محاضرة الدكتور عبدالله الحيدري، خوفاً من حرماني من الامتحان النهائي لكثرة تغيبي، غير الإرادي طبعاً.

الأمل أن أتمكن الليلة (الاثنين) من حضور حفل الموسيقى الإيرانية. لكن قبل ذلك، علي أن أصحو في الصباح الباكر لحضور محاضرة الدكتور عبد ربه في الصخير. محمد عبدالله، أيقظني!.

 

العازفة البحرينية نور القاسم

 

أوركسترا معهد بيلاروسيا

 
   

هذا "الإخوانجي" الكلب

المجرم نزار العاني
 

§       العراقي حامل الجنسية البحرينية المجرم نزار العاني، عضو حركة الإخوان المسلمين والأستاذ في جامعة البحرين سابقاً، وحالياً رئيس جامعة الاتحاد في الإمارات العربية المتحدة، وهو كاتب وواضع خطة (مانيفستو) "مقترحات لتدعيم الجبهة السنية بالمجتمع في مواجهة الانتشار والتخطيط الطائفي الشيعي للهيمنة" التي اعتمد عليها المجرم الآخر أحمد بن عطية الله آل خليفة في مشروعه للتحكم في مخرجات العملية الانتخابية وضرب وحدة الشعب البحريني، وذلك مقابل مكافأة شهرية قدرها 3000 دينار بحريني (حوالي 8000 دولار أميركي).
 
      [ اقرأ مقال نادية برهان في صحيفة السفير اللبنانية هذا اليوم (السبت)].
 

الدليل

الدليل

 

أيها المسافر،

أخفيتَ الشبح، شبحك

وتركتَ الدليلَ عليه

-  اهربْ

القناصةُ في الأثر!.

  

المثقف حارس الأسلاب

ليس من الروحانيين، وإلا لما قال "أنا"، ومن قال أنا هلك دوماً. وليس من السياسيين، وإلا لما اعتمر مسوح الروحانيين. وليس من غوغائيي الساحات، وإلا لما حازَ على الرزانة كلها من طريق المشي على رخام البلاطات، وهو امتياز لا يتحصّلُ عليه إلا ذو شأنٍ وخفيف شعبوية. وليس من النخبة، وإلا لتخلص من الخطابة والبلاغة ومن الإنشائيات "التي ما قتلت ذبابة". ما هو إذاً؟ هو كل هذا المتعدد دفعة واحدة، أي ليس بالتقسيط. فإن قلت روحانياً، فهو الروحاني، وإن قلت سياسياً، فهو السياسي، وإن قلت شمولياً، فهو الشمولي، وإن قلت نخبوياً، فهو النخبوي. كل هذا، كل هذا. إن قلت الاقتصاد، حاضَرَ لك من سانغفورة الشرق (دبي)، وإن قلت الفنّ، أتاك الخير من أصيلة، وإن قلت الأديان، طلع عليك من الفاتيكان، وإن قلت الفقه شارطَكَ بغزالي مصر وخاتمي إيران.
...

...

قل لي، يا ليس المثقف الداعية، وليس المثقف النبي أو الرسول، على ما يحلو له التشبيح دوماً، ما تكون ينبغياتُك هذه، ما تكون أفعال أمرك... وتكونُ أفعالُ زجرك؟. أرجوك، لا تقل إنها شكٌّ ديكارتيٌّ أو أنها علوم إنسانية. لا تقل، إنها أسئلةُ حداثةٍ أو سلاح عصرية. قل إنها أيّ شيء، إلا أن تكون كذلك. قل إنها الدهاء والممكن والواقعية. قل أنها الخيار، خيارك، قل إنها الشعار، شعارك، قل إنها الرؤية، رؤيتك، قل إنها الردّة والخلاصة الشخصية.
...

...

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، المثقف حارس الأسلاب، صحيفة "الوقت"، العدد 245 - الأثنين غرة شوال 1427 هـ - 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

 

المرأة أنثى.. والسلطة ذكر

...

...

الصورة للفنانة الإيرانية شيرين نشأتهل تقف ضداً على دخول المرأة؟. لا، أقف ضداً على "تذكير" دخول المرأة. هل تدعو إلى "تأنيثه" إذن؟. أيضاً لا، أدعو إلى أنسنته. ذلك حلم، أنت تعرف أنه في مجتمعات أبويّة، الطاعة فيها رجل والخطيئة أنثى، ليس من طريق إلى تثمير هذا الذي تدعوه "إنسانية". لكنني أعرف أيضاً، أنه في المجتمعات هذه؛ حيث السياسة ذكر، والسلطة ذكر، والسيادة ذكر، والقانون ذكر، والتمثيل ذكر، وتدبير الاجتماع ذكر، وداعي المصلحة العليا ذكر، والمداهنات التي تدار من تحت الطاولة ذكر، والمداهنات التي تُدارُ من فوق الطاولة ذكر، (أعرف) أن دخول المرأة إلى السياسة ليس سوى تجميل لذكورة الذكر المتعدد هذا.

...

...

هل تدافع عن القطيعة؟. ليس تماماً، أدافع عن الفعل التواصلي؛ حيث يتوقف الذكر عن تذكير نفسه؛ وحيث تتوقف الأنثى عن تأنيث نفسها؛ وحيث يتوافقان في المحصلة، على هوية وطنية جامعة، أكبر من الوعاء "الجندري" الذي يسيجان به ذاتيهما، مثل سورٍ عازل. لكن قل لي، ما دخل لطيفة القعود بكل ذلك!؟. دخلها، في أنها جاءت إلى هذا الحشد المستوفي للحد الأقصى من الذكورة، بالحدّ الأقصى من الذكورة نفسه. جاءت إلى ديمقراطية الذكر بأسلحة الذكر، وبحيل الذكر، وألاعيب الذكر، وأساليب الذكر، وقواعد لعب الذكر، ومكرية الذكر، ومخاتلة الذكر، وذئبية الذكر. وكان يجب عليها أن تجيء، بالردة على كل ذلك.

...

...
أنت لست متفائلاً إذن؟. دعني أصيغ سؤالك بطريقة ثانية. ماذا كنتُ أنا فاعلاً لو كنتُ مكان القعود؟. لو كنت أنا مكانها، لرفضت أن أفوز إلا بجدارة، على مرأى من يرى وعلى مسمع من يسمع. ولرفضتُ أن آتي إلى البرلمان بولاية أمرٍ من أخٍ ذكر. ولرفضتُ أن أفوز على لا منافسين. ولرفضت أن أثبت مكان سكني باستقبال الناس في الصيف في جزر حوار. ولرفضتُ أن تقتصر قاعدتي الانتخابية على ألف نسمة. ولرفضتُ أن أفوز بالتزكية. ولرفضتُ استقبال رسائل التبريكات وفاكسات التهاني إلا بالفوز في معركةٍ جدية. ولترشحتُ في مقابل رجل أو امرأة، لافرق. ولأصررت على أن يكمل المترشحون، رجالاً كانوا أونساءً، خوض الشوط معي إلى النهاية. ولقاومتُ إكراههم، لو وجد من يكرههم!، على الانسحاب. ولبحثتُ لي عن مترشحين ومترشحات منافسين ومنافسات في حال أصرّ المترشحون والمترشحات المنافسون والمنافسات الذين معي على الانسحاب. ولأبيت على نفسي أن أسكت على الحسابات التي تجري من تحت الطاولة، لو وجدت هناك حسابات تجري من تحت الطاولة!. ولدخلتُ الانتخابات مرة ثانية وثالثة ورابعة، تماماً مثل دخلت المرة الأولى، إلى أن تنكسر الرأس الصلبة ويشعر الناخبون أنني الأصلح إلى تمثيلهم.

...

...

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون،المرأة أنثى.. والسلطة ذكر، صحيفة "الوقت"، العدد 244 - الأحد 30 رمضان 1427 هـ - 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

المثقف المقاول

سهلٌ جداً على مثقفٍ مملوء البطن أن يحملَ على غوغائية المجتمع. فما أسهل الدوس على هذا الذي يدعونه "المجتمع". ليس مثقفاً ذاك الذي لا يبدأ طريق المجد من النقطة التي يتخفف فيها من الشعبوية ومن همجية الجماهير. وليس نخبوياً ذاك الذي لا ينتهي به طريق المجد هذا إلى الارتماء في حضن تلك "الزائدة الدودية" و"الوحش الأشد بروداً" الذي اسمه دولة. كأنما كُتِب على المثقف أن يسلك طريق الضدين هذا، وكأنما المطلوب منا أن نركن إلى هذا الحدّ الفائق من الخدعة. كيف لا؟ أليس هو اللاّبس عمامة رسول الله، وأليس هو، مادام الحال هذا، من يجب أن يُقال له: سمعاً وطاعة.

...

...

وليس معلوماً؛ حتى الساعة، من أي أصناف المثقف جاء داعية المستقبل هذا. فلا هو المثقف العضوي عند أنتونيو غرامشي، ولا هو المثقف الدنيوي عند إدوارد سعيد، ولا هو المثقف الداعية عند عبدالإله بلقزيز، ولا هو مثقف النهايات عند علي حرب. بلى، هو المثقف المقاول الذي غدت تفرخ منه مراجنُ الورشات الليبرالية الجديدة نسخاً بالآلاف، وبحسب الطلب. هو الذي أقرب إلى الخبرة وإلى التنفيذ منه إلى صياغة الفكر. هو الذي يساهم في تسيير ماهو قائم وليس مطلوباً منه طرح بديل. هو الذي سلاحه في وجه خصومه قائمة من ‘’الينبغيات’’: ينبغي أن، يجب أن، إن علينا، يُفترض...إلخ وليس صناعة الحقائق على الأرض. الحقيقة الوحيدة التي يصنعها، هي لنفسه، الإثراء، والإثراء الفاحش، السلطة، والمزيد من السلطة.
...

...

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، المثقف المقاول، صحيفة "الوقت"، العدد 238 - الأثنين 24 رمضان 1427 هـ - 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

 

أيها العيد.. يا صديقي

 

الشمس من ثقب مخرز

 

إلى "س" أو أي اسم يليق باللحظة مرة أخرى وأخيرة؛

 

ليس كمن تنبّأ النبأ، ليس كمن رأى الرؤيا. ليس كمن أُورِثَ العلم أو خَبَر الحكمة، ولكنه كان يقرأُ النصّ بقلبه، فينبسطَ له ويلين. وها أنت تثبتين، ومرة بعد مرة، أنك إلى ما أُصرّ على رؤيتك عليه، غيرةً وتحاملاً (هكذا رأت إليّ شلة "الغانغو" اللندني!)، أقرب؛ حتى وأنت تطرّزين كلمات التمجيد وتَسُكّين مدائح الظلّ العالي في حق ما كتبت. ها أنت تستحلبين لصالحك المواقف البعيدة، وقد سبق وأن قلتُ لك إن أحداً لن يضُنَّ عليك بكل هذا، فتأتيك وفيرةً عبر بقبقات "الغانغو" الغبي والأحمق[I]، الذي لفرط غبائه وحماقته، فضّل أن ينشد كورالاً جماعياً، ضداً على ما هو فرديّ وشخصي، ظاناً أنه بذلك إنما يسجّل موقفاً، ويدفع ضرراً عنك، فيما لم أرد أنا الضرر أصلاً ولا حتى سعيتُ إليه، قيد أنملة.

والحق في جزءٍ من ذلك عليك، ذلك أنك بسَطتِ له صورةً مبتورةً من الطرف إلى الطرف، ومسكينٌ هذا الذي يهبُّ ويفزع من أجل صورة مبتورة من الطرف إلى الطرف!، فجرى مع الوهم بعيداً، بعيداً جداً، وراح يتصوّر أنه بمغالبته المستأسدة إنما يبطل باطلاً ويحق حقاً. وهو في المهمة هذه، وما ظننت (أنت) خُيَلاءً أنه كفّى ووفّى، قد كبا كبوة الحصان الأعرج ذي الساق الخشبية والجمل الأجرب!.

والحق في الجزء الباقي من الحق عليه، هذا الذي طفق إلى الفزعة كلها، وراح بروح العصبية القبلية، وإن لم تكن، فبروح العصبية الذكورية، وإن لم تكن، فبروح العصبية المناطقية، وإن لم تكن، فبروح العصبية الجاهلية، وإن لم تكن، فبروح العصبية التي هي العصبية وكفى، ينجرّ إلى ما أردتِه له، حذو القذّة بالقذّة [II]، فصاغ كوراله الجماعيّ، كأبشع ما يكون عليه كورال، ويرغي ويزبد كأشذّ ما يكون عليه إرغاءٌ وإزباد.

لم تقولي لأوْلاء البقباقين اللندنيين، "غانغو" الزلفى وملتقى الخديعة، أنك قدمتِ لهم هذا "الشاب الأعمى البحراني" بأرخص ما تكون تقدمة، لم تقولي، إنك مثلتِ به وقدمت رأسه على صحنٍ من ذهب، ينكث فيه نصْلُ الحاطّ رحاله والعابر عبور "الترانزيت"، لم تقولي لهم، إنك وبعد انفضاضِ السّامر لم تقوي إلا على أن تعتبريه "أعمى بصر وبصيرة"، لم تقولي إنك وبينما كنت تتجاسرين بالجلوس معه، كنت تفكرين "في عشرات الغرف التي تمتلكينها في بيتك والكنبات الحمراء والبنفسجية التي كنت تخافين الجلوس عليها لبهاظة ثمنها"، لم تقولي –ويا لمصيبة هذا "الغانغو" البقباق المسكين!- أنك في لحظة هذاءٍ عصابي عفّتْ حساسيتك عن أن تنظر إلى أصدقائه إلا باعتبارهم "مجموعة لايمكن بأي حال الاختلاط بها"، ثم أنه، أي هذا الشاب الأعمى البحراني، أعمى البصر والبصيرة، لم يردّ على كل هذا، وفضّل أن يلوذ بصمت المُضْطَغَن، على أن يدخل في مماحكةٍ، فيها ما فيها من الامتهان، خصوصاً حين هو يؤاخذك على إرادة النطق وحريتك في أن تنظري إليه أنى ما شئت أن تنظري، افتئاتاً أو تحاملاً أو صواباً. فسكتَ، سكتَ رغم الألم الذي يسببه السكوتُ على الضغينة.

ثم أنك لم تقولي لهم، شلة "الغانغو" اللندني البقباق الغبي الأحمق والمسكين!، كل ذلك، وأتيتِ أخيراً، لتسْطي على موضوع من مدونتي لم آذن لك فيه، وزيادةً على ذلك، قمت بإراقة حروفه على مدونتك من دون الإشارة إلى السياق الذي ورد فيه، ولا من أيّ فضاءٍ كلّي ابتُسِر منه، فصار كما لو أنه جزءٌ من تراسلٍ شخصيّ خالص بيني وبينك!. ناهيك عن أنك أخفيتِ عن هذا "الغانغو" اللندني البقباق الغبي الأحمق والمسكين، بمن كنتِ قد اتصلتِ، وإلى من انتجبتِ، وعند من انتخيتِ، استجداءً لنجدة المنجد وطمعاً في التأليب وفي الفوز بمقام الضحية؛ وكل ذلك لأنّ صديقة، وصديقة قريبة جداً، رقشَتْ من الكلمات (أفاض الله المنّ والسلوى على كيبوردها!) ما خُيّل إليك أنها قد رأت الشمس، على علاّتها، في واضحة النهار.

وكنتِ في كل ذلك، كمن خطأ الخطأ كله، فلا أنت نظرت إلى سابق فعالك، ما بحتِ به وما استبحتِه (سدح مدح!) [III] من فضاءٍ خاصٍّ على جمهورك العام، ولا أنت أحسنتِ التقدير، ورؤية الرؤيا في حق هذه الصديقة القريبة، والقريبة جداً.

ثم تداعى هذا "الغانغو" اللندني البقباق الغبي الأحمق والمسكين كما تتداعى الأكَلَة على القصعة [IV]، لينتصر إليك بتينك الشنشنة [V]  التي لعمري، ما رأيتُ مثلها شنشنة، غير آبهٍ إلى ما على عينيه من غشاوة، وما فيهما من حوَلٍ وعوَرٍ، وما في فؤاده من غلٍّ وما في عقله من انحيازٍ وخطل!. وهو فوق كلّ ذلك، فضّل أن يمضي على درب الاستهبالِ واثقاً، بجهل الجاهل وخمول الأحمق البليد؛ حتى وهو يرى المعنى واضحاً أمامه، من دون حجابٍ يحجبه أو ستارٍ يلفُّ دفائن حروفه.

فقوّلني ما لم أقله في غيفارا، متسائلاً بهفوة المُريب: من ذا قال إن غيفارا حكرٌ على الفقراء والسياسيين حدهم!!؟؛ بينما كان شاهدي واضحاً، وليرجع هذا "الغانغو" اللندني البقباق، الهابّ من مقاعد الكسلى وخَطَرَات المستريحين، إلى النصّ، ليرى كيف أنّ شاهدي من غيفارا، كان في مكانٍ آخر تماماً، وليسمح لي أن أعيد عليه ماقلت، مادام مصرّاً على أن يراني من نافذة الكحل الأسود الّتي ترين إليّ منها وإلى العالم وإلى الأشياء من حولك: "هل سمعت أن أحداً قال إنه يريد أن يعمل ثورة فقامت ثورة؟. أو أن صغيراً يرغب في الموت سريعاً أشعل انتفاضةً كبيرة؟. أنا لم أسمع!. ولك في تشي غيفارا الذي تمضغين سيجاره مثل لبانِ في فم هاوٍ، عبرة المعتبر. فحتى وهو الكبير الكبير، لم يوفرْه خذلان بوليفيا وفلاحي بوليفيا وشيوعيي بوليفيا!!".

... ثم، فهذه دعوتي إليكِ مُجدَّدةً، يذهب الزمان ولا تذهب، أن تزيلي الكحل من على عينيك وتبدئي في النظر إلى وهج الشمس من دون محسّنات بديعية، وإن شئت زدتك، أن تنظري إلى وهج الشمس من دون "غانغوات" لندنية بقباقة غبية حمقاء ومسكينة!. 

(بالمناسبة، إنني أتساءل فقط عما إذا كان السيد طارق السادة يقرب بشيء إلى صديقي الجميل الناقد المسرحي أثير السادة الذي ما عرفت عنه أنه تورّط يوماً في التوقيع على بيانات "غانغو" غبية وحمقاء مثل هذه!!؟).

 

* هوامش توضيحية لبعض "الكلمات الرنانة":
 

[I] بَقْبَقَةُ: "بَقْبَقَةُ الماءِ" : الصَّوْتُ الصَّادِرُ عَنِ انْسِكابِهِ مِنْ قِنِّينَةٍ أَو قُلَّةٍ. وفي المثل: "بقبقة في زقزقة"، أي الكلام الفارغ.

[II] "حذو القذة بالقذة": أي حذو النعل بالنعل.

[III] "سدح مدح": راجع في هذا الصدد خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله في ساحة المهرجان في أول ظهور له بعد الحرب أواخر شهر سبتمبر/ أيلول الفائت.

[IV] "الأكلة على القصعة": قياساً على حديث للرسول الكريم (ص): "تجتمع عليكم الأمم كما تجتمع الأكلة على القصعة".

[V] "شنشنة": من أمثال العرب"شنشنة أعرفها من أخزم".

إنها الشمس.. لكنها المرّة المرّة!

... إلى "س" أو أي اسم يليق باللحظة؛

 

 مذ عرفتك، وأنت تجيدين رصف التفاصيل الصغيرة دوماً، دون الصور الكبيرة. تجيدين النظر إلى انكسار ضوء الشمس على جسد الممثل (الذي هو أنت تقريباً)، ولا تجيدين النظر إلى الشمس نفسها. هل جربت أن تمارسي الغواية كلها بأن تضعي عينيك في عين الشمس في رابعة النهار، هكذا وجهاً لوجه، ومن دون حافظاتٍ شمسية!؟ أو، هل جرّبتِ أن تقرّبي مخرزاً حدّ الوعاء الحيويّ الذي ترقد فيه بيضتا عينيك، ومن دون أن ترمشي رمشة واحدة!؟ تلك هي تمريناتٌ على "فن الكلي"، على فن توسيع حدقة العين، حتى تتسع إلى العالم.

يغريك أنك الكون في جزء، ولا يغريك أنك جزء في الكون، يغريك أنك المجرّة في ذرّة، ولا يغريك أنك ذرّة في المجرة. هذا دأبك، وسوف تنطلين على الخدعة وتنطلي هي عليك، تستبيحين بها ما هو مباحٌ لذات نفسك، وتنسَيْن بخيالك البرّي المتمدد، أنك تستبيحين معه ماهو مباحٌ لذات غيرك. وتلك مشكلة ذاتك، التي لا تقوى على التمدد في الحق إلا إذا كان لها، ودون ذلك، فهي تتقلص تتقلص حتى تغدو حبة رمل، وقت يكون عليها.

ولا أعجَبَ ها هنا، من أن تشرعي لنفسك إباحة فضائك الخاص لمن هو عام (وهو الكثير الكثير، وفيه من يعرف وفيه من يعلم)، تتسلّين بسرده مثل كل الحكايات الصغيرة الصغيرة؛ بينما تستنكرين وتستفزعين وتطفقين إلى استحلاب المواقف لصالحك استحلاباً، ولن يضنّ عليك أحدٌ بكل هذا، إلا من عرفك لا من رآك، عرفك فعرف كلك لا من رآك فرأى جزءك، وذلك ساعة يُصارُ الأمرُ إلى غيرك؛ حتى وهو يشرع لنفسه إباحة فضائه الخاص لمن هو خاص (وهو القليل القليل، وليس له أن يعرف أو يعلم). أرأيت؟. ها إن تفاصيلك الصغيرة الصغيرة تحجبك عن رؤية الشمس، حتى وهي قريبة منك، على مبعدة أن تنهضي من على كرسيّ ظلامك لتفتحي النافذة من خلفك. هي ذي شمس الحقيقة، لكنها المُرّة المُرّة!.

عيناك يا صديقتي، اللتان تعودتا على الكحل وعلى "المسْكَرات" الباريسية، ليستا قادرتين على رؤية شمس التسعينات. ومثلك، من لم يستطع أن ينظر إلا شزراً إلى جاك في آخر جادة 112 عند الحيّ اللاتيني بباريس، وهو سليل أعظم الثورات في التاريخ الحديث (الثورة الفرنسية)، لن يستطيع، مهما بلغت به حدة ذكائه، أن ينصف انتفاضة التسعينات!. وإذا ما زيدت على كل ذلك، أوهامٌ من شاكلة تلك التي يجعجع بها أبداً الضالعون في الخدعة، من قبيل الظلامة التاريخية وأشباهها، لن تستطيعي، وأبداً أبداً، أن تفهمي لماذا حدثت كل تلك الأحداث؟. من المسؤول عنها؟. هل نحن؟. أم الصغار الذين يرغبون في الموت سريعاً!!؟.

خانك حدسك في شكل السؤال، وهو دوماً سيظلُّ يخونك، مادمت لم تجرّبي النظر، بالإضافة إلى الوعاء الذي فيه عيناك، بأذنيك وأنفك وذوقك ولمسك. هل سمعت عن شيء اسمه التاريخ؟. ذلك من أنواع المعارف التي تعتمد على دراسة الصورِ الكبرى، نزولاً عند تلك الصغرى فالصغرى فالصغرى. أيضاً، هل سمعت أن أحداً قال إنه يريد أن يعمل ثورة فقامت ثورة؟. أو أن صغيراً يرغب في الموت سريعاً أشعل انتفاضةً كبيرة؟. أنا لم أسمع!. ولك في تشي غيفارا الذي تمضغين سيجاره مثل لبانِ في فم هاوٍ، عبرة المعتبر. فحتى وهو الكبير الكبير، لم يوفرْه خذلان بوليفيا وفلاحي بوليفيا وشيوعيي بوليفيا!!. هذا يعني أن هناك شيئاً، لك أن تسمّيه مجازاً "رياضيات التاريخ"، ليس من ديدنه أن يرضخ لرغائب الصغار منا، أرادوا أو لم يريدوا، أكانوا مسؤولين أو كانوا ضحايا. وشخصياً، لديّ يقين من نوعٍ خاص، أن للتاريخ قوانينه، والتي حين تقرر أن تكون هناك انتفاضة ستكون هناك انتفاضة، وحين تقول: لا، لن تقوى إرادةُ المريدين، صغاراً كانوا أو كباراً، أحبوا الموت أم كرهوه، أن يخترعوا انتفاضتهم؛ حتى وإن تضخم هديرُ قولهم: نعم!. وأرجو ألا تفهمي من كلامي، أنني أرمي المسألة على قدريّةٍ من أيّ نوع، ولاحظي هنا، قولي "قوانين"، ذلك يعني أنني أحاول أن أفكر في المسألة بالتاريخ، وفي التاريخ.

أرأيت كيف أن التفاصيل الصغيرة لاتخدم دائماً في تذليل الصُّورِ الكبيرة!. أرأيت كيف أن شعاع الشمس ليس سوى وحدة ضوء، يحتاج تبصيرها أحياناً، وأحياناً كثيرة، إلى أن نضع أعيننا في عين الشمس، مع سبق الإصرار والترصُّد!. وفي كل الأحوال، أنا لا أطالبك بغير أن تزيلي الكحل من على عينيك وتبدئي في النظر إلى وهج الشمس من دون محسّنات بديعية!.

انتخابات ثانية.. ومأزق مضاعف

...

...

وإذن مرة أخرى، هو ذا المشهد بدأ يتضح، ولم يكن كذلك قبل أسبوعين. فإلى ما قبل أسبوعين، كان كل شيء غامضاً ومجهولاً. وكان يُضنُّ علينا حتى بموعد صريح للانتخابات. هذا ما أراده من بيديه أن يريد، وهكذا جرت الدواهي على من ليس بيديه أن يريد. اللهم أمرك، سمعاً وطاعة!. سقط التصويت الإلكتروني في الدقائق الأخيرة. سقط لوبي الطبالين والطبالات الذي كاد غرور بعض أشياعه أن يغشى من السكرة؛ حتى قال قائلٌ اعتاد على البصم بالعشرة، أن فلاناً سيفوز هنا وفلتاناً سيسقط هناك!. سقطت الرأس الصلبة التي كانت تتبجح: لارقابة.

...

...

وتأتي انتخابات هذا العام 2006، لتعيد التذكير بمشهد الاستعصاء الذي أقبل فيه البحرينيون على التصويت في الانتخابات الماضية العام 2002. فيومها، كان الاستعصاء هو الاستعصاء، والأزمة هي الأزمة، إنما بفارق جوهري، أن المشكلة ساعتذاك كانت متصلة بالسياق الطبيعي للمغالبة السياسية، بين من يحكمون ومن لا يحكمون، فيما تأتى المشكلة حالياً، وزيادةً على المشكلة السابقة، بين من لا يحكمون أنفسهم.

...

...

من كان يتوقع؟. أن اللحظة التي صرنا نفكر فيها في تجذير نموذج مُتوافقٍ عليه في الاجتماع، سوف ينتهي بنا إلى المآلات هذه؛ أن مضيّ الأعوام سوف يأخذنا إلى تجذير القطيعة، لا التوافق، ومكاثرتها، بما يعفي أي غريزة إمبرياليّة، شرقية أو غربية، أن تتطلع إلينا، وتضعنا في دفاتر أجندتها الخفية. ومن كان يتوقع؟. أن أنضج البيئات الخليجية، كذا رددنا باستمرار، وأكثرها كلاماً وحراكاً سياسيين، هي الآن، أكثرها مأزقاً، وأكثرها خيبةً، بغياً وظلاماً، نزقاً وصلافةً، ومجهولاً وجاهلية!.

 

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، انتخابات ثانية.. ومأزق مضاعف، صحيفة "الوقت"، العدد 237 - الأحد 23 رمضان 1427 هـ - 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

نهار هذا الذي أنا جالسٌ إليه.. لكن أيّ نهار!؟

نهار الجمعة. وأيضاً لا جديد. سوى أن الفارق بينه وبين النهار الذي يسبقه (الخميس) خيط رفيع يحده من الطرفين دقات ساعة "بك بن" بالنسبة إلى من اعتاد على الاستماع إلى هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". ولهذه الدقات وقع الحسام المهندِ، وقدرة أثيرة على تصعيد كمية الحنين "النوستالوجي" لدى البحرينيين الذين كانت ملاذاً لهم يوم كانت معمودية الدم، وحدها من يحق لها أن تتكلم وتأتي بالأخبار من لم تزوّدِ. (التسعينات، العقد المرّ). هي ذي انتفاضة التسعينات، تلاحقنا حتى ونحن أبعد ما يكون عنها، وهذا هو ماجد سرحان، رحمه الله، يحييكم!.

ذات مرة، كنت أجلس إلى صديقة زميلة غير بحرينية اعتادت على أن تنصت إليّ باهتمام ساعة تصاعد ذروة الحنين هذا. أراك تتحدث مثل غاوٍ، قالت. نعم، علقتُ، سأظل أتحدث بمثل هذا الذي تشكلين عليّ فيه، لأن التسعينات غدت جزءاً من أسطورتنا الخاصة. سيرتنا الدموية التي ختمنا بها مشهد طفولتنا إلى غير رجعة. افتتحنا مراهقتنا بها، بمشهد المدرعات الآلية تقف مثل قاتلٍ محترف على مداخل قرانا الوديعة والمُهملة. لا أستطيع أن أتصوّر نفسي لو أنني سُلبتُ مشاهد الرعب الخرافي، التي عشناها بشكلٍ يومي وعلى مدى أربعة أعوام، بسبب تجاسرِنا، والحلم في وطنٍ لا يتكاثر فيه الجلادون وليس فيه مكان للزنزانة. ولا أستطيع أن أتصور نفسي لو أنني سُلِبت الذاكرة هذه، الغنية والخصبة، لكن أيضاً، الأشدّ قسوة في تاريخ مجتمعنا المتطلع إلى الحرية والديمقراطية.

ويوماً ما، سننام مطمئنين إلى أن مثل هذه الذاكرة، الحية والمتجددة، هي زادنا في الرّدّ على صلافة من تفنّن في الرقص على عذاباتنا والدوس على مشاعرنا الحرام، وقابل ببرود أعصاب أسطوري، هيولى سحق إنسانيتنا، ثم جرى من الدواهي وتبدُّل الأحوال، ما جعله "ناشطاً سياسياً" اليوم، و"داعية مصلحةٍ عامّة". (الصحافة تعرّف أحد الطبالين من جمعية "البحرين أولاً" بأنه ناشط سياسي!، أما أنا فنفسي أعرف بس القضية التي يناشط عشانها!؟).
لن ننسى!. وليشرب الممتعضون ماء البحر. سنظل نجترّ هذا الماضي، فصلاً فصلاً، وتاريخاً تاريخاً، ومنعطفاً منعطفاً، وفاءً لأحبة لنا، أقرباء أو أصدقاء أو زملاء في المدرسة أو بُعَداء جمعنا معهم حلم واحد وقضية واحدة، أنّى كانت ملتهم وأنّى كان توجههم، قضوا مقصولين عزلاً برصاص الغدر والهمجية، مادامت أحلامهم لم تتحقق، ومادام الوطن الذي استشهدوا من أجله ما يزال يحمل إعاقته، وبما يكفي لتأبيد الذاكرة هذه.

وبعد... هذا هو نهار الجمعة. وذاكرة التسعينات ليست كل شيء، بل أنني لا أعلم حتى ما الذي حدا بي إلى أن آتي على سيرتها، فهي حلقة في مهرجان وطني حافل، دشنه البحرينيون منذ بدايات القرن البائد. لكن مرحى لمن يعيش بذاكرته، ولا عزاء إلى الناسين أو المتناسين الذين أخذتهم حُمّى الانتخابات بعيداً، بعيداً جداً.

 

 

وطن "رفيع المستوى"

 

بقلم – باسمة القصاب:

لكن ماذا لو أن الأوطان هي من تخون الإنسان؟. أمعقول ما أقول؟. أمعقول أن يخونك وطنك؟. كيف إذن بوطن يتآمر عليك بك. كيف بوطن يشحن بعضك على بعضك. كيف بوطن يحقِّر بعضك في عين بعضك. كيف بوطن يغرر بك عليك. وطن يؤجج فتنتك عليك. وطن يكيد لك ضدك. وطن يصفق بك عليك. وطن يصفع هامتك بيديك. وطن يدوسك برجليك. وطن يغتالك بطيبتك. وطن يخنق هواءك بك. وطن يقررك بشيك. أمعقول هذا الوطن؟.

...

...

وطن مكرماته رفيعة المستوى. حقوقك هبات ومكرمات وعطايا. مكرمة أن تحصل في وطنك على فتات حرية ملثمة، على فتات عدل مبخوس، على فتات مساواة مختلة، على فتات حقيقة مفبركة. مكرمة أن تحصل في وطنك على فتات خبز مدقوق، على فتات سكن محشور، على فتات أرض مرقعة، على فتات ترفيه مكلف، على فتات هواء محجوز، على فتات بحر مدفون، على فتات وطن. مكرمة أن لا تموت من الموت. مكرمة أن لا تفطس من القهر. أمعقولة هذه المكرمات؟.

...

...

قبيحة هذه الأوطان. قبيحة لا معقولاتها. قبيحة معقولاتها. قبيحة صورها. قبيحة صفاتها. قبيحة قوانينها. قبيحة أسماؤها. قبيحة أعلامها. قبيح حتى نشيدها الوطني. "ما أكثر الأوطان التي يبدأ فيها سجن المواطنين بالنشيد الوطني". أدونيس. كل ما تنتجه هذه الأوطان تسبيح رفيع المستوى، نشيد باسم رفيع المستوى، لا مكان لاسم الإنسان في هذه الأوطان.

...

...

 

لمشاهدة المقال كاملاً:

[ زر مدونة مارون الراس، مدونة تأملات تافهة ]

ملل.. ملل

          نهار الخميس. لاشيء لا شيء. استراحة المحارب أم هزيمته!. قرأت الجرائد. لاشيء أيضاً. هناك خبر في الصفحة الأولى من صحيفة "الوقت" للصديق حسين خلف يقول عنوانه: طلب استبعاد "مراقبة الحقوق" و"الحقوقيين" من رقابة الانتخابات. وأنا شخصياً مع هذا الطلب، ولدي الاستعداد لأن أبصم عليه بأصابعي العشرة، رغم أنني لن أدلي بصوتي في الانتخابات. مقاطع.. ما زلت مقتنعاً بالمقاطعة؛ حتى لو زحف الكون كله.

          وهناك في صحيفة زميلة، متهمة حتى إشعار آخر!، ما يشبه الرد على هذا الخبر وقعه محرر جبان وأحمق وغبي تحت اسم "مراقب ديمقراطي". قال فيه "لدينا جمعيات، تساندها صحف، تريد إقصاء جمعيات أخرى بدعاوى واهية". حمار هذا المراقب الديمقراطي.. حمار، ولن يفهم. لسبب بسيط، إنه لا يستطيع أن يفهم. ذلك أن أقصى مرحلة من الفهم يمكن أن يصل إليها من اعتاد على الكتابة بحسب الطلب، هو التوقيع على شيك مصرفي أو ورقة بنكنوت (حلوة البنكنوت هذي عاجبتني!)، لاستلام أجرة الأتعاب. يتعب المراقب الديمقراطي، يتعب كثيراً، لكنه مثل القحبة الرسمية، "قلة حيا وقواية عيون"!.

          ونهار الخميس، أعود لأستذكر أمسي. رسالة نصية وصلتني على الهاتف من صديق محرر في الصحيفة الزميلة، وهو واحد من ثلاثة يتناوبون على الكتابة تحت اسم المحرر السياسي، كما صرح هو بنفسه لأحد الأصدقاء. (ويجب الحذر هنا، فالمحرر السياسي هو غير المراقب الديمقراطي، رغم أن الاثنين من "الكار" نفسه!). كتب لي بعد أن شاهد ما كتبته عنه غامزاً في المدونة: "تهرب لأنك لا تعرف أساساً ما ستقوله لصديق يسعى البعض مؤخراً لتشويه صورته (...) عموماً لديّ ما أقوله لك في حال تشجعت في الحديث لي". يقصد بقوله إنني أهرب، أنني لا أرفع سماعة الهاتف للرد على اتصالاته لي، وذلك منذ أن أفاض علينا طيب الذكر صاحب "البندر- غيت" بتقريره المؤيد.

          وشخصياً، ليس لديّ مانع من الجلوس مع الصديق من الصحيفة الزميلة للاستماع إلى ما يرغب في قوله لي، ولكن ليأخذها مني، إن لديّ كلاماً كثيراً أيضاً يمكنني قوله عن المحرر السياسي الجبان والحقير والغبي، الذي ما لم أسمع نفياً قاطعاً منه بأنه، لا كما بلغني نقلاً على لسانه، ليس واحداً ممن يتناوبون على الاستظلال بعباءته (ما شاء الله عليها من عباءة، تستاهل نقطعها شؤف شؤف!)، فأنا في حلٍّ من داعي الجلسة هذه.

          حزر أنا، أليس كذلك؟. أجل، وزيادة. لا أريد أن أفكر في الغفران لكل من نهش أو ساهم، ولو بجرة قلم، في نهش لحم المعارضة طيلة العامين الماضيين، في إطار الحملة "الوطنية" التي قادها جوقة المطبلين والمطبلات ضداً عليها، والتي كشف البندر جانباً منها. مصدقٌ أنا كذبة البندر، مصدقٌ لها على الآخر، حتى يثبت العكس.

          وأمس أيضاً، حضرت مساءً ولليلة الثانية على التوالي ورشة مسرح الصواري التي خصصها لنقد تجربته مع المسرح التجريبي على مدى الخمس عشرة سنة الماضية. أصغيت باهتمام لمداولات الأخوة في المسرح، عبدالله السعداوي ويوسف الحمدان وخالد الرويعي وإبراهيم خلفان وبقية الحاضرين، حول أفق التجريب، ماضيه، حاضره ومستقبله. استمتعت جداً لأن هناك من ما يزال يفكر في أن ينقد نفسه. استمتعت، لأن الأجواء هنا، داخل أروقة الفن وخارج أروقة السياسة، حميمية جداً، وأثيرة جداً، وشفافة جداً، ووديعة جداً.
        ترى ماذا لو حضر المحرر السياسي ومعه المراقب الديمقراطي إلى هنا قليلاً. أليس عيباً أن يظل بعد هذا، غبياً وأحمقاً وجباناً وحقيرا وحماراً!؟.

المثقف المعمم

...

...

يغادر المثقف ساحة الجماهير بذريعتين: واحدة تتعلق بغوغائية الساحات، والثانية تتعلق ببدوية السلوك الجماهيري نفسه. وذلك نظرياً، أمر صحيح. لكنه، من جانب آخر، يهمل كمّ الغوغائية المستبطن في ساحة السلطة نفسها، وكمّ البداوة، وكم الصّلافة، وكمّ الحيوانية، وكمّ الشرّيّة. من ذا يقول إن حقل السلطة ليس ساحة؟. من ذا يقول إن السلطة ليست ساحة المعركة وليست فضاء "العنتريات التي ما قتلت ذبابة"؟.

...

...

يغادر المثقف المعمّمُ أرض الشعار المقدس ليسكن إلى أرض الهدنة الشخصية. يغمد سيوفه ويشهر أصاصاتِ الورد. وذلك كله يدخل في الخيار الفرديّ المحض. يتوسع في هجاء ماضيه. ماضيه مع الشارع، ومع شارع الشارع. وأيضاً، يدخل كل ذلك في الخيار الشخصي المحض. يجادل بالحداثة والانفتاح ونقد الذات وعلم اجتماع الأديان. حسناً، لقد بدأنا نتفق. نضع أرجلنا في "الكار" نفسه. لكن السؤال هنا: أليس حرياً بمن يطرح سؤال علم اجتماع الدين أن يطرح بالتوازي معه سؤال علم اجتماع السلطة؟. أوليس حرياً بمن يتوق إلى فتح الدين على الحداثة وعلى العلوم الإنسانية أن يظهر من التوق نفسه ما يدل على رغبته في فتح حقل السلطة على الحداثة وعلى العلوم الإنسانية؟.

نسأل الأسئلة هذه، لأن حرارة خير السلطة تحت رجليه الآن، هي أبلغ من حرارة الدين. وحتى لا يتأخر كثيراً في اكتشاف الكنز، كما حصل معه يوم كانت حرارة خير الدين تحت رجليه، هي أبلغ من حرارة السلطة.
 

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، المثقف المعمم، صحيفة "الوقت"، العدد 231 - الأثنين 17 رمضان 1427 هـ - 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

في جلد الذات وإعادة الاعتبار للهواجس السبعينية

قبل أن تقرأ...

...ثم أنني ترددتُ ألف مرةٍ ومرة، قبل أن أكتب عنه (؟). فهو صديق، وصديق عزيز أولاً وأخيراً، وهو ثانياً، واحدٌ من بين ثلة أصدقاء ممن كانت تجمعنا معاً في يوم، أحلام كبيرة، كبيرة جداً، تتصادى مع تفتحنا المبكر على الترددات الهائلة التي غدت تمنحها العلوم الإنسانية الحديثة وجديدات الفكر والفلسفة.

وثم أنني ترددت ألف مرة ومرة، لأنني وأنا أهمّ إلى كتابة هذه السطور، استحضرتُ شريطاً طويلاً من الذكريات، بدءاً من عملنا معاً على تأسيس حلقة "النقد الثقافي" (فشلت سريعاً!)، مروراً بانخراطنا في تجربة حلقة "التفكيكيين العرب" التي كان متحمساً لها كثيراً (فشلت هي الأخرى أيضاً!)، وليس انتهاءً برئاسته تحرير مجلة "أوان" التي التبس وهمها على بعض منا، فراح يعتقد أنها يمكن أن تكون مهاداً للحالة الوليدة الواعدة التي حرص الدكتور عبدالله الغذامي على الإشارة إليها في غير محفل.

وثم أنه انتقل فجأة إلى رئاسة تحرير صحيفة زميلة. وحدث أنني أمسكت بهاتفي الخليوي وكتبتُ له رسالةً نصية أهنئه فيها بمناسبة صدور العدد الأول من الصحيفة. "عقبالك أنت مع الوقت"، علّق. كذلك فعل الأصدقاء علي الديري وعادل مرزوق والبقية الباقية.

وثم أنه، وعلى خلفية توالي صدور أعداد الصحيفة، تبين لي وللأصدقاء أن صديقنا، صديقنا القريب جداً، في طريقه إلى أن يحسم معركة المغالبة بين الثقافي والسياسي لصالح الأخير، ليس ذلك فقط؛ إنما الذهاب بالمغالبة بعيداً إلى حيث لم تعد حساسيته وثقافته الحديثتين تقف حائلاً دون أن يتلاقى في رؤيته مع جوقة "المطبّلين والمطبّلات". الأنكى من ذلك، أنه سمح لصحيفته بمهاجمة مثقفين لمجرد موقفهم من السلطة، كما حصل مع العزيز الدكتور عبدالهادي خلف، حينما كتب في مدونته رأياً وقت أزمة الرسوم الدانمركية لايتلاءم مع مزاج الرأسمال السلفي المستثمر في الصحيفة.

وثم أنه ابتلاه الله بالمرض، شافاه الله وأعاده إلى أهله ومحبيه سالماً، وثم أنه سافر للعلاج في ألمانيا، وثم أنه عاد إلى البحرين، وثم أنه سافر مرة ثانية إلى الأردن، وثم أنه توفي والده، رحمه الله وأدخله فسيح جناته. وثم أنني حرصت على التواصل معه عبر الرسائل النصية طوال الفترة هذه، ولم يأخذني سوء المنقلبات إلى كتابة أي شيء عنه، كما فعل الصديق الديري. وثم أنني قبل أربعة أسابيع، أي قبل تقرير البندر، رفعت سماعة الهاتف وتحدثت معه، قلت "كلما قرأت يومياتك مع المرض في الصحيفة، وضعت يدي على قلبي". شكرني، وأبلغني سلامه إلى الأصدقاء. وثم أنني قرأت تقرير البندر، وثم أنني وجدتُ اسمه لامعاً مثل جذوة نار. وثم أنني أجلتُ ما استطعت، ما كان يجب قوله منذ بدء صدور الأعداد الأولى من الصحيفة الزميلة إلى ساعة صدور التقرير.

اليوم لم أعد قادراً على كتمان ما رغبتُ قوله طيلة الفترة هذه، وليسمح لي، من باب الثقافي وانهيار الأحلام التي جمعتنا معاً، بالكتابة عنه نقداً، ذلك حتى لا نعوّد أنفسنا على مجاملة بعضنا في الأخطاء الأكثر بشاعة. سامحك الله أيها الصديق القريب، القريب جداً!.
 

ما أصعب الكلام!

...
...

مؤلم أن تتثبّتَ هواجسُ بعض ممثلي الجيل السبعيني منا، وهي هواجس محقة كما أثبتت الأيام، هواجسه الذاهبة إلى النظر إلينا من شرفة برج الطاووس، بأننا، ومهما جاهدنا النسيج الصّلف فينا، ومهما بالغنا في التشبيح بقدرتنا على الفكاك من التكوينات الاجتماعية الأشدّ صلابة، ومهما استمتنا في الدفاع عن المركبات "التلفيقية" التي نصنعها والتي تزعم الحراثة في التخوم وبما يوفر علينا إعادة استنساخ مآزق الأختام الشمولية، بدمغتيها الستينية والسبعينية... أننا إلى ما ننوي مجاهدته والفكاك منه والتشبيح ضداً عليه، أقرب. وليس هذا ضرباً من الافتئات والضغينة من طرف الجيل السبعيني على خيارنا الذي تصورنا في لحظة أمل أنه قادر على أن يصل إلى شيء، لأن واقع الحال، أثبت أن بعضنا ذهب إلى أبعد من هذا، وبما يعفي الدكتور إبراهيم غلوم عن الاسترسال كثيراً في استجلاء الشواهد لصالح تلك المقولة التي رماها في كتابه "الثقافة وإنتاج الديمقراطية" وتلقيناها منه، أو قل بعض منا، للأسف الشديد، بالحدّ الأقصى من "الزعل".

...

...

... ثم، ألا يستحق منا الدكتور إبراهيم غلوم كل الشكر وكل الإشادة، لأنه بادر، إذا لم نقرّ بأنه أول من بادر!، إلى وضعنا أمام المأزق الذي نحن إليه سائرون؟. ألا تستحق مقولته هذه أن تكتب بماء الذهب وأن تعلق على جدران التشبيحات الأكثر خيبة، تشبيحاتنا، والتي لم ننفك نرددها، ونحن نشهد اليوم تحقق نبوءته بأيلولة أحلامنا إلى ظهور نموذج المثقف الذي ارتبط بعقود الكوارث والتحولات، والذي يلهج بمصطلحات الألسنية والبنيوية والتفكيكية، والذي انغمس بترديدها في منابر الصحافة المحلية، والذي إن شاء فهو أصولي من حيث الاستراتيجية، وإن شاء مع السلطة، وإن شاء فهو حداثي، والذي يمارس وظيفته بحسب الطلب!.

...

...

 

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، في جلد الذات وإعادة الاعتبار إلى الهواجس السبعينية، ما أصعب الكلام، صحيفة "الوقت"، العدد 230- الأحد 16 رمضان 1427 هـ - 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].
 

ضاعت فكرتي الأولى

 

العمل للفنانة البحرينية وحيدة مال الله

 
 

قم بتحميل النص من الرابط التالي:

امتثال

امتثال

التزاماً بقرار المحكمة الكبرى الجنائية بمملكة البحرين الصادر يوم أمس (الأربعاء) الموافق 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2006، والقاضي بمنع الصّحف من "نشر أي أخبار أو تعليقات أو معلومات بشأن القضية المتهم فيها صلاح البندر".

والتزاماً بقرار المحكمة الكبرى الجنائية الذي اتهم البندر "بالاستيلاء على أوراق مملوكة للدولة وسرقة شيكين خاصين استنادا للمادتين 40 و71 من المرسوم بقانون 47 لسنة 2002 بشأن تنظيم الصحافة والطباعة والنشر."

والتزاماً برؤية المحكمة الكبرى الجنائية التي استندت في تعميمها لقرار المحكمة الكبرى الجنائية على "بعد أن دأبت بعض الصحف على تناول موضوع القضية بصورة من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة وإثارة الفتن بين أفراد المجتمع ومحاولة التأثير على المحكمة".

التزاماً بكل ذلك، أعلن باسمي أنا حسين مرهون واسم مدونتي "مداس آية الله"، أعلى الله مقامها ووفقها إلى سديد مراميها، (أعلن) الامتثال إلى رؤية المحكمة الكبرى الجنائية، وإلى قرار المحكمة الكبرى الجنائية، وإلى روح قرار المحكمة الكبرى الجنائية، وإلى إلزام المحكمة الكبرى الجنائية.

وبناء على ذلك، ألفت عناية زواري الأعزاء إلى ضرورة الامتثال معي إلى رؤية المحكمة الكبرى الجنائية، وإلى قرار المحكمة الكبرى الجنائية، وإلى روح قرار المحكمة الكبرى الجنائية، وإلى إلزام المحكمة الكبرى الجنائية، بالامتناع عن "نشر أي أخبار أو تعليقات أو معلومات بشأن القضية المتهم فيها صلاح البندر".  كما ألفت عنايتهم، إلى ضرورة الاستغناء عن الكلمات التالية عند تحرير تعليقاتهم، واستبدالها بكلمات أخرى لا تدلّ عليها من قريب أو بعيد، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى:

* من الإنجليزية:

sea port, harborage, harbor, jetty, haven, port, anchorage, berth, seaport, roadstead, roads.

* ومن الفرنسية:

dock, escale, mouillage, port, rade, relâche. 

* ومن التركية:

demir yeri, iskele, kaykhane, liman, liman, açklar. 

* ومن العربية:

ينبغي الاستغناء عن كل ما له صلة، من جهة الاشتقاق اللفظي، بالبَنْدَر والبندَرَة والتبندُر والمُبندِر والمبندَر والبندار والبنادر والبنادير والبندرية والبنادرية والبنادورة وبندَرَ ويبندرُ وتبندَرَ واستبندَر وبانَدَرَ وابتندَرَ، ومن جهة المضمون، عن كل ما يُحوّل على معاني "المرسى والميناءُ والمُكَّلُّأ والمدن البحريَّة" و"مقرُّ التَّجار من المدينة"[i] و"المركز الإداري الذي تتبعه عدة قرى" [ii] و"صاحب الثروة" و"التاجر الذي يلزم المعادن أو الذي يخزن البضائِع للغلاءِ" [iii].

هذا ما لزم، ونهيب بالمعلقين والمعلقات على قرار المحكمة الكبرى الجنائية الالتزام معنا بالالتزامات الواردة أعلاه، وذلك حتى نقطع على "محاولة التأثير على المحكمة الكبرى الجنائية".[IV] حفظ الله المحكمة الكبرى الجنائية من الذين يحاولون التأثير على المحكمة الكبرى الجنائية. 

هوامش:

[i] لسان العرب: البَنْدَر: المرسى والميناءُ والمُكَّلُّأ والمدن البحريَّة ومقرُّ التَّجار من المدن فارسيٌّ معرَّب ج  بَنَادر. والشاهَ بَنْدَرُ رئيس التَّجار مركَّب كرامَ هرمز.

[ii] المعجم المحيط: البَنْدَرُ : في بعض الأقطار العربية يعني المركز الإداريَّ الذي تتبعه عدة قرى: مُرْسَى السفن في الميناء: مقر التجّار من المدينة/ الشاهُ بندر, هو رئيس التجّار ج بَنَادِرُ (معرب).

[iii] لسان العرب: البُنْدار التاجر الذي يلزم المعادن أو الذي يخزن البضائِع للغلاءِ معرَّب بُنْ دار بالفارسيَّة ومعناهُ صاحب ثروة ج  بَنادِرَة.

[IV] اقرأ قرار المحكمة الكبرى الجنائية.

البحرين... في مغازي التصدّع وانهيار المشترك

هويات قاتلةمرةً خطر لي أن أسأل رئيس هيئة التحرير إبراهيم بشمي عما إذا كان قد جاء على بال واحد من جيله، الجيل السبعيني الذي شهد أكثر الفترات غنىً من تاريخ تطور مجتمعنا، جاء على باله ولو من باب الرجم بالغيب، أن العمر سيمتدّ به ليشهد انفراط قطع "ليغو" المجتمع البحريني وانفلاش الطائفيات على النحو الذي نشهده اليوم. لا، قال، ومضى يعطي أسبابه. ويوم أمس الأول (الجمعة) سألت شاعرنا الجميل قاسم حداد على هامش لقاء "غير صحافي" معه، السؤال نفسه مع تنويعٍ بسيط. "عاصرنا في السابق حوادث طائفية كانت تصل إلى حدّ إسالة الدم، علّقَ، لكن سرعان ما كان يُصارُ إلى احتوائها". "ما يحدث اليوم ليس هذا، هناك تفجير مستمر للوضع الطائفي، أضاف، باختصار، هذا غير معقول".

...

...

         قلت إن ذلك يجب أن يفتحنا على التشكيك في روايتنا الرسمية "الرومانسية جداً" لتاريخنا الوطني، لأن أحداً لا يمكن أن يتصور، ولو من الجن، أن مأزق الهوية الذي نعيشه اليوم، هو مأزق راهن ومنبتّ الصلة عن أي عملية تراكم (تراكم من تاريخ الجمود لا الحيوية!) حصلت خلال التاريخ، الحديث منه على الأقل. ونقول ذلك، لأنّ أحداً لا يمكن أن يتصور، ولو من الجن مرة أخرى، أن تاريخاً وطنياً بهذا المستوى من الامتداد والخيرية، مثل الذي تنقله لنا المدوّنات التاريخية ومسارد السيَر، يمكن أن ينتهي به الحال إلى ما نحن عليه اليوم؛ حيث الهويات مكشوفة (أصبحت توضع رسومات لها في الصحف!)؛ وحيث الباقي من مُتّحد وطني جامع إلى تجزيء سائر مستمر ومخيف.

...

...

          هل نقول قراءته (التاريخ) على ضوء التدافع بين إرادة البحرينيين في متحد وطني، وإرادتهم هم أنفسهم في تفتيته؟. ربما، كل الأسئلة مشروعة في التحليل، غير أنه من غير المشروع، بل ومن المعيب، أن يأتي واحد من أبنائنا بعد ثلاثين سنة إلى شاعرنا الجميل قاسم حداد (أمدّ الله في عمره) ويسأله عما إذا كان قد خطر على بال واحد من جيله، الجيل السبعيني أن العمر سيمتدّ به ليشهد انفراط قطع "ليغو" المجتمع البحريني وانفلاش الطائفيات على النحو الذي نشهده اليوم!.

 

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، البحرين.. في مغازي التصدّع وانهيار المشترك، صحيفة "الوقت"، العدد 223- الأحد 9 رمضان 1427 هـ - 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].



<<الصفحة الرئيسية
لمراسلة صاحب المداس: hussain.marhoon@yahoo.com