مداس آية الله

مدونة علمانية ذات صاحبها غير مصونة ويمكن أن تمس.

بس محمود اليوسف

محمود اليوسف
 
         أتذكر قبل نحو عام ونصف، أن السيد وزير الإعلام محمد بن عبدالغفار دعانا، نحن المحررين الثقافيين في الصحف المحلية إلى مكتبه في مبنى الوزارة للتشاور معنا (يابختنا!) في ما أسماه مشروعه "للتشجيع على القراءة". وأتذكر أنني تحدثتُ من بين من تحدثوا في مداخلة لي (ويستطيع أن يطلب من سكرتيره الخاص أن يحضر له محضر الاجتماع للتأكد!) عن أمرين: غلاء أسعار الكتب مقارنة بالدخل المحدود للمواطن البحريني (نحو 33 ألف بحريني، أي 47 % من العاملين البحرينيين في القطاع الخاص يتقاضون أجوراً تقل عن 200 دينار، حوالي 530 دولار أميركي)، داعياً إياه للتفكير الجدي، إن كان جاداً في مشروعه (بعد عام ونصف يبدو أنه نساه!) من موقعه كمسؤول في طريقة ما لدعم الكتاب، مستشهداً في ذلك بتجربتيّ مصر وسوريا في هذا الصدد، وعن مسألة أخرى تتعلق بسياسات التعليم، وكيف أن التعليم عندنا رجعي وفاشل ولا يخلق أي حسٍّ نقديّ حيال القضايا الأكثر ثباتاً لدينا، ولا أية قابلية للاطلاع على الكتب التي تناقش بحسٍّ نقديّ هذه القضايا.
          وعليه، رجوته ألاّ يستغرق كثيراً في طرح سؤال: لماذا لا يقرأ الناس؟، والاستعاضة بدلاً عنه بسؤال آخرتكويني: ماذا يقرأون؟. لأن العبرة ليست بالتكثير، ولأنه وإذا ما قدر له زيارة أي معرض كتاب أو أية مكتبة عامة، سوف يكتشف أن أكثر الكتب مبيعاً، هي الكتب الخلافية، فضلاً عن تلك، المتعلقة بالسحر والشعوذة!.
بس محمود اليوسفومما أتذكر أيضاً، أنه تحدث بإسهاب عن كتاب الزميل محمد البنكي، سامحه الله دوماً، "ديريدا عربياً"، الذي قرأ مقالة عنه في صحيفة الحياة اللندنية، وحاول توظيفها في المزايدة على "الطاقات الوطنية التي لدينا". ثم اختتم حديثه بطرح السؤال التالي: ولكن لا أدري، ما إذا كانت العلوم الإنسانية تؤكل عيشاً أو لا!؟. لا، علقت، وحين أبدى استغرابه، رحت شارحاً له مأساة الصديق الدكتور نادر كاظم، وهو من جيل البنكي، وكيف تحالف لوبي الإخوان المسلمين والسلف من قسم اللغة العربية بجامعة البحرين ضداً على تحويله إلى سلك التدريس في القسم، وكل ذلك بسبب ما رآه بعضهم هجوماً على الدّين في كتابه: "صورة الآخر.. تمثيلات الأسوَد في العصر العربي الوسيط" الذي حاز به على درجة الدكتوراه برتبة امتياز من مصر.

 وأتذكر أخيراً، أنني خرجت من الاجتماع وليس في نيتي أن أكتب شيئاً عما أسماه الوزير "مشروع التشجيع على القراءة"، وهكذا جرت الأمور معي، مقتنعاً بأن الأمر لا يعدو أن يكون مسألة "بروباغندا" يريدنا أن نشتغل برسمها، وهو ما أثبتته الأيام.

اليوم نسمع، أن الوزارة نفسها التي يقع على رأسها الوزير نفسه والذي كان قد استدعانا قبل نحو عام ونصف من أجل أن نكتب عما أسماه مشروعه "في التشجيع على القراءة"، هي نفسها التي أصدرت قراراً بحرماننا من قراءة مدونة الزميل المدون محمود اليوسف ابن المرحوم الفنان ناصر اليوسف وأشهر المدونين البحرينيين وصاحب حملة "بس بحريني"!! وهي نفسها التي أصدرت قراراً بحرماننا من قراءة موقع "الحوار المتمدن" و"منتدى اللادينيين العرب"، فيما المواقع الطائفية والسلفية المتشددة تسرح وتمرح (مع ذلك هذه ليست دعوة لحجب الأخيرة!).

عيب، عيب جداً أن يختتم سعادة الوزير آخر شهر له في الوزارة بهذا القرار الجاهل والغبي. وعيب أكثر أن يؤول ما أسماه مشروعاً للتشجيع على القراءة إلى مجرد مشروع قمعي يصادر على القرّاء وعلى القراءة، وذلك لمجرد أن ما نقرأه لا يروق له ولا يسعفه بجرعةٍ إضافية يزايد بها على "الطاقات الوطنية التي لدينا". ألم أقل لك يا سعادة الوزيرة، أن المشكلة، كل المشكلة في: ماذا نقرأ!؟.

ليلة العزف على اللؤلؤ

 

اعتذرت هذا الإسبوع للزميل محمد فاضل عن كتابة مقالي الأسبوعي ليوم الأحد. "ضيقة نفس"، قلت له في رسالة نصية بعثتها له بواسطة خدمة الـ"إس إم إس". "هون عليك، ردّ عليّ، وإن احتجت لقليل من الإصغاء فقلبي مفتوح لك". شكراً أبو إياد، عشمي فيك لا يخيب أبداً. وأمس (السبت) اخترت أن أهرب من يوميات السياسة اليابسة، مثل يباس خشب الساج، ومن جعجعة الحملات الانتخابية، وهي جعجعة بلا طحين، بالذهاب إلى حفل افتتاح مهرجان البحرين الخامس عشر للموسيقى الذي رُفع الستار عنه في الصالة الثقافية جوار متحف البحرين الوطني.  وكاد أن يكون هروبي كاملاً، لولا صدفة جلوس عضو اللجنة المركزية في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي (يسار) عبدالجليل النعيمي إلى جانبي. (هي ذي السياسة إذن مرة أخرى!).

استمتعت بالاستماع إلى معزوفات أوركسترا الحجرة التابعة إلى معهد بيلاروسيا للموسيقى التي تتكون من مجموعة من العازفين حديثي السن من طلبة المعهد. مؤلفات لموتسارت وتشايكوفسكي، كلها كانت حاضرة، وقلبي كان يخفق  يخفق. ليس فرحاًًًًً، إنما هلعاً. كيف لهذه الأصابع الصغيرة القدرة على خلق كل هذا الجوّ العاطفيّ الكبير والخلاّب.

تصاعد هلعي حين أطلت العازفة البحرينية الشابة نور القاسم التي عزفت مقطوعة لموتسارت رفقة أوركسترا بيلاروسيا. كنت أدقق في حركة أصابعها وهي تنهمر على آلة البيانو مثلما تنهمر أصابع الغواصين، ومنهم جدي لأبي عبدالرسول رحمه الله، على حبات اللؤلؤ (والمجاز لحسين المحروس). لحظات إصغاء سادت الصالة، ثم ترجّلَتْ منحنية بذراعيها أمام الجمهور وسط إيقاع التصفيق الحار.

المفاجأة الأكبر، جاءت من عازف هندي صبي عمره 14 عاماً، واسمه سد رمشندر. كأن أصابعه التي عزفت إيقاعاً عاطفياً وسريعاً، على البيانو هي البيانو نفسه. وقف الجمهور ليصفق له طويلاً، فيما تقدمت امرأة شقراء، أخمن أنها مدرسته في معهد كريستوفر، لتقدم له باقة وردٍ حمراء. شكراً رمشندر، يا سليل الهنود الفقراء والطيبين.

الأهم من كل ذلك، وهي المفاجأة السارّة لي ولكثيرين، أن فرقة البحرين الموسيقية، وهي بحرينية بالاسم فقط لأن معظم عازفيها مصريون لهم كروش كبيرة!، وكذلك فرقة محمد بن فارس، لن تشاركا في مهرجان هذا العام، وحسناً فعلت إدارة المهرجان، حين هي رحمت آذاننا بعفّها عن الاستماع إلى إيقاعات الطبول والطارات التي أكرهها مثل كرهي لثلاثة قراصنة أدعو الله أن يأخذ أرواحهم منذ صغري (واحد منهم مات بالمناسبة!).

 وسط هذا الجوّ العاطفي وأثناء فاصل استراحة قصير، ملت على النعيمي هامساً "لو أن جميع السياسيين كانوا حاضرين هنا يستمعون إلى أنغام الموسيقى البيلاروسية أما كانوا أقلّ بشاعة؟.". ابتسم لي، وراح يحدثني بحماس عن فترة إقامته في روسيا، ومدى عشق الروس للموسيقى. (قد لايكون دقيقاً سؤالي، لأن طبولاً كاملة من وزراءً ومرتشين وحرامية كانوا حاضرين، ويا جبل ما تهزك ريح!).

خرجت من الصالة على أمل أن أعود في الليلة الأخرى، أي أمس (الأحد)، للاستماع إلى موسيقى الهنود التي سيقدمهما الهنديان رونو ماجمدار وبومبي جياستري وفرقتيهما. والفنانان يمثلان اتجاهين مختلفين في الموسيقى الهندية، ففيما يمثل ماجمدار التقاليد الموسيقية المعروفة باسم "الميهار غارانا" التي أوصلت العديد من الفنانين كرافي شنغار وعلي خان إلى قمة المجد، تمثل جياشري الجيل الموسيقي الصاعد الذي يتشبث بالأصالة الموسيقية والفنية "الكرنتيكية".

لم يحصل لي ذلك، واخترت أن أذهب إلى الجامعة لحضور محاضرة الدكتور عبدالله الحيدري، خوفاً من حرماني من الامتحان النهائي لكثرة تغيبي، غير الإرادي طبعاً.

الأمل أن أتمكن الليلة (الاثنين) من حضور حفل الموسيقى الإيرانية. لكن قبل ذلك، علي أن أصحو في الصباح الباكر لحضور محاضرة الدكتور عبد ربه في الصخير. محمد عبدالله، أيقظني!.

 

العازفة البحرينية نور القاسم

 

أوركسترا معهد بيلاروسيا

 
   

هذا "الإخوانجي" الكلب

المجرم نزار العاني
 

§       العراقي حامل الجنسية البحرينية المجرم نزار العاني، عضو حركة الإخوان المسلمين والأستاذ في جامعة البحرين سابقاً، وحالياً رئيس جامعة الاتحاد في الإمارات العربية المتحدة، وهو كاتب وواضع خطة (مانيفستو) "مقترحات لتدعيم الجبهة السنية بالمجتمع في مواجهة الانتشار والتخطيط الطائفي الشيعي للهيمنة" التي اعتمد عليها المجرم الآخر أحمد بن عطية الله آل خليفة في مشروعه للتحكم في مخرجات العملية الانتخابية وضرب وحدة الشعب البحريني، وذلك مقابل مكافأة شهرية قدرها 3000 دينار بحريني (حوالي 8000 دولار أميركي).
 
      [ اقرأ مقال نادية برهان في صحيفة السفير اللبنانية هذا اليوم (السبت)].
 

الدليل

الدليل

 

أيها المسافر،

أخفيتَ الشبح، شبحك

وتركتَ الدليلَ عليه

-  اهربْ

القناصةُ في الأثر!.

  

المثقف حارس الأسلاب

ليس من الروحانيين، وإلا لما قال "أنا"، ومن قال أنا هلك دوماً. وليس من السياسيين، وإلا لما اعتمر مسوح الروحانيين. وليس من غوغائيي الساحات، وإلا لما حازَ على الرزانة كلها من طريق المشي على رخام البلاطات، وهو امتياز لا يتحصّلُ عليه إلا ذو شأنٍ وخفيف شعبوية. وليس من النخبة، وإلا لتخلص من الخطابة والبلاغة ومن الإنشائيات "التي ما قتلت ذبابة". ما هو إذاً؟ هو كل هذا المتعدد دفعة واحدة، أي ليس بالتقسيط. فإن قلت روحانياً، فهو الروحاني، وإن قلت سياسياً، فهو السياسي، وإن قلت شمولياً، فهو الشمولي، وإن قلت نخبوياً، فهو النخبوي. كل هذا، كل هذا. إن قلت الاقتصاد، حاضَرَ لك من سانغفورة الشرق (دبي)، وإن قلت الفنّ، أتاك الخير من أصيلة، وإن قلت الأديان، طلع عليك من الفاتيكان، وإن قلت الفقه شارطَكَ بغزالي مصر وخاتمي إيران.
...

...

قل لي، يا ليس المثقف الداعية، وليس المثقف النبي أو الرسول، على ما يحلو له التشبيح دوماً، ما تكون ينبغياتُك هذه، ما تكون أفعال أمرك... وتكونُ أفعالُ زجرك؟. أرجوك، لا تقل إنها شكٌّ ديكارتيٌّ أو أنها علوم إنسانية. لا تقل، إنها أسئلةُ حداثةٍ أو سلاح عصرية. قل إنها أيّ شيء، إلا أن تكون كذلك. قل إنها الدهاء والممكن والواقعية. قل أنها الخيار، خيارك، قل إنها الشعار، شعارك، قل إنها الرؤية، رؤيتك، قل إنها الردّة والخلاصة الشخصية.
...

...

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، المثقف حارس الأسلاب، صحيفة "الوقت"، العدد 245 - الأثنين غرة شوال 1427 هـ - 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

 

المرأة أنثى.. والسلطة ذكر

...

...

الصورة للفنانة الإيرانية شيرين نشأتهل تقف ضداً على دخول المرأة؟. لا، أقف ضداً على "تذكير" دخول المرأة. هل تدعو إلى "تأنيثه" إذن؟. أيضاً لا، أدعو إلى أنسنته. ذلك حلم، أنت تعرف أنه في مجتمعات أبويّة، الطاعة فيها رجل والخطيئة أنثى، ليس من طريق إلى تثمير هذا الذي تدعوه "إنسانية". لكنني أعرف أيضاً، أنه في المجتمعات هذه؛ حيث السياسة ذكر، والسلطة ذكر، والسيادة ذكر، والقانون ذكر، والتمثيل ذكر، وتدبير الاجتماع ذكر، وداعي المصلحة العليا ذكر، والمداهنات التي تدار من تحت الطاولة ذكر، والمداهنات التي تُدارُ من فوق الطاولة ذكر، (أعرف) أن دخول المرأة إلى السياسة ليس سوى تجميل لذكورة الذكر المتعدد هذا.

...

...

هل تدافع عن القطيعة؟. ليس تماماً، أدافع عن الفعل التواصلي؛ حيث يتوقف الذكر عن تذكير نفسه؛ وحيث تتوقف الأنثى عن تأنيث نفسها؛ وحيث يتوافقان في المحصلة، على هوية وطنية جامعة، أكبر من الوعاء "الجندري" الذي يسيجان به ذاتيهما، مثل سورٍ عازل. لكن قل لي، ما دخل لطيفة القعود بكل ذلك!؟. دخلها، في أنها جاءت إلى هذا الحشد المستوفي للحد الأقصى من الذكورة، بالحدّ الأقصى من الذكورة نفسه. جاءت إلى ديمقراطية الذكر بأسلحة الذكر، وبحيل الذكر، وألاعيب الذكر، وأساليب الذكر، وقواعد لعب الذكر، ومكرية الذكر، ومخاتلة الذكر، وذئبية الذكر. وكان يجب عليها أن تجيء، بالردة على كل ذلك.

...

...
أنت لست متفائلاً إذن؟. دعني أصيغ سؤالك بطريقة ثانية. ماذا كنتُ أنا فاعلاً لو كنتُ مكان القعود؟. لو كنت أنا مكانها، لرفضت أن أفوز إلا بجدارة، على مرأى من يرى وعلى مسمع من يسمع. ولرفضتُ أن آتي إلى البرلمان بولاية أمرٍ من أخٍ ذكر. ولرفضتُ أن أفوز على لا منافسين. ولرفضت أن أثبت مكان سكني باستقبال الناس في الصيف في جزر حوار. ولرفضتُ أن تقتصر قاعدتي الانتخابية على ألف نسمة. ولرفضتُ أن أفوز بالتزكية. ولرفضتُ استقبال رسائل التبريكات وفاكسات التهاني إلا بالفوز في معركةٍ جدية. ولترشحتُ في مقابل رجل أو امرأة، لافرق. ولأصررت على أن يكمل المترشحون، رجالاً كانوا أونساءً، خوض الشوط معي إلى النهاية. ولقاومتُ إكراههم، لو وجد من يكرههم!، على الانسحاب. ولبحثتُ لي عن مترشحين ومترشحات منافسين ومنافسات في حال أصرّ المترشحون والمترشحات المنافسون والمنافسات الذين معي على الانسحاب. ولأبيت على نفسي أن أسكت على الحسابات التي تجري من تحت الطاولة، لو وجدت هناك حسابات تجري من تحت الطاولة!. ولدخلتُ الانتخابات مرة ثانية وثالثة ورابعة، تماماً مثل دخلت المرة الأولى، إلى أن تنكسر الرأس الصلبة ويشعر الناخبون أنني الأصلح إلى تمثيلهم.

...

...

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون،المرأة أنثى.. والسلطة ذكر، صحيفة "الوقت"، العدد 244 - الأحد 30 رمضان 1427 هـ - 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

المثقف المقاول

سهلٌ جداً على مثقفٍ مملوء البطن أن يحملَ على غوغائية المجتمع. فما أسهل الدوس على هذا الذي يدعونه "المجتمع". ليس مثقفاً ذاك الذي لا يبدأ طريق المجد من النقطة التي يتخفف فيها من الشعبوية ومن همجية الجماهير. وليس نخبوياً ذاك الذي لا ينتهي به طريق المجد هذا إلى الارتماء في حضن تلك "الزائدة الدودية" و"الوحش الأشد بروداً" الذي اسمه دولة. كأنما كُتِب على المثقف أن يسلك طريق الضدين هذا، وكأنما المطلوب منا أن نركن إلى هذا الحدّ الفائق من الخدعة. كيف لا؟ أليس هو اللاّبس عمامة رسول الله، وأليس هو، مادام الحال هذا، من يجب أن يُقال له: سمعاً وطاعة.

...

...

وليس معلوماً؛ حتى الساعة، من أي أصناف المثقف جاء داعية المستقبل هذا. فلا هو المثقف العضوي عند أنتونيو غرامشي، ولا هو المثقف الدنيوي عند إدوارد سعيد، ولا هو المثقف الداعية عند عبدالإله بلقزيز، ولا هو مثقف النهايات عند علي حرب. بلى، هو المثقف المقاول الذي غدت تفرخ منه مراجنُ الورشات الليبرالية الجديدة نسخاً بالآلاف، وبحسب الطلب. هو الذي أقرب إلى الخبرة وإلى التنفيذ منه إلى صياغة الفكر. هو الذي يساهم في تسيير ماهو قائم وليس مطلوباً منه طرح بديل. هو الذي سلاحه في وجه خصومه قائمة من ‘’الينبغيات’’: ينبغي أن، يجب أن، إن علينا، يُفترض...إلخ وليس صناعة الحقائق على الأرض. الحقيقة الوحيدة التي يصنعها، هي لنفسه، الإثراء، والإثراء الفاحش، السلطة، والمزيد من السلطة.
...

...

لقراءة المقال كاملاً:

[حسين مرهون، المثقف المقاول، صحيفة "الوقت"، العدد 238 - الأثنين 24 رمضان 1427 هـ - 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2006].

 

أيها العيد.. يا صديقي

 

الشمس من ثقب مخرز

 

إلى "س" أو أي اسم يليق باللحظة مرة أخرى وأخيرة؛

 

ليس كمن تنبّأ النبأ، ليس كمن رأى الرؤيا. ليس كمن أُورِثَ العلم أو خَبَر الحكمة، ولكنه كان يقرأُ النصّ بقلبه، فينبسطَ له ويلين. وها أنت تثبتين، ومرة بعد مرة، أنك إلى ما أُصرّ على رؤيتك عليه، غيرةً وتحاملاً (هكذا رأت إليّ شلة "الغانغو" اللندني!)، أقرب؛ حتى وأنت تطرّزين كلمات التمجيد وتَسُكّين مدائح الظلّ العالي في حق ما كتبت. ها أنت تستحلبين لصالحك المواقف البعيدة، وقد سبق وأن قلتُ لك إن أحداً لن يضُنَّ عليك بكل هذا، فتأتيك وفيرةً عبر بقبقات "الغانغو" الغبي والأحمق[I]، الذي لفرط غبائه وحماقته، فضّل أن ينشد كورالاً جماعياً، ضداً على ما هو فرديّ وشخصي، ظاناً أنه بذلك إنما يسجّل موقفاً، ويدفع ضرراً عنك، فيما لم أرد أنا الضرر أصلاً ولا حتى سعيتُ إليه، قيد أنملة.

والحق في جزءٍ من ذلك عليك، ذلك أنك بسَطتِ له صورةً مبتورةً من الطرف إلى الطرف، ومسكينٌ هذا الذي يهبُّ ويفزع من أجل صورة مبتورة من الطرف إلى الطرف!، فجرى مع الوهم بعيداً، بعيداً جداً، وراح يتصوّر أنه بمغالبته المستأسدة إنما يبطل باطلاً ويحق حقاً. وهو في المهمة هذه، وما ظننت (أنت) خُيَلاءً أنه كفّى ووفّى، قد كبا كبوة الحصان الأعرج ذي الساق الخشبية والجمل الأجرب!.

والحق في الجزء الباقي من الحق عليه، هذا الذي طفق إلى الفزعة كلها، وراح بروح العصبية القبلية، وإن لم تكن، فبروح العصبية الذكورية، وإن لم تكن، فبروح العصبية المناطقية، وإن لم تكن، فبروح العصبية الجاهلية، وإن لم تكن، فبروح العصبية التي هي العصبية وكفى، ينجرّ إلى ما أردتِه له، حذو القذّة بالقذّة [II]، فصاغ كوراله الجماعيّ، كأبشع ما يكون عليه كورال، ويرغي ويزبد كأشذّ ما يكون عليه إرغاءٌ وإزباد.

لم تقولي لأوْلاء البقباقين اللندنيين، "غانغو" الزلفى وملتقى الخديعة، أنك قدمتِ لهم هذا "الشاب الأعمى البحراني" بأرخص ما تكون تقدمة، لم تقولي، إنك مثلتِ به وقدمت رأسه على صحنٍ من ذهب، ينكث فيه نصْلُ الحاطّ رحاله والعابر عبور "الترانزيت"، لم تقولي لهم، إنك وبعد انفضاضِ السّامر لم تقوي إلا على أن تعتبريه "أعمى بصر وبصيرة"، لم تقولي إنك وبينما كنت تتجاسرين بالجلوس معه، كنت تفكرين "في عشرات الغرف التي تمتلكينها في بيتك والكنبات الحمراء والبنفسجية التي كنت تخافين الجلوس عليها لبهاظة ثمنها"، لم تقولي –ويا لمصيبة هذا "الغانغو" البقباق المسكين!- أنك في لحظة هذاءٍ عصابي عفّتْ حساسيتك عن أن تنظر إلى أصدقائه إلا باعتبارهم "مجموعة لايمكن بأي حال الاختلاط بها"، ثم أنه، أي هذا الشاب الأعمى البحراني، أعمى البصر والبصيرة، لم يردّ على كل هذا، وفضّل أن يلوذ بصمت المُضْطَغَن، على أن يدخل في مماحكةٍ، فيها ما فيها من الامتهان، خصوصاً حين هو يؤاخذك على إرادة النطق وحريتك في أن تنظري إليه أنى ما شئت أن تنظري، افتئاتاً أو تحاملاً أو صواباً. فسكتَ، سكتَ رغم الألم الذي يسببه السكوتُ على الضغينة.

ثم أنك لم تقولي لهم، شلة "الغانغو" اللندني البقباق الغبي الأحمق والمسكين!، كل ذلك، وأتيتِ أخيراً، لتسْطي على موضوع من مدونتي لم آذن لك فيه، وزيادةً على ذلك، قمت بإراقة حروفه على مدونتك من دون الإشارة إلى السياق الذي ورد فيه، ولا من أيّ فضاءٍ كلّي ابتُسِر منه، فصار كما لو أنه جزءٌ من تراسلٍ شخصيّ خالص بيني وبينك!. ناهيك عن أنك أخفيتِ عن هذا "الغانغو" اللندني البقباق الغبي الأحمق والمسكين، بمن كنتِ قد اتصلتِ، وإلى من انتجبتِ، وعند من انتخيتِ، استجداءً لنجدة المنجد وطمعاً في التأليب وفي الفوز بمقام الضحية؛ وكل ذلك لأنّ صديقة، وصديقة قريبة جداً، رقشَتْ من الكلمات (أفاض الله المنّ والسلوى على كيبوردها!) ما خُيّل إليك أنها قد رأت الشمس، على علاّتها، في واضحة النهار.

وكنتِ في كل ذلك، كمن خطأ الخطأ كله، فلا أنت نظرت إلى سابق فعالك، ما بحتِ به وما استبحتِه (سدح مدح!) [III] من فضاءٍ خاصٍّ على جمهورك العام، ولا أنت أحسنتِ التقدير، ورؤية الرؤيا في حق هذه الصديقة القريبة، والقريبة جداً.

ثم تداعى هذا "الغانغو" اللندني البقباق الغبي الأحمق والمسكين كما تتداعى الأكَلَة على القصعة [IV]، لينتصر إليك بتينك الشنشنة [V]  التي لعمري، ما رأيتُ مثلها شنشنة، غير آبهٍ إلى ما على عينيه من غشاوة، وما فيهما من حوَلٍ وعوَرٍ، وما في فؤاده من غلٍّ وما في عقله من انحيازٍ وخطل!. وهو فوق كلّ ذلك، فضّل أن يمضي على درب الاستهبالِ واثقاً، بجهل الجاهل وخمول الأحمق البليد؛ حتى وهو يرى المعنى واضحاً أمامه، من دون حجابٍ يحجبه أو ستارٍ يلفُّ دفائن حروفه.

فقوّلني ما لم أقله في غيفارا، متسائلاً بهفوة المُريب: من ذا قال إن غيفارا حكرٌ على الفقراء والسياسيين حدهم!!؟؛ بينما كان شاهدي واضحاً، وليرجع هذا "الغانغو" اللندني البقباق، الهابّ من مقاعد الكسلى وخَطَرَات المستريحين، إلى النصّ، ليرى كيف أنّ شاهدي من غيفارا، كان في مكانٍ آخر تماماً، وليسمح لي أن أعيد عليه ماقلت، مادام مصرّاً على أن يراني من نافذة الكحل الأسود الّتي ترين إليّ منها وإلى العالم وإلى الأشياء من حولك: "هل سمعت أن أحداً قال إنه يريد أن يعمل ثورة فقامت ثورة؟. أو أن صغيراً يرغب في الموت سريعاً أشعل انتفاضةً كبيرة؟. أنا لم أسمع!. ولك في تشي غيفارا الذي تمضغين سيجاره مثل لبانِ في فم هاوٍ، عبرة المعتبر. فحتى وهو الكبير الكبير، لم يوفرْه خذلان بوليفيا وفلاحي بوليفيا وشيوعيي بوليفيا!!".

... ثم، فهذه دعوتي إليكِ مُجدَّدةً، يذهب الزمان ولا تذهب، أن تزيلي الكحل من على عينيك وتبدئي في النظر إلى وهج الشمس من دون محسّنات بديعية، وإن شئت زدتك، أن تنظري إلى وهج الشمس من دون "غانغوات" لندنية بقباقة غبية حمقاء ومسكينة!. 

(بالمناسبة، إنني أتساءل فقط عما إذا كان السيد طارق السادة يقرب بشيء إلى صديقي الجميل الناقد المسرحي أثير السادة الذي ما عرفت عنه أنه تورّط يوماً في التوقيع على بيانات "غانغو" غبية وحمقاء مثل هذه!!؟).

 

* هوامش توضيحية لبعض "الكلمات الرنانة":
 

[I] بَقْبَقَةُ: "بَقْبَقَةُ الماءِ" : الصَّوْتُ الصَّادِرُ عَنِ انْسِكابِهِ مِنْ قِنِّينَةٍ أَو قُلَّةٍ. وفي المثل: "بقبقة في زقزقة"، أي الكلام الفارغ.

[II] "حذو القذة بالقذة": أي حذو النعل بالنعل.

[III] "سدح مدح": راجع في هذا الصدد خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله في ساحة المهرجان ف